السبت، 26 يونيو 2021
الجمعة، 25 يونيو 2021
الحديث 48 شرح معالم السنة النبوية
هذا هو الحديث الأخير في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه.
رواه البخاري ومسلم.
هذا الحديث مخيف جدا ، ولا سبيل للتشكيك في سنده إذ هو في أعلى درجات الصحة فهو متفق عليه.
وقوله ﷺ: يؤتى بالرجل هذا مفهوم لقب لا حجة فيه، أي: أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك، فالمرأة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا تمتثل، داخلة في هذا الوعيد.
يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، أي: تخرج، وأقتاب البطن المقصود بها: الأمعاء، وهي جمع قِتْب، فتخرج أمعاؤه، فيدور بأمعائه كما يدور الحمار في الرحى، والرحى هو الحجر الكبير الذي يطحن به الحب، ويربط بحمار، ويطرح هذا الحجر على حجر آخر أملس فيوضع الحب في نحو حوض أو ما أشبه ذلك، فيدور هذا الحجر الكبير الذي يجره الحمار حتى يطحن هذا الحب، كما يدور الحمار في الرحى، فيدور على أمعائه، وتكون هذه الأقتاب قد خرجت من البطن، والقِتب منها مما يتصل به، كأنه ذلك الحبل الذي ربط بالحمار، فيدور بالرحى بهذه الصورة البشعة، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟، وهذه النار التي يجتمع أهلها ربما تكون هي نار الموحدين، أي: من المسلمين، فهم يعرفون هذا الإنسان كان آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، ويحثهم على طاعة الله عز وجل، فكانوا يظنون أنه من الناجين لما يرون من حسن مقاله ودعوته إلى الخير، فلما رأوا حاله بهذه البشاعة سألوه وقالوا له: ما الذي أوردك هذه الموارد؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟، فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه.
وهذا العقاب الشديد الذي فيه تشبيه بالحيوان دليل على قبح الفعل وعظيم الجرم الذي ارتكبه ، فإن الإنسان قدر كرمه الله و رفع قدره وأسجد له ملائكته ، فإن استمر على طاعة الله علا شأنه وعظمت منزلته عند الله وعند الملائكة ، فإن أسرف على نفس وكفر واتبع سبل الشياطين صار أحقر من البهائم ، "أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" سورة الفرقان آية:٤٤
هذا الحديث يدل على وعيد من خالف قوله فعله، إذا تباينت الأقوال والأفعال، وصار الإنسان يتكلم بما لا يعمل فهو متوعَّد بهذا، ولكن الأعمال على مراتب، أما الواجبات فإنه لا يجوز للإنسان أن يتركها بحال من الأحوال، والمحرمات لا يجوز للإنسان أن يقارفها، وأما المندوبات فهي أنواع كثيرة جداً، ولا يستطيع الإنسان أن يفعل كل المندوبات، وكذلك قد لا يستطيع أن يترك جميع المكروهات، فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن هذا المتوعَّد بهذا الوعيد هو الذي ترك الواجب أو فعل المحرم، وكان يأمر به أو ينهى عنه.
نصوص أخرى محذرة من مخالفة الأفعال للأقوال:
لقد جاءت نصوص كثيرة تحذر من مخالفة الفعل للقول؛ يقول الله–تعالى-: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} سورة البقرة(44)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} سورة الصف (2) (3)، وقال تعالى إخبارا عن شعيب صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} سورة هود(88)..
إن الله أنزل الكتب وأرسل الرسل ليعرف الناس الحق فيعملوا به ويدعوا غيرهم إليه ، فإن الجاهل قد يعذر بجهله أما العالم فإن مخالفته للحق أقبح وأشد إثما.
لماذا عقاب العالم مضاعف؟
إنما يضاعف عذاب العالم في معصيته؛ لأنه عصى عن علم ودراية، قال الله -عز وجل-: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} سورة النساء(145)؛ لأنهم جحدوا بعد العلم، وجعل اليهود شراً من النصارى مع أنهم ما جعلوا لله سبحانه ولدا، ولا قالوا إنه ثالث ثلاثة إلا أنهم أنكروا بعد المعرفة، إذ قال الله: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} سورة البقرة(146)، وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} سورة البقرة(89)، وقال تعالى في قصة بلعام بن باعوراء: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} حتى قال: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} سورة الأعراف (175)(176) فكذلك العالم الفاجر، فإن بلعام أوتي كتاب الله -تعالى- فأخلد إلى الشهوات، فشبه بالكلب أي سواء أوتي الحكمة أو لم يؤت فهو يلهث إلى الشهوات".
فقد شبه الله من آتاه الله كتابه ولكنه لم يعمل به، بل عمل بخلاف ذلك بالكلب؛ كما شبهه في آية أخرى بالحمار؛ فقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} سورة الجمعة(5).
ولذلك فقد كان المتقون السابقون يحاسبون أنفسهم، ويخافون من مخالفة عملهم لأقوالهم، فقد قال رجل لابن عباس-رضي الله عنهما-: "أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر؟" فقال له ابن عباس: "إن لم تخش أن تفضحك هذه الآيات الثلاث فافعل وإلا فابدأ بنفسك"، ثم تلا: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} سورة البقرة(44)، وقوله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} سورة الصف (2)(3) وقوله تعالى حكاية عن شعيب -عليه السلام-: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} سورة هود(88). وقيل لمطرف: ألا تعظ أصحابك؟ قال: "أكره أن أقول ما لا أفعل".
