شؤم
المعصية
الحمد
لله رب العالمين.. أنار الطريق لعباده الصالحين
وعن عَبْدُ الرَّحْمَنِ
بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُصُ
فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِهَا، فَبَكَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَرَأَيْتُ أَبَا
الدَّرْدَاءِ جَالِسًا وَحْدَهُ يَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ مَا
يُبْكِيكَ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، فَقَالَ:
وَيْحَكَ يَا جُبَيْرُ، مَا أَهْوَنُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا
أَضَاعُوا أَمْرَهُ، بَيْنَمَا هِيَ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُمُ
الْمُلْكُ، فلما تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ صَارُوا إِلَى مَا تَرَى.
فقال
تعالى ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ
آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112].
فجعل
العبيد ملوكاً بطاعته، والملوك عبيداً بمعصيته، فالعز كل العز في طاعته والذل كل
الذل في معصيته، فقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ
جَمِيعًا ﴾ [فاطر: 10].
وقال
تعالى أيضا ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153].
قال
الله -جل وعلا- في كتابه العظيم في سورة طه: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ
لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ
فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (123-124) سورة طـه. قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في
الآية, تكفل الله لمن اتبع هدى الله أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة,
ولكن
سرعان ما ينسي الناس هذه الغاية وتلك المهمة وهذا الطريق فينحرفوا عن الطريق
المستقيم فتزل أقدامهم في المعصية مما يؤدي بهم إلي الوقوع في مستنقع الرذيلة
وظلام المعصية والهلاك الذي يعم الفرد والمجتمع.
وفي
هذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (إن للحسنة ضياء في الوجه ونوراً في القلب وسعة
في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الناس. وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في
القلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضاً في قلوب الناس). وقال جل وعز: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا
لَهُ مِن نُورٍ ﴾ [النور:40].
فما
ظهرت المعاصي في ديار إلا أهلكتها، ولا تمكنت من قلوب إلا أعمتها، ولا فشت في أمة
إلا أذلتها.
المقصود
من الحديث عن شؤم المعصية هو التحذير من مغبة الاسترسال فيها وإطلاق العنان للخوض
في حدود الله، وهو من باب قول القائل قديماً: عرفتُ الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن
لا يعرف الشرّ من الخير يقع فيـه. وهذا كان حال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم
كانوا يسألون دائما عن الشر مخافة الوقوع فيه.
الذنوب
تنقسم إلى قسمين: صغائر وكبائر، ولقد سمى نبينا الكبائر بالموبقات والمهلكات، وكل
ذنب توعد الله مرتكبه بعذاب أو لعن أو حد في الدنيا، ولقد ذكر لنا نبينا أصناف
العذاب المختلفة التي يلقاها مرتكبو الكبائر، كشاربي الخمر ومن يزني ويسرق ويتكبر
على الخلق ويعرض عن كتاب الله ودينه.
أما
الصغائر فقد حذر منها نبينا إذ يقول (إياكم ومُحَقّرات الذنوب، فإنما مثل محقّرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن
واد، فجاء ذا بعود وذا بعود، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقّرات الذنوب
متى يُؤخذ بها صاحبها تهلكه) رواه أحمد.
العنصر
الثالث: حال السلف مع المعصية:-
وما
كان السلف رحمهم الله تعالى يعلمون معنى الإيمان وأن من أراد الخير في الدنيا
والآخرة فلا يجوز له أن يتسامح لنفسه في معصية وهو يعلم أن الله يراه عليها ،
فكانوا في الطريق إلى سائرون لا يحيدون عنه أبداً ، ولا شيئاً يسيرا.
كان
السلف الصالح يتعاملون مع المعصية بحذر شديد، فعن عبد الله بن مسعود قال: إن
المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب
مر على أنفه فقال به هكذا - أي بيده - فذبه عنه أما المعصية والعياذ بالله فهى شؤم
على صاحبها..
