الأربعاء، 27 فبراير 2013

الحفظ ... مفتاح الإحتراف

الحفظ ... مفتاح الإحتراف و التمكن


*** الحفظ من أجل التمكن / لا مفر من الحفظ

كنت طوال فترة الدراسة أكره كلمة "حفظ" التي كثيرا ما كان المدرسون يأمروننا بها ، و كلما كنت في مرحلة من التعليم أعلى ازدادت كمية المواد المراد حفظها ، و سبب كراهيتي للحفظ هو أنني لم أكن أعرف كيف أحفظ ، و لم يدلني أحد على طريقة سريعة للحفظ ، لذلك كان الحفظ بالنسبة لي عبئا كبيرا و ثقيلا و عملا مملا و مرهقا ، فكانت الكراهية هي الجانب الوحيد الذي أراه من الحفظ .

و لكن بعد تخرجي من الكلية بدأت أهتم بالقراءة و الثقافة العامة فبدأت أقرأ الكتب في كثير من المجالات المتنوعة و لكنني لاحظت أن أكثر ما أقرأه يضيع سدا بلا فائدة ، و السبب أنني أفهم ما أقرؤه لكنني لا أحفظ ما فهمته .

ما فائدة أن تقرأ عشرة كتب ثم أنت لا تذكر منها شيئا و لا تقتبس منها كلاما أو عبارات مهمة تكون لك رصيدا عقليا تناقش به و تجادل و تتكلم و تناظر و تؤلف ؟!
ما فائدة أن تقرأ كتابا في الطب و العلاج فتفهمه جيدا و لكنك لا تحفظ أعراض الأمراض و لا تحفظ أسماء الأدوية المعالجة لها ؟!
ما فائدة أن تقرأ كتابا في التاريخ ثم أنت لا تحفظ ترتيب الأحداث و لا تحفظ تواريخها و لا تحفظ أسماء الملوك و القائدة و أسماء البلدان ؟!

وهكذا تجد أن كل العلوم تحتاج إلى الحفظ المتين بعد الفهم العميق

و المتأمل في حياة السلف يجد أنهم أدركوا هذه المسألة جيدا لذلك كانوا حفاظا من الدرجة الأول حتى أنك لا تجد في عصرنا من يضاهيهم علما و لا حفظا .

فهذا الإمام ابن القيم يؤلف سفرا عظيما جليلا كبيرا اسمه "زاد المعاد في هدي خير العباد" فيه علم غزير من ذهنه أثناء سفرة سافرها لم يصطحب معه فيها كتاب ينقل منه .

و ها هم العلماء السابقين لابن القيم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية و القرطبي و النووي و ابن الجوزي الذين كانوا يؤلفون الكتب أو يملونها تلاميذهم و ينقلون فيها الأعاجيب من أخبار العرب و العجم بغير عودة إلى كتاب ، و كذلك العلماء اللاحقين عليه مثل ابن حجر العسقلاني و الإمام الذهبي و ابن كثير و غيرهم كثير .

بل بلغ ببعض هؤلاء العلماء أنهم كانوا يحفظون الكتب حفظا ، و يحفظون آلاف الأحاديث النبوية و أخبار الصحابة و الرواة ، بل و يحفظون الكتب حفظا ، يحفظون كتبابات أهل الحق و كتابات أصحاب المذاهب الفاسدة ، لذلك كان العلماء قديما إذا ناظروا أهل الباطل كانوا أعلم بكتبهم و كتب كبرائهم منهم .

و لعل العالم الواحد من هؤلاء كان يؤلف كتبا عديدة في مجالات شتى لا يباريهم فيها أحد ، و هذا يدل على غزارة علمهم و سعة حفظهم لكل شيء سمعوه أو شاهدوه أو قرؤوه .

فالعقل مثل ذاكرة الحاسب الآلي ، إذا وضعت فيها كتبا و ملفات تعليمية و برامج و فيديوهات و ملفات صوتية و ألعاب كان جهازا ممتعا و مسليا تحب أن تجلس إليه لتستمتع به و تتعلم منه ، أما إن كان فارغا لم يسجل عليه شيء فهو مجرد آلة لا فائدة فيها .

التعلم هو الفهم ثم الحفظ ، أما الفهم بغير حفظ فهو مضيعة للوقت و الجهد .

و الحفظ هو الحد الفاصل بين المتخصص و غيره ، حفظ الطب هو الفارق بين الطبيب و غيره ، و حفظ الأدوية هو الفارق بين الصيدلي و غيره ، و حفظ القوانين هو الفارق بين المحامي و غيره ، و حفظ أحداث التاريخ هو الفارق بين المؤرخ و غيره ، و حفظ القرآن و الأحاديث النبوية و أقوال العالماء هو الفارق بين الفقيه و غيره ... و هكذا ، ففي كل مجال المحترفون فيه هم الذين يحفظونه عن ظهر قلب .

عليك بالحفظ ، عليك بالحفظ ، عليك بالحفظ

و اعلم أن فائدة الحفظ لا تنحصر في تخزين المعلومات و لكن في اكتساب المهارات أيضا ، فإن الطفل الصغير ما كان ليتعلم لغة قومه بغير حفظ للكلمات و العبارات التي سمعها و فهمها ، و كذلك إذا أردت أن تكتسب لغة فعليك بحفظ الكلمات و العبارات التي يتكلم بها أهل هذه اللغة ، و الشعر أيضا ، فلا يصير شعارا إلا من حفظ مئات الأشعار حتى يختلط الشعر بتكوين عقله فيدر لسانه شعرا ، و هكذا في كل شيء تتخيله .

و كيفية الحفظ هي التكرار ، كرر ما تريد حفظه كثيرا حتى يعلق بذهنك فتحفظه مثل اسمك .

فاقرأ و افهم و احفظ ، و اعلم أن حفظ كتاب جيد واحد خير لك من فهم ألف كتاب بغير حفظ .

و الحمد لله رب العالمين