تنبيه:
من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
وليس لأحد أن يفهم من هذا الحديث، أو من الآيات السابقة كقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ[البقرة:44]، أنه إن لم يكن ممتثلاً في نفسه فلا يجوز له أن يأمر و ينهى، ليس كذلك، بل الأمر والنهي واجب، والفعل والامتثال واجب، فإذا ضيع واجبًا فلا يحق له أن يضيع الواجب الآخر، فيكون بذلك مستجمعاً لألوان من التقصير، فالذي يأمر وينهى ولا يمتثل أحسن من الذي لا يأمر ولا ينهى ولا يمتثل، فلابد أن يُفهم هذا الحديث على وجهه، وكل إنسان لا يخلو من تقصير.
ولهذا قال بعض السلف رضي الله عنهم لمن اعتذر عن الأمر بالمعروف والدعوة أو عن وعظ الناس لأنه مقصر قالوا: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فمن الذي يكون مستجمعاً لأوصاف الكمال؟!، لو كان كل إنسان لا يتكلم في شيء من البر وطاعة الله عز وجل، ويحث الناس على هذا إلا أن يفعله فمعنى ذلك أن الناس يبقون في جهالة، وهذا غير صحيح، والدال على الخير كفاعله، والإنسان قد يفتح له في بعض الأبواب من طاعة الله عز وجل بعد الالتزام بالواجبات وترك المحرمات، ولا يفتح له في أبواب أخرى من البر، ولكنه يحث الناس عليها، ويبين فضلها، ويدعوهم إلى ذلك فيكون مأجوراً، فإن امتثل أحدٌ بناء على ما سمع فإنه له كأجره.
إن هذا الحديث يحذر من مخالفة الأفعال للأقوال، وأن على الإنسان أن يكون قدوة حسنة عاملاً بما يأمر به، تاركاً ما ينهى عنه، ولا يعني هذا أنه يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس ونصحهم ووعظهم، بل عليه أن يسعى أولاً في إصلاح نفسه، واستقامتها، ثم بعد ذلك يدعو الناس إلى ذلك، ويأمرهم بفعل المعروف بعد فعله له، وترك المنكر والبعد عنه بعد تركه إياه..
كما لا يعني هذا الحديث أن الإنسان يجب أن يكون معصوماً من الخطأ؛ لأن العصمة ليست لأحد من البشر إلا الأنبياء والرسل، فلو أن الإنسان لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر حتى يكون سليماً من الخطأ لتعطلت هذه الفريضة العظيمة وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن ينبغي للآمر والناهي أن يكون قدوة، وأن يكون على أحسن الأحوال حتى يكون لكلامه الأثر عند من يأمرهم وينهاهم، ولو أن الإنسان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى يسلم من الخطأ فمن يعظ العاصين بعد محمد –صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كما قلنا لا عصمة لأحد إلا للأنبياء والرسل ..
|
إذا لم يَعظ الناسَ مَن هو مذنبٌ |
فمَن يعظُ العاصين بعدَ محمدِ |
ولذلك فقد قيل للحسن: "إن فلانا لا يعظ ويقول: أخاف أن أقول مالا أفعل، فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول، ود الشيطان أنه ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر"..
وقال سعيد بن جبير: "لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر".
من ذا الذي ما ساء قط *** ومن له الحسنى فقط
وخطب عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يوماً فقال في موعظته: إني لأقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي فاستغفر الله وأتوب إليه.
وكتب إلى بعض نوابه على بعض الأمصار كتابا يعظه فيه وقال في آخره: وإني لأعظك بهذا وإني لكثير الإسراف على نفسي غير محكم لكثير من أمري، ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه إذا لتواكل الخير، وإذا لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا لاستحلت المحارم وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض
وعليه فإن على الإنسان أن يسعى في إصلاح نفسه، و في إصلاح غيره، ومتى ما اشتغل الإنسان بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإخلاص في ذلك فإن الله سيعينه على التخلص من أخطائه، وسيكون اشتغاله بالدعوة إلى الله سبباً من أسباب ثباته، ودوام استقامته على مراد الله.
كلما ازداد الإنسان علما كانت عقوبته علي ذنبه أشد.
كلما ازداد الإنسان عملا صالحا وجهادا كانت العفو عنه أقرب.
قال الله : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) ۞ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) سورة الأحزاب
لما عندهن من العلم والفضل والمنزلة بين الناس.
ففي الصحيحين عن عليٍّ
- رضي الله عنه - قال في قصة حاطب بن
أبي بَلْتَعَة لما خاطَب أهل مكة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنه قد
شهد بدرًا، وما يدريك؟ لعل الله أن يكون قد اطَّلَع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما
شئتم، فقد غفرتُ لكم»؛ والمعنى: أن السيئات مغفورةٌ بتلك الحسنات، فبَيَّنَ - صلى
الله عليه وسلم - أنه باقٍ على إيمانه، وأنه سبق منه ما يغفر له به الذنوب.
فالذي يظهر لي والله أعلم أن هذا العبد المعاقب كان مرائيا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم. رواه ابن ماجه، وغيره، وصححه الألباني.
فقد كان يتعلم العلم لا ليعمل به بل كان مسرفا على نفسه بالمعصية ومخالفة الشرع في ترك ما أمر الله به وفعل ما نهي الله عنه، إنما يتعمل ليقال عنه عالم ذكي فقيه ، فكان عقابه بنقيض قصده من الفضيحة في النار وأن يكون على هيئة الحمار في رحاه.
نسأل الله العفو والعافية ، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