وعن
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إنكم تعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر،
وإن كنا لنعدها على زمن رسول الله من الموبقات).
فكانوا
يعلمون علم اليقين شؤم المعصية على القلب والبدن.. لذلك كان الواحد منهم إذا نزل
بهم بلاء أو شكوى رجع إلي نفسه وعاد باللائمة عليها، وقال لابد أني قد أذنبت ذنبا،
ولابد أني قصرت في حق الله تعالى، لابد أني فرطت في جنب الله، ظلمت عبدا من عباد
الله ضيعت فريضة من فرائض الله، انتهكت حرمة من حرمات الله تعالى فسرعان ما يرجع
إلي ربه، ويقرع باب التوبة مستغفرا يقول ما قاله أبونا آدم وأمنا حواء حينما أخرجا
من الجنة قالي تعالى: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ
لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف: 23].
هذا
شأن المؤمن إذا أصابه خير رد الفضل إلي الله وقال الحمد لله الذي بنعمته الذي تتم
الصالحات، وإذا أصابه شر لم يلم إلا نفسه ولم يتهم إلا نفسه قال تعالى ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا
أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 79].
مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ:
أَنَّهُ لَمَّا رَكِبَهُ الدَّيْنُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْرِفُ
هَذَا الْغَمَّ بِذَنْبٍ أَصَبْتُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
قَدْ لَا يُؤَثِّرُ
الذَّنْبُ فِي الْحَالِ. وَهَاهُنَا نُكْتَةٌ دَقِيقَةٌ يَغْلَطُ فِيهَا النَّاسُ
فِي أَمْرِ الذَّنْبِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ تَأْثِيرَهُ فِي الْحَالِ،
وَقَدْ يَتَأَخَّرُ تَأْثِيرُهُ فَيُنْسَى هَذَا مَعَ أَنَّ لِلذَّنْبِ نَقْدًا
مُعَجَّلًا لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ.
وكان
ابن المبارك يقول إني لأري شؤم معصيتي في سوء خلق امرأتي ودابتي، يعني إذا نكدت
عليه امرأته أو حرنت عليه دابته يقول لابد أني قد ارتكبت معصية من المعاصي، لأن
الطائع لربه يرى الكون مُسخرًا له، يَشعُر بتكريم الله له، وتفضيله إيَّاه على
خَلْقه.
فالمعصية
أثرها خطير وشرها وبيل علي الفرد والمجتمع فالحذر كل الحذر من شؤم المعصية.
العنصر
الرابع: أثر المعصية علي الفرد:-
إنه
ما من شر ولا بلاء ينزل بالناس أفراداً كانوا أو جماعات، إلا وسببه الذنوب
والمعاصي،وإن للمعصية آثارًا عظيمة ومخاطر كبيرة علي الفرد منها:-
1-
حرمان العلم والهداية:-
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282]. ﴿ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ
عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[الأنفال: 29]
وَلَمَّا جَلَسَ
الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ يَدَيْ مَالِكٍ وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ مَا
رَأَى مِنْ وُفُورِ فِطْنَتِهِ، وَتَوَقُّدِ ذَكَائِهِ، وَكَمَالِ فَهْمِهِ،
فَقَالَ: إِنِّي أَرَى اللَّهَ قَدْ أَلْقَى عَلَى قَلْبِكَ نُورًا، فَلَا
تُطْفِئْهُ بِظُلْمَةِ الْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
شَكَــوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ...
فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي
وَقَـالَ اعْـلَـمْ بِــأَنَّ الْعِلْمَ
فَضْلٌ ... وَفَضْلُ اللَّهِ لَا يُؤْتَاهُ عَاصِي
فنقول:
اقرأ كتابَ الله تعالى تجد الجواب واضحاً، يقول الله عز وجل: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ
آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ
الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ
أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ
تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ [الأعراف: 175، 176].
يقول
الإمام ابن القيم رحمه الله معلقاً: "ففي الآية دليل على أنه ليس كل من آتاه
الله العلم فقد رفعه به، إنما الرفعة بالعلم درجة فوق مجرد إتيانه".
كم
من فاجر كان حظه من العلم قيل وقالوا، ليكون ذلك حجةً عليه عند الله، دون حقيقة
العلم التي تورث الخشية والإنابة.
فيا
معشر طلبة العلم، لنتقِ الله في أعز أيام العمر التي صُرفت في الحفظ والركض وراء
عرائس العلم، أن تذهب بها غوائل المعاصي الجامحة، واعلموا - رحمكم الله - أن سوط
العقاب بالمرصاد.
وحرمان
الهداية من الله تعالى قال تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ
يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا
يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 146].
2-
الوحشة بين العبد وبين
الله تعالى:-
فإن
الله يحب أهل طاعته ويبغض أهل معصيته
- وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٩٥ البقرة﴾
- إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴿٢٢٢ البقرة﴾
- بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٧٦ آل عمران﴾
من
أعظم آثار المعاصي وأخطرها على العبد الوحشةُ التي تحدثها المعاصي بين العبد وربه،
واستثقال الطاعات، واستمراء الفواحش، واعتيادٍ لها، ويا لها من سكرة ما أشد عماها
على القلب إن لم يُمدّ صاحبها بنفحة من نفحات الرحمة والهداية، فإنه واقع في حُفرة
من حفر الشقاء والعذاب الواصِب لا محالة.
إن
حياة المرء الحقيقية إنما هي حياة الطاعة، وشعور العبد أنه خلع عنه ربقة العبودية
للخلق، وآوى إلى ظلال العبودية الحقة التي ترفعه عن الطين وجواذبه، ليحط رحال
القلب في ساحات العبودية لله رب العالمين. ولهذا جعل الله الكافر ميتاً غير حي
فقال تعالى: ﴿ أَمْوٰتٌ غَيْرُ أَحْيَاء ﴾ [النحل:21].
وتأملوا
بالمقابل في قول بعض الصالحين المخبتين الذين وجدوا برد الطاعة والإنابة إذ يقول:
"إنه لتمرّ بالقلب لحظات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي
خير عظيم". إنّ في الدنيا جنة لا يدخل جنة الآخرة من لم يدخلها، إنها جنة
الطاعة والعبودية التي يُحرم منها العصاة الفجرة.
إذا
ابتلى العبد بالمعاصي، استوحش قلبه، وضعفت همته وعزمه، وضعفت بأهل الخير والصلاح
صلته، وقسا قلبه، ووهن بدنه، وضعف حفظه واستيعابه، وذهب حياؤه وغيرته، وضعف في
قلبه تعظيم ووقار الرب.
سَمِعْتُ
نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ
آخِرَتِهِ : كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا : لَمْ يُبَالِ اللَّهُ
فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ) . رواه ابن ماجه ( 257 ) وحسَّنه الألباني في
" صحيح ابن ماجه "
إن
من قارف المعاصي ولازمها تولد في قلبه الاستئناس بها وقبولها، ولا يزال كذلك حتى
يذهب عنه استقباحها، ثم يبدأ بالمجاهرة بها وإعلانها وغالب هؤلاء لا يعافون، فعن
أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (كل أمتي معافى إلا
المجاهرون، وإن من المجاهرة أن يعمل العبد بالليل عملاً ثم يصبح قد ستره ربه،
فيقول: يا فلان، قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، فيصبح يكشف ستر
الله عليه)) رواه مسلم.
وهذه
المجاهرة موجودة بيننا ولها صور وأشكال. فمن المجاهرة، أن يتحدث التاجر إلى رفاقه
بغشه في السلع ويعد ذلك مهارة وكياسة.
ومن
المجاهرة أن يذكر الماجن مجونه وينشر الفاسق فسوقه، ومن المجاهرة، تلك الصور
الفاضحة وتلك الكلمات الخادشة للشرف والفضيلة.
قال
تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ ﴾[المطففين: 14].
3-
المعصية تورث الذل:
إن
المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، فتورثه الذل لا محالة، فإن العز
كل العز في طاعة الله قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8]
أي
فليطلبها بطاعة الله، ومن دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك،
وقال
الحسن: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق
قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
المعاصي
تهون العبد على ربه، فيرفع مهابته من قلوب خلقه قال تعالى: ﴿ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ [الحج:18].
والذنوب
تدخل صاحبها تحت لعنة الرسول فإنه لعن على معاصي كثيرة.
وتؤدي
إلي حرمان دعوة الرسول ودعوة الملائكة، فإن الله أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين
والمؤمنات.
4-
حرمان الرزق ومحق العمر:-
المعاصي
تمحق بركة العمر، فإذا أعرض العبد عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته
الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: (يا ليتني قدمت لحياتي) فعمر الإنسان هو
مدة حياته ولا حياة له إلا بإقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته.
قال
تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا
فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96].
وعن
ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (لا يرد القدر إلا
الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر و إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه). أخرجه الحاكم فى المستدرك.
وتؤدي
إلي ضنك العيش فى الدنيا والعمى والحسرة يوم القيامة: قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ
مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴾ [طه: 124، 125]
العنصر
الخامس: أثر المعصية علي المجتمعات والشعوب:-
1-
هلاك الأمم والشعوب:-
لو
تأملنا تاريخ الأمم والشعوب لوجدنا أن المعصية سبب كل بلاء حل بالأمم، فإن الأمة
كالفرد إذا صح إيمانها وابتغت صراط ربها.. أنعم الله عليها.. قال تعالى:
" ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ
غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ
وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 10، 12].
وأما
إذا اتبعت الأمة شهواتها وعتت عن أمر ربها فقد جنت على نفسها، فكانت العاقبة حسب
الترتيب الإلهي:
كما
قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ [الزخرف:55].
فالله
عز وجل لم يهلكهم مرة واحدة وإنما لابد أن تتحقق السنن الكونية في هلاك الأمم
الظالمة وهي تتمثل في الآتي:-
الإملاء
- التزيين - الاستدراج - الأخذ.
الإملاء: فقال تعالى: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾[الأعراف: 183].
التزيين: فقال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ [فاطر: 8].
الاستدراج: فقال تعالى: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 182].
الأخذ: فقال تعالى: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ
مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 40].
وعن
أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله ليملي
للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته قال ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة
إن أخذه أليم شديد). رواه البخاري. قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى
وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102].
وهذا
ما بعض ما حكاه القرآن الكريم عن هلاك بعض الأمم السابقة.
قال
تعالى عن قوم سيدنا نوح عليه السلام: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ
قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ
سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [هود: 40].
وقال
تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ
رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا
نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴾ [الطلاق: 8، 9]
وقال
تعالى عن ثمود وعاد وفرعون ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا
ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا
عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا
عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ
فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ
تَرَىٰ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ * وَجَاءَ
فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا
رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا
لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا
لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 4، 12].
وقال
تعالى عن هلاك القري الظالمة عامة: ﴿ وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَـٰهُمْ لَمَّا
ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ [الكهف:59].
أي
أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم ولذلك قال الله عز وجل: وَ﴿ إِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِيهَا وفي قراءة
أمَّرنا مترفيها فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا
تَدْمِيرًا ﴾ [الإسراء: 16].
ومعنى
أمرنا مترفيها أي أن المترفين من أهل الفساد هم الذين يتأمرون على الناس فيشيعون
المنكرات والسيئات بين المسلمين، فإذا شاعت المنكرات وسكت الناس عن تغييرها ولم
يقوموا بواجبهم في تغيير المنكرات والأمر بالمعروف عمهم الله سبحانه وتعالى بعقاب
من عنده، ثم يدعون فلا يستجاب لهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ [الأنفال:25].
ويقول
شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الله لينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ويهدم
الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، وتلك سنة من سنن الله، ثم تلا: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [النمل:52].
قال
ابن عباس: (إذا رأى الناس المظالم ولم يغيروها عمهم الله بعذاب من عنده) ولذلك جاء
في الحديث عن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت: دخل علي رسول
الله ذات يوم فزعاً وهو يقول: ((لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح
اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بين إصبعيه الإبهام والتي تليها) فقلت -
أي تقول أم المؤمنين زينب رضي الله عنها -: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟
قال: (نعم إذا كثر الخبث) [أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما].
2-
تسليط الأعداء وذهاب
القوة ونزع الهيبة من قلوب الأعداء.
لقد
كانت أمة الإسلام في سالف دهرها أمة موفورة الكرامة، عزيزة الجانب، مرهوبة القوة،
عظيمة الشوكة، لكنها أضاعت أمر الله، وأقْصت شريعته من حياتها، وهذه الأمة أمة
التوحيد فصار أمرها إلى إدبار وعزها إلى ذل، وجثم على صدرها ليل طويل من الاستعمار
الكافر، ولولا أنها الأمة الخاتمة لأصبحت تاريخاً دابراً تحكيه الأجيال.
روى
الإمام أحمد في مسنده من حديث ثوبان مرفوعاً : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل
أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها)، قلنا: يا رسول الله، أمن قلة منا يومئذٍ؟ قال:
(أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في
قلوبكم الوهن)، قالوا : وما الوهن؟ قال:(حب الدنيا وكراهة الموت).
وعن
ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول : (إذا ضنَّ الناس بالدينار
والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، سلط
الله عليهم ذلاً لا يرفعه حتى يراجعوا دينهم) رواه أبو داود وأحمد.
ويقول
أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إننا كنا قوماً أذلة فأعزنا الله بهذا
الدين، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله).
عن
عبد الله بن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:(بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى
يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة من الصغار على من
خالف أمري، من تشبه بقوم فهو منهم) روى الإمام أحمد.
3-
زوال النعم وحلول النقم
وتحول العافية واُستجلاب سخط الله:-
مازالت
نعمة إلا بذنب، ولا حلت نقمة إلا بذنب كما قال علي رضي الله عنه ( ما نزل بلاء إلا
بذنب ولا رفع إلا بتوبة ) ورحم الله القائل:-
|
إذا كنت فى نعمة فأرعها
فإن المعاصي تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد
فرب العباد سريع النقم
وإياك والظلم مهما استطعت
فظلم العباد شديد الوخم
و سافر بقلبك بين الورى
لتبصر أثار من قد ظلم
|
وتأمل
حال هذه القرية كيف تحول حالهم من أمن إلي خوف، ومن رغد إلي جوع، فقال تعالى:
"﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ
آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112].
وكان
من أعظم الدعوات التي دعا بها النبي صلي الله عليه وسلم كما روي ابن عمر رضي الله
عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من
زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك أخرجه مسلم.
4- ظهور الأوجاع الفتاكة وارتفاع البركة من الأقوات
والأرزاق:-
عن
ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ
بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين
والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا،
ولا
نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان،
وما
منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا،
ولم
ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا فأخذوا بعض ما في أيديهم،
وما
لم تعمل أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) (رواه ابن ماجه وهو صحيح. السلسلة الصحيحة).
5-
العصية سبب شيوع الفساد:-
والمعاصي
سبب للفساد في الأرض في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن، قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم:41].
والمراد
بالفساد الذنوب وموجباتها، وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا، فلو أذاقنا كل
أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة.
قال
ابن القيم رحمه الله في كتاب الفوائد: (اقشعرت الأرض، وأظلمت السماء، وظهر الفساد
في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات وقلت الخيرات وهزلت الوحوش وتكدرت
الحياة من فسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال
الفظيعة، وشكى الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات
والقبائح، وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد أدلهم
ظلامه، فاعدلوا عن هذا السبيل (سبيل المعاصي) بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة
وبابها مفتوح، وكأنكم بالباب وقد أغلق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
العنصر
السادس: علاج الذنوب والمعاصي:-
هذه
بعض آثار المعاصي المدمرة، وهذه بعض ثمارها النكدة، فهيا إلي العلاج والتخلص منها
حتي نحظى برضا الله تعالى ونفوز بمحبتة جل وعلا، ومن هذا العلاج:-
1-
التوبة النصوح:-
هاهم
بنو إسرائيل - كما في كتاب التوابين لـابن قدامة - يلحق بهم قحط على عهد كليم الله
موسى عليه السلام، فاجتمعوا إلى سيدنا موسى وقالوا: يا نبي الله! ادعُ لنا ربك أن
يسقينا الغيث.
فقام
معهم، وخرجوا إلى الصحراء ليستسقوا وهم سبعون ألفاً أو يزيدون، فقال موسى: إلهنا
اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرُّضَّع، والبهائم الرُتَّع،
والشيوخ الرُّكَّع، فما ازدادت السماء إلا تقشعاً، ذهب السحاب الذي في السماء، وما
ازدادت الشمس إلا حرارة، فقال: يا رب! استسقيناك فلم تسقِنا، فقال: يا موسى إن
فيكم عبداً يبارزني بالمعصية منذ أربعين عاماً، فمُرْهُ أن يخرج من بين أظهركم؛
فبشؤم ذنبه مُنِعْتم القطر من السماء، قال: يا رب! عبد ضعيف، وصوتي ضعيف، أين يبلغ
وهم سبعون ألفاً أو يزيدون؟ فأوحى الله إليه، منك النداء وعلينا البلاغ.
فقام
ينادي في سبعين ألفاً، قائلاً: يا أيها العبد العاصي الذي بارز الله بالمعصية
أربعين عاماً!
اخرج
من بين أظهرنا؛ فبشؤم ذنبك مُنِعْنَا القطر من السماء، فيوحي الله إلى موسى أنه
تلفت هذا العبد يميناً وشمالاً لعله يخرج غيره، فعلم أنه المقصود بذلك، فقال في
نفسه: إن خرجت افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن بقيت هلكت وهلكوا جميعاً بالقحط
والجدب.
فما
كان منه إلا أن أدخل رأسه في ثيابه، وقال: يا رب! عصيتك أربعين وأمهلتني، واليوم
قد أقبلت إليك طائعاً تائباً نادماً، فاقبلني واسترني بين الخلق هؤلاء يا أكرم
الأكرمين!
فلم
يستتم الكلام حتى علتْ السماء سحابة بيضاء، فأمطرت كأفواه القِرَب، فقال كليم الله
لربه: يا رب! سقيتنا ولم يخرج من بين أظهرنا أحد. فقال: يا موسى! أسقيتكم بالذي
منعتكم به - بنفس العبد الذي منعتكم به أسقيتكم به- قال: يا رب! أرني هذا العبد
الطائع التائب النادم، قال: يا موسى! لم أكن لأفضحه وهو يعصيني أفأفضحه وهو يطيعني؟!
المخرج من شؤم المعصية إلى بركة
الطاعة هو التوبة إلى الله والأوبة إليه والعزم الأكيد على عدم العودة إلى
المعصية فالله تبارك وتعالى يقول{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) } [النور: 31]جزء من
الآية. وقال تعالى { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ
وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) } [طه: 82] وقال تعالى {قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا
أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ
الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا
حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ
السَّاخِرِينَ (56)} [الزمر: 53 - 56]وقد جاءت آيات وأحاديث كثيرة تتحدث عن فضل
التوبة يطول المقام بذكرها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق