الخميس، 19 أكتوبر 2017

آيات وأحاديث في فضل بر الوالدين وتحريم العقوق

هما أمن الناس عليك
في حياة كل منا أناس أصحاب فضل علينا ، فضل في قضاء حوائجنا أو توظيفنا أو في حل مشكلة نواجهها أو في تعليمنا شيء تجهله ، أو تحذيرنا من خطر نغفل عنه ... وسيبقى والدك و والدتك أمن الناس عليك ، لأنهما كانا سببا في وجودك في هذه الدنيا ، الله هو الذي خلقك وصورك وأرادك وجودك فصرت بشراً ، فالحمد والشكر له أولا وآخرا ، ولكن من كان سببا فله فضل ويستحق شكراً ، فالوالد والوالدة هما أمن الناس عليك ، فهما كانا سببا في وجودك ، حملتك أمك في بطنها تسعة أشهر كأصعب ما يكون ، ثم ولدت بألم لها شديد ، ثم قاما على رعايتك حين كنت لا تملك من أمرك شيئاً ، وصبروا في تنشئتك صبرا كبيرا ، لا يعلم مداه إلا من جرب أن يكون وابدأ ، ونشأت ضعيفاً تحتاج إلى تحمل طوال الوقت ، رضيعا تأخذ اللبن من جسد أمك ومن صحتها ، وأماطوا عنك الأذى والقذر كل يوم ، وصبروا على ذلك كثيراً ، ثم ربوك وعلموك الكلام ، وأفهموك كيف تعيش ، ولو أنهما كانا مؤمنين فعلموك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلموك القرآن و ربوك علي محبة الله وتقواه وطاعته ، فتلك أعظم نعمة منهما عليك.
لن تقدر على توفيتهما حقهما
وأعلم أن
فأنت مهما فعلت لن تقدر على وفائهما حقهما ،

10- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يجزي ولدٌ والدَهُ إلا أنْ يجدُه مملوكًا فيَشترِيه فيُعتقُه " (رواه أحمد).
47- عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه شهد ابن عمر ورجل يماني يطوف البيت حمل أمه وراء ظهره يقول إني لها بعيرها المذلل إن ذعرت ركابها لم أذعر ثم قال يا ابن عمر أتراني جزيتها قال لا ولا بزفرة واحدة ثم طاف ابن عمر فأتى المقام فصلى ركعتين ثم قال يا ابن أبي موسى إتن كل ركعتين تكفران ما أمامهما " (صححه الألباني).

53- عن جد عمرو بن شعيب رضي الله عنه أنَّ أعرابِيًّا أتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إنَّ لي مالًا ووَلَدًا، وإنَّ والِدي يُريدُ أنْ يَجتاحَ مالي، قال: " أنتَ ومالُكَ لِوالِدِكَ، إنَّ أولادَكم مِن أطيَبِ كَسْبِكم فكُلوا مِن كَسْبِ أولادِكم " (رواه أحمد).

وجوب شكرهما
 ربّنا جلّ جلاله رفعَ الأمر بالإحسان إلى الوالدين إلى مستوى عبادته ، إذًا هو من الأهَمِيَّة بِمَكان ، الله سبحانه وتعالى هو الذي أوْجَدَكَ ولم تَكُنْ شيئًا مَذْكورًا ، أوْجَدَكَ عن طريق هذا الأب وتلك الأمّ ، إذًا قال تعالى :
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة لقمان : 14]

الأمر بالبر
• وجاء في " التوقيف " للمناوي رحمه الله: البِرُّ بالكسر أي: التوسُّع في فعل الخير، والفعل المُرضِي، الذي هو في تزكية النَّفس... يقال: بَرَّ العبدُ ربَّه. أي: توسَّع في طاعته... وبِرُّ الوالد: التَّوسع في الإحسان إليه، وتحرِّي محابِّه، وتوقِّي مكارهِه، والرِّفقُ به، وضدُّه: العقوق. ويستعمل البِرُّ في الصِّدق؛ لكونه بعض الخير المتوسَّع فيه.
وبالوالدين إحسانا
قال تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ) البقرة 83 والإحسان نهاية البر , فيدخل فيه جميع ما يحب من الرعاية والعناية , وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين حتى قرن تعالى الأمر بالإحسان إليهما بعبادته التي هي توحيده والبراءة عن الشرك اهتماما به وتعظيما له (2) وقال تعالى ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) النساء 36 فأوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمهما في سلكها بقوله ( وبالوالدين إحسانا ) وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )الإسراء 23- 24
ووصينا الإنسان بوالديه
قال تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) العنكبوت 8 قيل نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كما روى الترمذي : قال سعد أنزلت في أربع آيات فذكر قصة , وقالت أم سعد أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر قال فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي.. ... ) (6) وقال جل ذكره ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) الأحقاف 15-16 وقال أيضا ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) لقمان 14- 15
23- عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: " أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسع: لا تُشرِك بالله شيئًا وإن قُطِّعتَ أو حُرِّقتَ. ولا تتركُنَّ الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومن تركها متعمِّدًا برئت منه الذمة. ولا تشربنَّ الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر. وأَطِعْ والديك وإن أمراك أن تَخرجَ من دنياك فاخرُجْ لهما. ولا تنازعنَّ ولاةَ الأمر وإن رأيت أنك أنت. ولا تَفرُرْ من الزحف وإن هلكتَ وفرَّ أصحابك. وأَنفِقْ من طولك على أهلك، ولا تَرفَعْ عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله عز وجل " (رواه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني).

فضل البر
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
( دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة قلت من هذا ؟ فقالوا : حارثة بن النعمان ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كذلكم البر كذلكم البر [ وكان أبر الناس بأمه ] ) (1)

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: ( الصلاة على وقتها) قال: ثم أي؟ قال: ( بر الوالدين ) قال ثم أي؟ قال: ( الجهاد في سبيل الله ) (7)

 أيها الأخوة الكرام ؛ في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله قال :
((أحب الأعمال إلى الله سبحانه الصلاة على وقتها ، ثم بر الوالدين ، ثم الجهاد في سبيل الله ))
[البخاري عن عبد الله]
 أيها الأخوة الكرام ؛ خِتامُ هذا الموضوع ، هذا الحديث الشريف رواه أحمد :
((من سرَّه أن يُمَدَّ له من عُمره ، ويُزاد له في رزقه فليبرّ والديه))
[أحمد عَنْ أنس بن مالكٍ]

5- قال تعالى: "﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ﴾ (مريم 30 - 33).

25- عن معاوية بن جاهمة السلمي رضي الله عنه أنَّ جاهِمةَ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أردتُ أن أغزوَ وقد جئتُ أستشيرُكَ؟ فقالَ: هل لَكَ مِن أمٍّ؟ قالَ: نعَم، قالَ: فالزَمها فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها " (رواه النسائي).

31- عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتاه فقال إنَّ لي امرأةً وإنَّ أمي تأمرني بطلاقِها فقال سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول: الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنةِ فإن شئتَ فأَضِعْ ذلك البابَ أوِ احفَظْه (صححه الألباني).

32- عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَن سَرَّه أن يُمَدَّ لهُ في عُمرِه، ويُزادَ في رِزقِه؛ فَلْيبرَّ وَالدَيهِ، ولْيصِلْ رَحِمَه " (قال الألباني: حسن لغيره).

45- عن أسير بن جابر رضي الله عنه قال: " كان عمرُ بنُ الخطابِ، إذا أتى عليه أمدادُ أهلِ اليمنِ، سألهم: أفيكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ؟ حتى أتى على أٌوَيسٍ. فقال: أنت أُوَيسُ بنُ عامرٍ؟ قال: نعم. قال: من مرادٍ ثم من قَرَنٍ؟ قال: نعم. قال: فكان بك برصٌ فبرأت منه إلا موضعَ درهمٍ؟ قال: نعم. قال: لك والدةٌ؟ قال: نعم. قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ من مرادٍ، ثم من قرَنٍ. كان به برَصٌ فبرأ منه إلا موضعُ درهمٍ. له والدةٌ هو بها بَرٌّ. لو أقسم على اللهِ لأَبَرَّه. فإن استطعتَ أن يستغفرَ لك فافعلْ ". فاستغفِرْ لي. فاستغفَر له. فقال له عمرُ: أين تريد؟ قال: الكوفةُ. قال: ألا أكتب لك إلى عاملِها؟ قال: أكون في غَبراءِ الناسِ أحَبُّ إليَّ. قال: فلما كان من العامِ المُقبلِ حجَّ رجلٌ من أشرافِهم. فوافق عمرُ. فسأله عن أُوَيسٍ. قال: تركتُه رَثَّ البيتِ قليلَ المتاعِ. قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ من مرادٍ ثم من قَرَنٍ. كان به برَصٌ فبرأ منه. إلا موضعُ درهمٍ. له والدةٌ هو بها بَرٌّ. لو أقسم على اللهِ لأبَرَّه. فإن استطعتَ أن يستغفِر لك فافعلْ " فأتى أُويسًا فقال: استغفِرْ لي. قال: أنتَ أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ. فاستغفِرْ لي. قال: استغفِرْ لي. قال: أنت أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ. فاستغفِرْ لي. قال: لقيتَ عمرَ؟ قال: نعم. فاستغفِرْ له. ففطِن له الناسُ. فانطلق على وجهِه. قال أسير: وكسوتُه بُردةً. فكان كلما رآه إنسانٌ قال: من أين لأُويسٍ هذه البُردةُ؟ " (رواه مسلم).


49- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بينما ثلاثةُ نفرٍ يتمشون أخذهم المطرُ. فأووا إلى غارٍ في جبلٍ. فانحطت على فمِ غارِهم صخرةٌ من الجبلِ. فانطبقت عليهم. فقال بعضُهم لبعضٍ: انظروا أعمالًا عملتموها صالحةً للهِ، فادعوا اللهَ تعالى بها، لعل اللهَ يفرجُها عنكم. فقال أحدُهم: اللهمّ! إنه كان لي والدان شيخان كبيران. وامرأتي. ولي صِبيةٌ صِغارٌ أرعى عليهم. فإذا أرحتُ عليهم، حلبتُ فبدأتُ بوالدي فسقيتُهما قبل بَنيّ. وأنه نأى بي ذاتَ يومٍ الشجرُ. فلم آتِ حتى أمسيتُ فوجدتُهما قد ناما. فحلبتُ كما كنت أحلبُ. فجئتُ بالحلابِ. فقمت عند رؤوسِهما. أكرهُ أن أوقظَهما من نومِهما. وأكرهُ أن أسقيَ الصبيةَ قبلهما. والصبيةُ يتضاغون عند قدمي. فلم يزلْ ذلك دأبي ودأبُهم حتى طلع الفجرُ. فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك، فافرجْ لنا منه فرجةً، نرى منها السماءَ. ففرج اللهُ منه فرجةً. فرأوا منها السماءَ. وقال الآخرُ: اللهمّ! إنه كان لي ابنةُ عمٍّ أحببتُها كأشدِّ ما يحبُّ الرجالُ من النساءِ. وطلبتُ إليها نفسَها. فأبتْ حتى آتيها بمائةِ دينارٍ. فتعبتُ حتى جمعتُ مائةَ دينارٍ. فجئتُها بها. فلما وقعتُ بين رجليها. قالت يا عبدَالله! اتقِ اللهَ. ولا تفتحِ الخاتمَ إلا بحقِّه. فقمتُ عنها. فإن كنتَ تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهِك، فافرجْ لنا منها فرجةً. ففرج لهم. وقال الآخرُ: اللهم! إني كنت استأجرتُ أجيرًا بفرَقِ أرزٍ. فلما قضى عملَه قال: أعطني حقي. فعرضتُ عليه فرقَه فرغب عنه. فلم أزلْ أزرعُه حتى جمعتُ منه بقرًا ورعائها. فجاءني فقال: اتقِ اللهَ ولا تظلمني حقي. فقلت: اذهب إلى تلك البقرِ ورعائِها. فخذْها. فقال: اتقِ اللهَ ولا تستهزئْ بي فقلتُ: إني لا أستهزئُ بك. خذ ذلك البقرَ ورعائها. فأخذه فذهب به. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهِك، فافرجْ لنا ما بقي. ففرج اللهُ ما بقي. وفي روايةٍ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ انطلقَ ثلاثةُ رهطٍ ممن كان قبلكم. حتى آواهم المبيتُ إلى غارٍ. واقتص الحديثَ بمعنى حديثِ نافعٍ عن ابنِ عمرَ. غيرَ أنه قال: قال رجلٌ منهم: اللهمّ! كان لي أبوان شيخان كبيران. فكنت لا أغبقُ قبلهما أهلًا ولا مالًا. وقال: فامتنعت مني حتى ألمتْ بها سنةٌ من السنين. فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائةَ دينارٍ. وقال: فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموالُ. فارتعجت. وقال: فخرجوا من الغارِ يمشون " (رواه مسلم).
• أرحتُ عليهم: رددت الماشية من المرعى إليهم وإلى موضع مبيتها.
• يتضاغون: يصيحون ويستغيثون من الجوع.
• لا أغبق قبلهما: أي ما كنت أقدم عليهما أحدا في شرب نصيبهما عشاء من اللبن. الغبوق: شرب العشاء.
بر الوالدين مقدم في الشريعة
وعن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم ( رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما ) (9) أي غضبهما الذي لا يخالف القوانين الشرعية كما تقرر فإن قيل : ما وجه تعلق رضى اللّه عنه برضى الوالد قلنا : الجزاء من جنس العمل , فلما أرضى من أمر اللّه بإرضائه رضي اللّه عنه , فهو من قبيل لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس
البر و الإحسان للوالدين و لو لم يكونا مسلمين :
 أيها الأخوة الكرام ؛ قد يقول قائلٌ : والديّ ليس على الحق ، ليس مستقيماً ، لا يصلّي ويفعل المنكرات ، اسْتَمِع أيها الأخ الكريم إلى رأي الشرع في هذا الموضوع ، يقول العلماء : لا يختصّ بِرُّ الوالدين بأنْ يكونا مسلمين ، ففي صحيح البخاري عن أسماء قالت :
(( قدمت عليّ أمي وهي مشركة ، في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت وهي راغبة : أفأصل أمي ؟ قال : نعم صلي أمك? ))
[البخاري عن أسماء]
 تعني وهي راغبة عن الإسلام ، فبرّ الوالدين لا يختصّ بالوالدين المؤمنين المسلمين ، لأنّهما والدان همْا يسْتحقّون منك البِرّ والإحسان .
• قال ابن بطال رحمه الله: " وهذا إنما يكون في وقت قوة الإسلام وغلبه أهله للعدو، وإذا كان الجهاد من فروض الكفاية، فأما إذا قوى أهل الشرك وضعف المسلمون، فالجهاد متعين على كل نفس، ولا يجوز التخلف عنه وإن منع منه الأبوان.

• وقال ابن المنذر رحمه الله: في هذا الحديث أن النهى عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع ".
9- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: إني جئتُ أبايعك على الهجرةِ، ولقد تركت أبويَّ يبكيانِ! قال: " ارجعْ إليهما فأضحكْهما كما أبكيتَهما " (رواه النسائي)

8- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: " جاءَ رجلٌ إلى نبيِّ اللهِ فاستأذَنَهُ في الجهادِ فقالَ: أحيٌّ والداكَ؟ قال: نعَم قال: ففيهِما فجاهِدْ وقال: أقبلَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ فقالَ: أبايِعُكَ على الهجرَةِ و الجهادِ أبتَغي الأجرَ منَ اللهِ قال: فَهلْ مِن والدَيكَ أحدٌ حيٌّ؟ قالَ: نعَم بل كِلاهُما حىٌّ قال: أفتَبتَغي الأجرَ منَ اللهِ؟ قالَ: نعَم قال: فارجِعْ إلى والدَيكَ فأحسِنْ صُحبَتَهُما " (صححه الألباني).

أعظم الناس حقاً على المرأة و الرجل :
 وفي الصحيح عن أبي هريرة . . ." من أحقّ الناس بحُسن صحابتي ؟ قال : أمّك ثلاث مرات . . ." فحقُّ الأمّ ثلاثة أمثال حقّ الأب ، وسئل صلى الله عليه وسلّم من أعظم الناس حقًّا على الرجل ؟ فقال : أمّهُ ، فلما سئل : من أعظم الناس حقّا على المرأة ؟ قال : زوجها .
 وجاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم يستأذنهُ في الجهاد فقال : أحَيٌّ والدك؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهِد ، فَبِرُّ الوالدين يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله ، وهذا يذكّرني بِحَديث لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم حينما جاءتْهُ امرأة تشتكي أنّ الرجال أخذوا كلّ الخير ، فالجهاد لهم ، والأعمال الطيّبة لهم ، والدعوة إلى الله لهم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " اِعْلمي أيّتها المرأة وأعْلِمي من دونك من النّساء أنّ حُسْن تَبَعُّل المرأة زوجها يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله " دقّقوا في هذين الحديثين :" حُسْن تَبَعُّل المرأة زوجها يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله " أنْ ترْعَى بيْتَ زوْجها ، أن ترْعى زوْجها ، أنْ ترْعى أولادها ، هذا عند الله جهادُ المرأة ، وأن يبرَّ الرجل والِدَيه ؛ هذا عند الله يعْدلُ الجهاد .


كان حيوة بن شريح يقعد في حلقته يعلّم الناس ، فتقول له أمه : " قم يا حيوة ، فألق الشعير للدجاج " ، فيترك حلقته ويذهب لفعل ما أمرته أمه به .

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
6- قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾ (مريم 41 - 45).
7- قال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (العنكبوت 8).
8- قال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (لقمان 14 – 15).


تحريم العقوق
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من الكبائر شتم الرجل والديه ) قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال ( نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ) (8)
قال تعالى :
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة الإسراء : 23]

18- عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ اللَّهَ حرَّمَ عليكم عقوقَ الأمَّهاتِ، ومنعًا وَهاتِ، ووأدَ البناتِ وَكرِه لَكم: قيلَ وقالَ، وَكثرةَ السُّؤالِ، وإضاعةَ المالِ " (رواه البخاري).
، قال - صلى الله عليه وسلم - : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه، والديوث، والرجلة من النساء)).

معني العقوق
3- قال تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (الأنعام 151).

عقوبة العاق
• وكذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالوالدين خيراً وجعل عقوقهما من الكبائر فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكبائرُ: الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالديْنِ، وقتلُ النفسِ، واليمينُ الغَموسُ " (رواه البخاري).
لبراءة منهما أو التخلي عنهما : فعن انس الجهني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله تعالى عبادا لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم " قيل : من أولئك يا رسول الله ؟ قال: " متبرئ من والديه راغب عنهما ومتبرئ من ولده ورجل انعم عليه قوم فكفر بنعمتهم وتبرا منهم "

لذلك روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال :
((رغم أنف عبد أدرك والديه عند الكبر))
[مسلم عن أبي هريرة]
إذا فعلْتَ فِعْلاً أدْخَلْتَ على قلبهما الحُزن ، وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلّم عُقوق الوالدين من أكبر الكبائر ، وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال :
((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس فقال : ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور.))
[متفق عليه عن أبي بكرة ]
:عَن أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ ذُنُوبٍ يُؤَخِّرُ الله مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا الْبَغْيُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ يُعَجِّلُ لَصَّاحِبِهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْمَوْتِ"؟ وجزاكم الله خيراً.

5- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثُ دعَواتٍ مُستَجاباتٍ لا شكَّ فيهِنَّ: دعوةُ الوالدِ، ودعوةُ المَظلومِ، ودعوةُ المُسافرِ " (حسنه الألباني).

19- عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه " (رواه أحمد).

مظاهر العقوق
عُقوق الوالدين من أكبر الكبائر :
 وعن عائشة قالت :
(( لا تمش أمامه ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعه باسمه ، ولا تستسب له ))
[ البخاري عن عائشة]
 معنى تسْتَسِبَّ له أي لا تكن سببًا في سبِّه ، أي لا تفعل أعمالاً سيّئة مع الناس تدْعوهم إلى أن يسبُّوا أباك ، لا تمش أمامه ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعهُ باسمه ، ولا تسْتَسِبَّ له.
 أيها الأخوة الكرام ؛ وما دُمنا قد وصلنا إلى كلمة : ولا تسْتَسِبَّ له، فقد أكَّدَ العلماء أنّ من العقوق أن يشْتم الرجل والدَيْه ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر . .
(( من الكبائر شتْم الرجل والديه ، قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟...))
[مسلم عن عبد الله بن عمر ]
 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام ودقّقوا في هذا الحديث :
((من أحْزَنَ والِدَيْه فقد عقَّهما ))

22- عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنه قال: كان جُريجٌ يتعبَّدُ في صومعةٍ. فجاءت أمُّه. قال حميد: فوصف لنا أبو رافعٍ صفةَ أبي هريرةِ لصفةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَّه حين دعَتْه. كيف جعلتْ كفَّها فوقَ حاجبِها. ثم رفعت رأسَها إليه تدعوه. فقالت: ياجريجُ! أنا أمُّك. كلِّمْني. فصادفَتْه يصلي. فقال: اللهمَّ! أمي وصلاتي. فاختار صلاتَه. فرجعتْ ثم عادتْ في الثانيةِ. فقالت: ياجريجُ! أنا أمُّك. فكلِّمْني. قال: اللهمَّ! أمي وصلاتي. فاختار صلاتَه. فقالت: اللهمَّ! إنَّ هذا جريجٌ. وهو ابني. وإني كلمتُه فأبى أن يكلِّمَني. اللهمَّ! فلا تُمِتْه حتى تُرِيَه المومساتِ. قال: ولو دعت عليه أن يُفتَنَ لفُتِنَ. قال: وكان راعي ضأنٍ يأوي إلى دِيرِه. قال فخرجتِ امرأةٌ من القريةِ فوقع عليها الراعي. فحملت فولدت غلامًا. فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحبِ هذا الدِّيرِ. قال فجاءوا بفؤسِهم ومساحيهم. فنادوه فصادفوه يصلِّي. فلم يكلِّمْهم. قال فأخذوا يهدِمون دِيرَه. فلما رأى ذلك نزل إليهم. فقالوا له: سَلْ هذه. قال فتبسَّمَ ثم مسح رأسَ الصبيِّ فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأنِ. فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني ما هدَمْنا من دِيرِك بالذهبِ والفضةِ. قال: لا. ولكن أَعِيدوه ترابًا كما كان. ثم علاه " (رواه مسلم).

اصنع مع والديك ما تريده لنفسك
9- عن ثابت البناني قال: رأيت رجلا يضرب أباه في موضع فقيل له: ما هذا فقال الأب: خلوا عنه فإني كنت أضرب أبي في هذا الموضع فابتليت بابني يضربني في هذا الموضع.
وانظر إلى الخليل إبراهيم حين تأدب مع والده وتلطف في دعوته فقابل الأب هذا الأدب بمنتهى القسوة ، ما كان من إبراهيم إلا أن قال: ( سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) (مريم: من الآية47) ،فكان جزاؤه من جنس عمله ،رزقه الله ولدا صالحا ،إسماعيل الذي تأدب معه حين أعلمه أنه أُمر بذبحه فقال: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) (الصافات: من الآية102)


مظاهر البر
• قال الماورديُّ - رحمه الله - في كتاب " أدب الدنيا والدين ": والبِرُّ نوعان: صِلَة، ومعروف.
فأما الصلَة: فهي التَّبرع ببذل المال في الجهات المحدودة لغير عوض مطلوب، وهذا يبعث عليه سماحة النَّفس وسخاؤها، ويمنع منه شحُّها وإباؤها. قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الحشر 9).

وأما النَّوع الثَّاني من البِرِّ فهو: المعروف، ويتنوع أيضا نوعين: قولًا وعملًا.
فأما القول: فهو طيب الكلام، وحسن البِشْر، والتودُّد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق، ورِقَّة الطبع، ويجب أن يكون محدودًا كالسَّخاء؛ فإنَّه إن أسرف فيه كان مَلَقًا مذمومًا، وإن توسط واقتصد فيه كان معروفًا، وبِرًّا محمودًا.

وأمَّا العمل: فهو بذل الجاه والمساعدة بالنَّفس، والمعونة في النَّائبة، وهذا يبعث عليه حبُّ الخير للنَّاس، وإيثار الصَّلاح لهم. وليس في هذه الأمور سَرَفٌ، ولا لغايتها حَدٌّ، بخلاف النَّوع الأوَّل؛ لأنَّها وإن كثرت فهي أفعال خير تعود بنفعين: نفع على فاعلها في اكتساب الأجر، وجميل الذِّكر، ونفع على المعان بها في التخفيف عنه، والمساعدة له.

قال الغزالي : وآداب الولد مع والده : أن يسمع كلامه , ويقوم بقيامه , ويمتثل أمره , ولا يمشي أمامه , ولا يرفع صوته , ويلبي دعوته , ويحرص على طلب مرضاته , ويخفض له جناحه بالصبر , ولا يمن بالبر له , ولا بالقيام بأمره , ولا ينظر إليه شزراً , ولا يقطب وجهه في وجهه (10)
" كيف يكون بر الوالدين ؟! "

أخي المسلم : مر معك بر الوالدين، وحقيقته؛ وهو باختصار: الإحسان إليهما بوجوه البر والصلة، وعدم التقصير في حقهما .

وإليك أخي بعض صور بر الوالدين، وكيف يكون برهما ؟

* طاعتهما فيما يأمران به :

طاعة الوالدين واجبة على الولد؛ إذا أمراه أن يسمع لقولهما، ما لم يأمراه بمعصية الله تعالى..

قال الله تعالى : {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}[لقمان: 15].

بل إن العلماء أفتوا : أن الوالد إذا منع ابنه من صوم التطوع، فله أن يطيع والده .

سئل الإمام أحمد رحمه الله : عن رجل يصوم التطوع، فسأله أبواه أو أحدهما؛ أن يفطر , قال : (يروى عن الحسن أنه قال : يفطر وله أجر البر، وأجر الصوم إذا أفطر) .

* خفض الصوت عندهما ومخاطبتهما بلين :

إن مما يؤسف له أن الكثيرين؛ إذا خاطب أحدهم أحد والديه؛ تجده يرفع صوته، ولا يراعي الأدب معهما ! وهذا لا شك من العقوق؛ الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الله تعالى : {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}[الإسراء: 23] .

قال سعيد بن المسيب رحمه الله : (قول العبد المتذلل للسيد الفظ) !

وهذا ابن عون رحمه الله : نادته أمه مرة، فأجابها بصوت عال، فأعتق رقبتين !

* توقيرهما والتذلل لهما :

وهذا من لوازم البر؛ فإن كثيرًا من الأبناء؛ تجده يتعالون على الوالدين؛ فإذا أمره أحدهما بشيء، فكأنما في ذلك إهانة له! وخاصة إذا كان الولد كبير المنصب .

ولكن هذا الجاهل، غاب عنه؛ أن بر الوالدين ليس فيه إهانة ولا مذلة؛ بل إن المذلة في عدم طاعتهما ! قال تعالى : {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}[الإسراء: 24].

قال عروة رحمه الله : هو أن لا يمنعهما من شيء أراداه .

وقال طاوس رحمه الله : (إن من السنة أن نوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد) .

وأبصر أبو هريرة رضى الله عنه رجلين، فقال لأحدهما: ما هذا منك ؟ فقال : أبي. فقال : لا تسمه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله .

* استئذانهما إذا نوى السفر الطويل؛ لطلب علم أو غيره :

من البر استئذان الوالدين عند السفر الطويل؛ الذي يغيب صاحبه مدة طويلة .

فإن رضا الوالدين من الأمور الضرورية في مثل هذه الحالة. ولك أن تعتبر أن إذن الوالدين واجب؛ حتى في حق الذي يريد الخروج إلى الجهاد .

عن طلحة بن معاوية السلمى رضى الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني أريد الجهاد في سبيل الله , قال : «أمك حية ؟» قلت : نعم , قال النبى صلى الله عليه وسلم : «الزم رجلها فثم الجنة !» [رواه الطبراني/ صحيح الترغيب للألباني: 2483] .

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان , فقال : «ارجع عليهما؛ فأضحكهما كما أبكيتهما» [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه/ صحيح أبي داود للألباني: 2528] .

* الإنفاق عليهما وسد حاجتهما :

وهذا من لوازم البر الأكيدة ؛ أن يطعم الابن والديه ويكسوهما، ويقوم على حاجتهما .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : أن رجلاً قال : يا رسول الله، إن لي مالاً وولدًا ، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي ، فقال : «أنت ومالك لأبيك !» [رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما] .

في رواية : «إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم» [إرواء الغليل للألباني: 838] .

* الدعاء لهما، سواء في حياتهما أو بعد موتهما :

إن من البر؛ أن يدعو الابن لوالديه بالرحمة؛ حتى وإن كانا أحياء وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الدعاء لكل من صنع إلينا معروفًا، فكيف بالوالدين؟! ومعروفهما فوق كل معروف .

وفي الدعاء لهما : أداء لبعض حقوقهما عليك، وليس ذلك بالصعب .

قال الله تعالى : {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}[الإسراء: 24] .

قال النبي صلى الله عليه وسلم  : «إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول : أني لي هذا ؟ فيقال : باستغفار ولدك لك» [رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما/ السلسلة الصحيحة: 1598] .

قال بعض التابعين : (من دعا لأبويه في كل يوم خمس مرات، فقد أدى حقهما، لأن الله تعالى قال : {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} فشكر الله تعالى أن يصلي في كل يوم خمس مرات، وكذلك شكر الوالدين؛ أن يدعو لهما في كل يوم خمس مرات) .

وقال بعض الصحابة رضى الله عنهم : (ترك الدعاء للوالدين؛ يضيق العيش على الولد) .
بر الوالد المتوفي
 أيها الأخوة الكرام ؛ وقد يقول قائلٌ : ما دام أبي حيًّا فأنا أسْعى لِبِرِّهِ ، فإذا أخذ صاحب الأمانة أمانتهُ فماذا بقيَ عليّ من بِرِّه ؟ لكن أحكام الشريعة السّمْحاء دقيقة دقيقة ، فقد جاء رجلٌ من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يا رسول الله هل بقي عليّ من بِرِّ والديّ مِن بعد موتهما شيءٌ ؟ فقال : نعم ؛ الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهْدِهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرّحِمَ التي لا رَحِم لك إلا من قبلهما ، أما الصلاة عليهما ففي بعض الآراء هي صلاة الجنازة ، لكنّ بعض العلماء وسَّعَ هذا المفهوم وقال : الصلاة عليهما هي الدعاء لهما بالرحمة ، وقد أمر الله تعالى بذلك فقال :
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾
[ سورة الإسراء : 24]
 ففي صحيح مسلم والبخاري:
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ....ولد صالح يدعو له ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة ]
 وقد قال بعض التابعين : من دعا لِوَالِدَيه في اليوم خمْس مرات فقد أدَّى حقّهما في الدعاء ، أيْ لا بدّ أن تدْعُوَ لِوَالديك في الصلوات الخمس : ربّ اغفر لي ولِوَالديّ ، ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيرًا .
 أيها الأخوة ؛ أحدنا أحيانًا يقرأ هذه الأدعِيَة دون أن يعيَ مضمونها ، ودون أن يعي الهدف البعيد منها ، وتصبحُ عادةً من عوائدهِ ، يصبح كلامًا لا يفكّر فيه ، قبل أن تُسلِّم من الصلاة قُلْ : ربّ اغفر لي ولوالِديّ ، ربّ ارْحمهما كما ربَّياني صغيرًا ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؛ إنّ الرجل لَتُرْفعُ درجتهُ في الجنّة ، فيقول : يا ربّ أنى لي هذا ؟ فيُقال : باستغفار ولدك لك ، وهو في الجنّة تُرْفع له درجته ، يقول يا ربّ أنى لي هذا؟ قال : باستغفار ولدك لك .
27- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أنَّ رجلًا أَتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: " إنَّ أبي ماتَ ولم يحُجَّ أفأَحُجُّ عنهُ؟ " قال: " أرأيتَ لو كان على أبيكَ دَيْنٌ أكنتَ قاضيهِ؟ " قال: " نعم " قال: " حُجَّ عن أبيكَ " (صححه الألباني).
28- عبدالله بن عمر رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتَى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أصَبتُ ذنبًا عظيمًا فَهَل لي مِن تَوبةٍ؟ قالَ: " هل لَكَ مِن أمٍّ؟ " قالَ: لا، قالَ: " هل لَكَ من خالةٍ؟ " قالَ: نعَم، قالَ: " فبِرَّها " (رواه الترمذي).

30- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا خرج إلى مكةَ كان له حمارٌ يتروَّحُ عليه، إذا ملَّ ركوبَ الراحلةِ. وعمامةً يشدُّ بها رأسَه. فبينا هو يومًا على ذلك الحمارِ. إذ مرَّ به أعرابيٌّ. فقال: ألستَ ابنَ فلانِ بنِ فلانٍ؟ قال: بلى. فأعطاه الحمارَ وقال: اركب هذا. والعمامةَ، قال: اشدُدْ بها رأسَك. فقال له بعضُ أصحابِه: غفر اللهُ لك! أعطيتَ هذا الأعرابيَّ حمارًا كنت تروحُ عليه، وعمامةً كنت تشدُّ بها رأسَك! فقال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " إنَّ مِن أَبَرِّ البِرِّ صلةُ الرجلِ أهلَ وُدِّ أبيه، بعد أن يُولِّيَ " وإنَّ أباه كان صديقًا لعمرَ (رواه مسلم).
39- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: " إنَّ أبي مات وترك مالًا ولم يُوصِ. فهل يُكِفِّرُ عنه أن أَتصدَّق عنه؟ قال: " نعم " (رواه مسلم).

40- عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ! إنَّ أمي افتُلِتَتْ نفسُها. ولم تُوصِ. وأظنها لو تكلمتْ تصدقتْ. أفلها أجرٌ إن تصدقتُ عنها؟ قال: " نعم ". (رواه مسلم).

41- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أنَّ سعدَ بنَ عبادةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أخا بني ساعدةَ، تُوفيتْ أمُّهُ وهو غائبٌ عنها، فأتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ إنَّ أمي تُوفيتْ وأنا غائبٌ عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدَّقتُ بهِ عنها؟ قال: (نعم). قال: فإني أُشهدكَ أنَّ حائطي بِالْمِخْرَافِ صدقةٌ عليها " (رواه البخاري).

• الحائط: الجدار، لأنه يحوط ما فيه.
• المخراف: هو الحائط من النخل أو البستان المثمر، والمخراف: المثمرة.
• قال النووي رحمه الله: " أجمع المسلمون على أن الصدقة عن الميت تنفعه وتصله، وقال أيضاً: الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها بإجماع العلماء، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع ".
48- عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخالة بمنزلة الأم " (صححه الألباني )

الدعاء للوالدين
46- عن أبي مرة مولى أم هانئ رضي الله عنهما أنه ركب مع أبي هريرةَ إلى أرضه بالعقيقِ فإذا دخل أرضَه صاح بأعلى صوتِه عليك السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه يا أمَّتاه تقول وعليك السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه يقول رحمكِ اللهُ كما ربَّيتِني صغيرًا فتقول يا بني وأنت فجزاك اللهُ خيرًا ورضيَ عنك كما بررْتَني كبيرًا " (حسنه الألباني).

11- قال تعالى: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً ﴾  (نوح: 28).


*اذكر القصص*

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أبر الناس بوالدينا ومن أتقاهم ومن أحسنهم خلقا بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

دروس و خطب في بر الوالدين



بر الوالدين

د/ خالد سعد النجار


عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
( دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة قلت من هذا ؟ فقالوا : حارثة بن النعمان ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كذلكم البر كذلكم البر [ وكان أبر الناس بأمه ] ) (1)

من روائع هذا الدين تمجيده للبر حتى صار يعرف به ، فحقا إن الإسلام دين البر الذي بلغ من شغفه به أن هون على أبنائه كل صعب في سبيل ارتقاء قمته العالية ، فصارت في رحابه أجسادهم كأنها في علو من الأرض وقلوبهم معلقة بالسماء
وأعظم البر ( بر الوالدين ) الذي لو استغرق المؤمن عمره كله في تحصيله لكان أفضل من جهاد النفل ، الأمر الذي أحرج أدعياء القيم والأخلاق في دول الغرب ، فجعلوا له يوما واحدا في العام يردون فيه بعض الجميل للأبوة المهملة ، بعدما أعياهم أن يكون من الفرد منهم بمنزلة الدم والنخاع كما عند المسلم الصادق

وبالوالدين إحسانا
قال تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ) البقرة 83 والإحسان نهاية البر , فيدخل فيه جميع ما يحب من الرعاية والعناية , وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين حتى قرن تعالى الأمر بالإحسان إليهما بعبادته التي هي توحيده والبراءة عن الشرك اهتماما به وتعظيما له (2) وقال تعالى ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) النساء 36 فأوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمهما في سلكها بقوله ( وبالوالدين إحسانا ) وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )الإسراء 23- 24

قال ذو النون ثلاثة من أعلام البر : بر الوالدين بحسن الطاعة لهما ولين الجناح وبذل المال ، وبر الولد بحسن التأديب لهم والدلالة على الخير ، وبر جميع الناس بطلاقة الوجه وحسن المعاشرة (3) ، وطلبت أم مسعر ليلة من مسعر ماء فقام فجاء بالكوز فصادفها وقد نامت فقام على رجليه بيده الكوز إلى أن أصبحت فسقاها (4) وعن محمد ابن المنكدر قال : بت أغمز ( المراد بالغمز ما يسمى الآن بالتكبيس ) رجلي أمي وبات عمي يصلي ليلته فما سرني ليلته بليلتي ، ورأى أبو هريرة رجلا يمشي خلف رجل فقال من هذا ؟ قال أبي قال : لا تدعه باسمه ولا تجلس قبله ولا تمش أمامه (5)

ووصينا الإنسان بوالديه
قال تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) العنكبوت 8 قيل نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كما روى الترمذي : قال سعد أنزلت في أربع آيات فذكر قصة , وقالت أم سعد أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر قال فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي.. ... ) (6) وقال جل ذكره ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) الأحقاف 15-16 وقال أيضا ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) لقمان 14- 15

كذلكم البر كذلكم البر
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: ( الصلاة على وقتها) قال: ثم أي؟ قال: ( بر الوالدين ) قال ثم أي؟ قال: ( الجهاد في سبيل الله ) (7) ومن البر بهما والإحسان إليهما ألا يتعرض لسبهما ولا يعقهما؛ فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف، وبذلك وردت السنة الثابتة؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من الكبائر شتم الرجل والديه ) قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال ( نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ) (8)
وعن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم ( رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما ) (9) أي غضبهما الذي لا يخالف القوانين الشرعية كما تقرر فإن قيل : ما وجه تعلق رضى اللّه عنه برضى الوالد قلنا : الجزاء من جنس العمل , فلما أرضى من أمر اللّه بإرضائه رضي اللّه عنه , فهو من قبيل لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس قال الغزالي : وآداب الولد مع والده : أن يسمع كلامه , ويقوم بقيامه , ويمتثل أمره , ولا يمشي أمامه , ولا يرفع صوته , ويلبي دعوته , ويحرص على طلب مرضاته , ويخفض له جناحه بالصبر , ولا يمن بالبر له , ولا بالقيام بأمره , ولا ينظر إليه شزراً , ولا يقطب وجهه في وجهه (10)


-------------------------------
الهوامش والمصادر
(1) رواه ابن وهب في الجامع وأحمد في المسند ــ باقي مسند الأنصار برقم 22951 والبغوي في شرح السنة 3/420 ط المكتب الإسلامي ، وابن النجار في ذيل التاريخ (10/134/2) من طريق عبد الرزاق ، وعبد الرزاق في المصنف رقم 201999 ، والحاكم (3/208) وصححه ووافقه الذهبي ، وقال الحافظ في الإصابة (1/ 618) إسناده صحيح ، قال الصدر المناوي وغيره : وصح لنا برواية الحاكم والبيهقي أن قوله كان أبر الناس من كلام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وليس بمدرج ثم بسطه ، وقال الألباني إسناده صحيح على شرط الشيخين السلسلة الصحيحة برقم 913 ، صحيح الجامع برقم 3371 ، مشكاة المصابيح برقم 4854
(2) تفسير القاسمي ــ محاسن التأويل ج1-2 ص 178دار الفكر (3) شعب الإيمان ج: 6 ص: 187 (4) شعب الإيمان ج: 6 ص: 207 برقم 7920 (5) الآداب الشرعية ــ ابن مفلح ج1 ص 479 مؤسسة الرسالة (6) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ــ كتاب تفسير القرآن برقم 3113 (7) رواه البخاري ــ كتاب مواقيت الصلاة برقم 496 (8) رواه مسلم ــ كتاب الإيمان برقم 130 (9) رواه الطبراني (صحيح) انظر حديث رقم: 3507 في صحيح الجامع.السيوطي / الألباني ‌ (10) فيض القدير للمناوي 2/528


بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الطّبع و التّكليف :
 أيها الأخوة الكرام ؛ شاع بين المسلمين عُقوق الوالدين ، وعُقوق الوالدين من الكبائر ، بل إنّ عُقوق الوالدين من أكبر الكبائر ، ويا أيها الأخوة ليس في الأدْيان ، وليس في الدِّين الإسلامي كلّه أمْرٌ واحدٌ بِتَناوُل الطعام ، ولا توَعُّدٌ لِمَن لا يأكل ، لماذا ؟ لأنّ هذا تَحصيل حاصل ، فقد رُكِّبَ في طبْع الإنسان وأصل تَصميمه دافعٌ إلى الطعام ، وحاجةٌ إليه ، يتمثَّل هذا بالشعور بالجوع ، وذلك الشعور الذي لا يُقاوَم ، كذلك ليس في الدِّين كلّه أمْرٌ للآباء بِرِعاية الأبناء ، لأنّ هذا مركّبٌ في طبْعهم ، وفي أصل تَكوينهم ، ولكنّ برّ الأبناء للآباء تكليفٌ ، ومعنى أنَّه تكليف أنَّهُ ذو كُلْفةً يقتضي كلفةً وإرادةً ، يقتضي بذْلاً ، يقتضي عطاءً ، أن تفْعَلَ شيئًا وفْق طبْعِكَ شيء ، وأن تفْعَلَ شيئًا بِخِلاف طبْعِكَ شيءٌ آخر ، إنَّك لن ترقى إلا إذا فعلْتَ شيئًا بِخلاف طبْعِك ، قال تعالى :
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾
[ سورة النازعات : 40]
 فإذا كان الطَّبْعُ يقتضي أن تنظر إلى ما يُمْتِعُ العين فالذي يرقى بك إلى الله أن تغضّ البصر عمّا نُهِيتَ أن تنظر إليه ، وإذا كان الطَّبْعُ يقتضي أنْ تقبضَ المال فإنّ التكليف يقتضي أن تدفعَهُ ، وإذا كان الطَّبْعُ يقتضي أن تتكلَّم بِعَوْرات الناس ، فالتكليف يقتضي أن تسكت ، لذلك أيها الأخوة لا يرقى المسلم عند الله عز وجل إلا إذا خالَفَ هواه وطبْعَهُ ، رعاية الآباء للأبناء في أصْل طبْعِهِم ، مركّبٌ في طبْعِهم من أجل اسْتِمرار الحياة ، وأن تُعْمَرَ الأرض، ولكنّ برّ الأبناء للآباء تكليف ، ومعنى أنَّه تكليف أيْ ذو كُلفَة يقتضي اختِيارًا ، ويقتضي جُهْدًا، ويقتضي وقتًا ، ويقتضي أحيانًا مشَقَّةً .
الإحسان إلى الوالدين و برهما من أعظم الأعمال في الإسلام :
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان يُثابُ على أعماله التي تُخالفُ طبْعهُ أكثر ممَّا يُثاب على أعماله التي توافق طبْعَهُ ، لذلك برّ الوالدين يُثابُ صاحبُه عليه في الدنيا توفيقًا ونجاحًا ، وفي الآخرة سعادةً وخلودًا ، ويا أيها الأخوة الكرام إنّ هذا التكليف - أنت أيها الإنسان مُكَلَّفٌ بِبِرّ والِدَيك - من الأهَمِيَّة بحيث قرَنَهُ الله عز وجل بِعِبادَتِهِ ، والاقْتِران عن طريق العَطْف يُفيدُ التوافُقَ والمشاكلة ، والمشابهة والاشْتِراك ، قال تعالى :
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة الإسراء : 23]
 ربّنا جلّ جلاله رفعَ الأمر بالإحسان إلى الوالدين إلى مستوى عبادته ، إذًا هو من الأهَمِيَّة بِمَكان ، الله سبحانه وتعالى هو الذي أوْجَدَكَ ولم تَكُنْ شيئًا مَذْكورًا ، أوْجَدَكَ عن طريق هذا الأب وتلك الأمّ ، إذًا قال تعالى :
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة لقمان : 14]
 هذا العطف يقتضي المشاركة والتوافق .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرّةً ثانِيَةً : أحْسَنَ في اللّغة العربيّة يتعدَّى بإلى ، لو فتَحْتَ المعاجم على فعل أحْسَن ، يُقال : أحْسنَ إليه ، إلا أنّ هذا الفِعْل في القرآن الكريم يتعدَّى بِحَرْفٍ آخر ، هو الباء ، قال تعالى :
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة الإسراء : 23]
 أيْ إحْسانًا بالوالدين ، ولا يخفى على كلّ ذي فهْمٍ أنّ هذه الباء تفيد الإلْصاق ، وقد اسْتَنْبطَ علماء التفسير من حرْف الباء أنَّ الإحسان للوالدين لا يُقْبَلُ إلا إذا كان شخْصِيًّا وبالذات من ابنهما لا عن طريق الهاتف ، ولا عن طريق الواسطة ، ولا عن طريق الرسالة ، لا بدّ من أن تحضر إليه ، ولا بدّ من أن تقدِّمَ إليه الخِدْمةَ بِنَفْسِكَ ، لا تُقْبَلُ إلا أن يكون هذا شخصيًّا منك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله قال :
((أحب الأعمال إلى الله سبحانه الصلاة على وقتها ، ثم بر الوالدين ، ثم الجهاد في سبيل الله ))
[البخاري عن عبد الله]
 فَبِرُّ الوالدين من خِلال هذا الحديث هو أعظمُ الأعمال في الإسلام بعد الصلاة التي هي عِماد الدِّين ، وعِصام اليقين ، وسيّدةُ القربات ، وغرّة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى ربّ الأرض والسموات .
خابَ وخسر من أدرك والديه عند الكبر ثمّ لمْ يدخُل الجنّة :
 أيها الأخوة الكرام ؛ ثمّ يقول الله عز وجل :
﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾
[ سورة الإسراء : 23]
 يا أخوة الإيمان أرأيْتُم إلى كلمة واحدة في الآية الكريمة ؟ كلمة عندَكَ ، أي هم عندك ، بعدَ أن كنْتَ أنت عندهم ، الطّفل إذا كان صغيرًا ، الطّفل الصغير الضعيف هو عند والدَيْه مكانًا ونفقَةً ورِعايَةً وتربِيَةً ، تقدَّمَتْ السِنّ بالأب ، فأصبحَ الأب عند ابنه مكانًا ونفقَةً ورِعايَةً وترْبِيَةً ، قال عز وجل :
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ﴾
 هم الآن عندك ، وقد كنت عندهم ، يوم كنتَ صغيرًا كنت عندهم في بيت أبيك ، هو ينفقُ عليك ، هو يرْعاك ، هو يُربّيك ، أما اليوم فهو عندك في بيتك ، عليك أن ترْعاه ، وعليك أن تنفق عليه ، وعليك أن تُعْطِيَهُ أثْمَنَ ما عندك، قال عز وجل :
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾
 ربّما لا يجد الإنسان مشقَّةً في برّ والدِه الشابّ ، ولكنّ الأب إذا تقدَّمَت به السنّ أصْبحَتْ حاجاتهُ كثيرة ، وقد يُصبحُ كلامه كثيرًا ، وقد يصبحُ تدخُّلُه كثيرًا ، فإذا بلغَ من الكِبَر وهو عندك هو في أمسّ الحاجة إليك ، إلى عطْفكَ ، وإلى حِلْمِكَ ، وإلى رحمتك ، وإلى رعايتك ، وإلى ترْبيَتِكَ ، قال تعالى :
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾
 برُّ الوالدين تكليف ، ربّما شعرَ الإنسان البعيد عن الله عز وجل أنّ أباهُ عبءٌ عليه ، ربّما شعر الإنسان البعيد عن الله عز وجل أنَّ أُمّه عبءٌ عليه ، ومصْلحتُهُ مع زوْجتهِ ، مصْلحتُه مع رفاقه ومع أصدقائه ، فهذا الأب الذي تقدَّمَتْ به السنّ ، وهو في أمسّ الحاجة إليك ربّما أصبحَ عبئًا عليك ، لذلك جاء الأمر الإلهي ، قال تعالى :
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
 كلمة أف ليسَتْ كلمة ، إنَّها نَفَسٌ مَسْموع ، زفيرٌ مَسْموع ، زفيرٌ بِصَوْتٍ عالٍ ، وردَ في بعض الآثار أنّه لو أنّ في اللّغة كلمة أقلّ من أفّ لذكرها الله عز وجل ، قال تعالى:
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾
 أُفّ اسم فعل مضارع ، بِمَعنى أتضجَّر ، والإنسان إذا تضجَّر قال : أفّ ، أو تنفَّسَ بِصَوٍت مَسْموع ، أو أرْجَعَ الهواء من رئتَيْهِ بِصَوتٍ مَسْموع أيْ كان زفيرهُ مَسْموعًا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ العلماء حملوا على هذه الكلمة التي وردَت في نصّ القرآن كلَّ فِعْلٍ كإغلاقٍ باب ، وكلّ كلمةٍ ، أو كلَّ نظرةٍ تُساويها في الإساءة إلى الأم والأب ، في القرآن منْطوق ، وفي القرآن مفهوم ، فكَلِمَة ولا تقل لهما أُفٍّ يُساويها أنْ تشُدّ نظرك إلى أبيك ، يُساويها أن تغلق الباب بِعُنْف ، يُساويها أن تحرِّك يدَيْك تضجُّرًا ، أيّ فِعْلٍ ، أو أيَّةُ كلمة ، أو أيَّةُ إشارة، أو أيّة عبارة ، أو أيّة حركة ، أو أيُّ تصرُّفٍ يُساوي كلمة أفّ فهي تأخذ حكمها ، لذلك روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال :
((رغم أنف عبد أدرك والديه عند الكبر))
[مسلم عن أبي هريرة]
 وفي رواية أخرى : " رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه - أيْ خابَ وخسر - من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثمّ لمْ يدخُل الجنّة " أما معنى قول الله عز وجل :
﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾
 مِن النَّهْر أيْ الزَّجْر والغلظة ، قال تعالى :
﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
 فسَّره العلماء بِقَول العبد المذنب لِسَيِّدِه القويّ الفظ الغليظ ، تصوَّرْ عبْدًا مُذْنِبًا يتكلّم أمام سيّده الفظّ الغليظ ، ماذا يقول له ؟ كلامٌ أحلى من العسل ، مع تلطّف ، مع ندم ، مع اختيار للألفاظ اللطيفة ، قال تعالى :
﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
 كَقَوْل العبد المذنب لِسَيِّدِه القويّ الفظ الغليظ ، قال تعالى :
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾
عُقوق الوالدين من أكبر الكبائر :
 وعن عائشة قالت :
(( لا تمش أمامه ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعه باسمه ، ولا تستسب له ))
[ البخاري عن عائشة]
 معنى تسْتَسِبَّ له أي لا تكن سببًا في سبِّه ، أي لا تفعل أعمالاً سيّئة مع الناس تدْعوهم إلى أن يسبُّوا أباك ، لا تمش أمامه ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعهُ باسمه ، ولا تسْتَسِبَّ له.
 أيها الأخوة الكرام ؛ وما دُمنا قد وصلنا إلى كلمة : ولا تسْتَسِبَّ له، فقد أكَّدَ العلماء أنّ من العقوق أن يشْتم الرجل والدَيْه ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر . .
(( من الكبائر شتْم الرجل والديه ، قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟...))
[مسلم عن عبد الله بن عمر ]
 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام ودقّقوا في هذا الحديث :
((من أحْزَنَ والِدَيْه فقد عقَّهما ))
[ كنز العمال عن علي]
 إذا فعلْتَ فِعْلاً أدْخَلْتَ على قلبهما الحُزن ، وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلّم عُقوق الوالدين من أكبر الكبائر ، وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال :
((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس فقال : ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور.))
[متفق عليه عن أبي بكرة ]
البر و الإحسان للوالدين و لو لم يكونا مسلمين :
 أيها الأخوة الكرام ؛ قد يقول قائلٌ : والديّ ليس على الحق ، ليس مستقيماً ، لا يصلّي ويفعل المنكرات ، اسْتَمِع أيها الأخ الكريم إلى رأي الشرع في هذا الموضوع ، يقول العلماء : لا يختصّ بِرُّ الوالدين بأنْ يكونا مسلمين ، ففي صحيح البخاري عن أسماء قالت :
(( قدمت عليّ أمي وهي مشركة ، في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت وهي راغبة : أفأصل أمي ؟ قال : نعم صلي أمك? ))
[البخاري عن أسماء]
 تعني وهي راغبة عن الإسلام ، فبرّ الوالدين لا يختصّ بالوالدين المؤمنين المسلمين ، لأنّهما والدان همْا يسْتحقّون منك البِرّ والإحسان .
 وقد قال بعض المفسّرين : إنّ الله سبحانه وتعالى أنْزل عقب هذه الحادثة قوله تعالى :
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
[ سورة الممتحنة : 8]
أعظم الناس حقاً على المرأة و الرجل :
 وفي الصحيح عن أبي هريرة . . ." من أحقّ الناس بحُسن صحابتي ؟ قال : أمّك ثلاث مرات . . ." فحقُّ الأمّ ثلاثة أمثال حقّ الأب ، وسئل صلى الله عليه وسلّم من أعظم الناس حقًّا على الرجل ؟ فقال : أمّهُ ، فلما سئل : من أعظم الناس حقّا على المرأة ؟ قال : زوجها .
 وجاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم يستأذنهُ في الجهاد فقال : أحَيٌّ والدك؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهِد ، فَبِرُّ الوالدين يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله ، وهذا يذكّرني بِحَديث لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم حينما جاءتْهُ امرأة تشتكي أنّ الرجال أخذوا كلّ الخير ، فالجهاد لهم ، والأعمال الطيّبة لهم ، والدعوة إلى الله لهم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " اِعْلمي أيّتها المرأة وأعْلِمي من دونك من النّساء أنّ حُسْن تَبَعُّل المرأة زوجها يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله " دقّقوا في هذين الحديثين :" حُسْن تَبَعُّل المرأة زوجها يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله " أنْ ترْعَى بيْتَ زوْجها ، أن ترْعى زوْجها ، أنْ ترْعى أولادها ، هذا عند الله جهادُ المرأة ، وأن يبرَّ الرجل والِدَيه ؛ هذا عند الله يعْدلُ الجهاد .
 وقد روَتْ الكُتب أنّ رجلاً خاصمّ امرأتهُ على ولدٍ لهما ، أيّهما أحقّ بِحَضانته ، فقالتْ المرأة للقاضي : أنا أحقّ به لأنّني حملْتهُ تسْعة أشهرٍ ثمّ وضَعْتهُ ، ثمّ رضّعته إلى أن ترعْرع بين أحضاني ، فقال الرجل : أيها القاضي أنا حملْتُ قبل أن تحملهُ ، ووضعْتُهُ قبل أن تضعهُ ، فإن كان لها بعض الحقّ فيه ، فَلِيَ الحقّ كلّه أو جلّه ، فقال القاضي : أجيبي أيّتها المرأة قالت : لئِنْ حَمَلَهُ خِفًّا ، فقد حمَلْتُهُ ثقلاً ، ولئِنْ وضَعَهُ شهوةً فقد وضَعْتهُ كُرْهًا ، فقال القاضي : اِدْفَع إلى المرأة غلامها ودَعْني من سَجْعك .
ما ينبغي على الإنسان أن يفعله بعد وفاة والديه :
 أيها الأخوة الكرام ؛ وقد يقول قائلٌ : ما دام أبي حيًّا فأنا أسْعى لِبِرِّهِ ، فإذا أخذ صاحب الأمانة أمانتهُ فماذا بقيَ عليّ من بِرِّه ؟ لكن أحكام الشريعة السّمْحاء دقيقة دقيقة ، فقد جاء رجلٌ من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يا رسول الله هل بقي عليّ من بِرِّ والديّ مِن بعد موتهما شيءٌ ؟ فقال : نعم ؛ الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهْدِهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرّحِمَ التي لا رَحِم لك إلا من قبلهما ، أما الصلاة عليهما ففي بعض الآراء هي صلاة الجنازة ، لكنّ بعض العلماء وسَّعَ هذا المفهوم وقال : الصلاة عليهما هي الدعاء لهما بالرحمة ، وقد أمر الله تعالى بذلك فقال :
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾
[ سورة الإسراء : 24]
 ففي صحيح مسلم والبخاري:
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ....ولد صالح يدعو له ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة ]
 قد نفْهم هو إنسان متفوِّقٌ بِحَياته له دَخْلٌ وذكيّ وحكيم ؟ لا ، العلماء قالوا : الولد الصالح هو الولد المؤمن ، فإذا دعا ابنك المؤمن لك من بعد الحياة فهذا الدعاء اسْتمرار لِعَملك الصالح ، فقد أكَّدَ العلماء أنّ دعاء الولد المؤمن الصالح لأبيه بعد موته اسْتمرار لِعَمله بِشَرْط أنْ يُرَبِّيَهُ تربيَةً ترضي الله تعالى ، إذا أسْهَمَ الأب في إيمانه وتربيَتِهِ ، وجَهِدَ الليالي في تربيته ، وإذا راقبهُ ، وإذا ضبطهُ ، وإذا درسَ سُلوكهُ ، وقدَّم له النصيحة ، إذا أعانه على أمر دينه ، إذا زوَّجَهُ خوفًا أن يقعَ في الفاحشة ، إذا فعلَ كلّ هذا إلى أن استقام عودهُ وأصبح هذا الابن صالحًا مؤمنًا ، الآن هذا الابن إذا دعا لأبيه بعد موته فَدُعاؤُهُ اسْتِمرارٌ له .
 وقد قال بعض التابعين : من دعا لِوَالِدَيه في اليوم خمْس مرات فقد أدَّى حقّهما في الدعاء ، أيْ لا بدّ أن تدْعُوَ لِوَالديك في الصلوات الخمس : ربّ اغفر لي ولِوَالديّ ، ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيرًا .
 أيها الأخوة ؛ أحدنا أحيانًا يقرأ هذه الأدعِيَة دون أن يعيَ مضمونها ، ودون أن يعي الهدف البعيد منها ، وتصبحُ عادةً من عوائدهِ ، يصبح كلامًا لا يفكّر فيه ، قبل أن تُسلِّم من الصلاة قُلْ : ربّ اغفر لي ولوالِديّ ، ربّ ارْحمهما كما ربَّياني صغيرًا ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؛ إنّ الرجل لَتُرْفعُ درجتهُ في الجنّة ، فيقول : يا ربّ أنى لي هذا ؟ فيُقال : باستغفار ولدك لك ، وهو في الجنّة تُرْفع له درجته ، يقول يا ربّ أنى لي هذا؟ قال : باستغفار ولدك لك .
أعظمَ الأعمال ما اسْتَمَرَّ ثوابها بعد موتِ صاحبها :
 أيها الأخوة الكرام ؛ كلمةٌ من القلب : مَن كان له ولد فَجَهِدَ في تربيتِهِ ، وفي توجيهه ، وفي حُسْن تربيَتِهِ ، وفي تعليمه القرآن ، وفي تعليمه أحكام الشريعة ، إلى أنْ أصبح هذا الابن مؤمنًا مستقيمًا برًّا رحيمًا ، هذا الابن هو اسْتمرار إلى الأبد ، اسْتِمرار لك ، وأنت في الجنّة تُرفع منزلتك ، فيقول : يا ربّ أنى لي هذا ؟ فيُقال : باستغفار ولدك لك ، فَكُلّ الأعمال مهما كانت جليلةً تنتهي عند الموت ، ولكنّ أعظمَ الأعمال ما اسْتَمَرَّ ثوابها بعد موتِ صاحبها ، ومن أجلّ هذه الأعمال تربية الأولاد تربيَةً صالحة ، فيَنْبغي أن يأخذ ابنك من وقتك الشيء الكثير ؛ من وقتك وجهدك وتفكيرك وتخطيطك وبذْلك ومالك ، هذا الذي يدعُ ابنه ويقول : أنا كنتُ عصاميًا ، فكُنْ مِثلي عِصامِيًّا ، وهو قادر على تَزْويجهِ ، هذا الأب مُقَصِّرٌ في حقّ أولاده، يجب أن تعينه على طاعة الله ، وعلى غضّ بصره لِتَزويجه ، يجب أن تُعينه على كسب ماله لِتَأمين عملٍ له ، يجب أن يأخذ ابنك من وقتك كلّ الوقت .
الفلاح و النجاح بالإحسان إلى الوالدين والبر بهما وطاعتهما :
 أيها الأخوة ؛ أربعة أشياء ؛ أنْ تَدْعُوَ لهما ، وأن تستغفر لهما ، وأن تنْفذَ عهْدهما، العلماء قالوا : إنفاذ العهْد المُراد منه إنجازهُ والوفاء به ، ما دام هذا العهْد من الأمور التي ترضي الله تعالى ، لو أوْصى الأب بأن يُقْتَطَع من مالهِ جزءٌ لِعِمارة المساجد ، أو لِطَلبة العلم ، أو لِنَشْر بعض الكتب الدِّينيّة ، أو لأعمال البرّ ، فَمِن واجبات الأبناء أن ينْفذوا عهْد أبيهم ، وإلا وقعوا في معصِيَةٍ كبيرة ، إلا أنّ هناك اسْتِثناءً ، لو أنّ الأب أو الأمّ أوْصَيا بِبَعض المخالفات والبِدَع ، فإنّ وصِيَّتهما لا تُنَفّذُ لأنَّه لا طاعة لِمَخلوق في معْصِيَة الخالق ، إذا كان بالوصيّة أشياء لا تُرضي الله عز وجل ، فيها إجحاف ، وفيها بِدَع ، هذه لا تُنَفّذ ، والابن يطمئنّ إلى قوْل النبي عليه الصلاة والسلام :"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ، ورد في بعض الأحاديث أنّ صِلَة الرحم تنادي وتقول : " اللهم صل من وصلي واقطع من قطعني ، فيقول الله عز وجل : أنا الرحمن الرحيم ، شققْتُ للرَّحِم من اسمي اسمًا فَمَن وصلها وصلْتُه ، ومن قطَعَها قطَعْتُه " وقد ورد في الأثر :" أنْ عبْدي ماتَتْ التي كُنَّ نُكْرمُكَ من أجلها ، فاعْمَل صالحًا نُكْرمْكَ لأجلك " أيْ إنّ جزءاً من إكرام الله لك في حياة أمِّك من أجْل أمِّكَ ، فإذا ماتت الأمّ فأيُّ عملٍ سيّئ يُعاقب عليه الإنسان أشدّ العقاب ؛ لأنّ الله عز وجل لو عاقب الابن في حياة أمّه وأبيه لكان عقابًا للأم والأب أيضًا لما أوْدَعَ الله فيهما من الرَّحْمة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ خِتامُ هذا الموضوع ، هذا الحديث الشريف رواه أحمد :
((من سرَّه أن يُمَدَّ له من عُمره ، ويُزاد له في رزقه فليبرّ والديه))
[أحمد عَنْ أنس بن مالكٍ]
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني .
* * *
الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
تفسير مظاهر الضَّعْف والتَّخَلّف التي يُعاني منها المسلمون :
 أيها الأخوة الكرام ؛ النصوص التي بين أيدينا التي على برِّ الوالدين لا تخفى على أحد ، ولكنّ الأزْمة التي يعيشها المؤمن ، أنّ هناك مسافةً كبيرة بين ما يُحفظ ، وبين ما يُطبّق ، فالإنسان الذي يريد أن يتألّق وأن يرضى الله عنه ، يجب أن يأخذ بعض هذه الأحاديث ، أو كلّها مأْخَذًا جِدِيًّا ، وأن يُحاوِلَ تطبيقها منذ سماع هذه الخطبة ، ولكنّ المحفوظات كثيرة ، والتطبيقات قليلة ، وهذا الذي أهْلك المسلمين ، إذا زاد العلم على العمل صار العلم عبئًا على صاحبهِ ، وصارَ وبالاً عليه ، وصار حِسابهُ حسابًا خاصًّا ، فالأولى أن يُطابق العلم العمل ، فكلُّ موقفٍ يقفهُ الإنسان من أمِّه وأبيه قبل أن يتصرّف ، قبل أن يغضب ، قبل أن يتكلّم ، قبل أن يقف ، قبل أن يقطع ، وقبل أن يصل ، عليه أن يسترجع هذه الأحاديث الشريفة وهذه الآية الكبيرة التي قال الله فيها :
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
[ سورة الإسراء : 23]
 هذا القرآن الكريم ما نزل من عند الله عز وجل كيْ نقرأهُ ونكتفي بها ، أو كي نتتبَّعَ معانِيَهُ الدقيقة ونكتفي بذلك ، إنّ هذا القرآن الكريم منهج حياتنا ، وتعليمات خالقنا ، توجيهات سديدة حكيمة مِن ربّنا ، فإذا أخذنا به سَعِدنا في الدنيا والآخرة ، وقد قال الله عز وجل:
﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾
[ سورة الإسراء: 9 ]
 وقد ورد في بعض الأحاديث : " رُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلْعنُهُ " كيف يلْعنُهُ ؟ إذا خالف الأمر والنّهي ، وفي حديث آخر : "ما آمنَ بالقرآن من اسْتحلّ محارمه ، فالذي حرّم الله أن نفعله ينبغي ألا نفعله ، والذي أمرَ به ينبغي أن نأتمِرَ به وإلا انْفصَلَتْ حياتنا عن مبادئنا ، وأصبحَت مبادئنا كلامًا بِكَلام لا تعني شيئًا ، فلِذلك إن أردْتَ أن تُفَسِّر بعض مظاهر الضَّعْف والتَّخَلّف التي يُعاني منها المسلمون أنّ هناك مسافةً كبيرة بين واقعهم وبين معتقداتهم وبين النصوص التي يحفظونها وبين المسالك التي يسْلكونها ، هناك مسافة كبيرة ، فكلّما ضاقت هذه المسافة نجَحْنا وسَعِدنا في الدنيا والآخرة ، والأولى أن تنعدمَ هذه المسافة ، وأن يكون التطابقُ تامًّا بين حياتنا في بيوتنا ، ومع أهلينا ، ومع والِدَينا ، ومع أزواجنا ، وأولادنا ، وبين النصوص التي وردت عن الله عز وجل ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
الدعاء :
 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .
والحمد لله رب العالمين




" كيف يكون بر الوالدين ؟! "

أخي المسلم : مر معك بر الوالدين، وحقيقته؛ وهو باختصار: الإحسان إليهما بوجوه البر والصلة، وعدم التقصير في حقهما .

وإليك أخي بعض صور بر الوالدين، وكيف يكون برهما ؟

* طاعتهما فيما يأمران به :

طاعة الوالدين واجبة على الولد؛ إذا أمراه أن يسمع لقولهما، ما لم يأمراه بمعصية الله تعالى..

قال الله تعالى : {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}[لقمان: 15].

بل إن العلماء أفتوا : أن الوالد إذا منع ابنه من صوم التطوع، فله أن يطيع والده .

سئل الإمام أحمد رحمه الله : عن رجل يصوم التطوع، فسأله أبواه أو أحدهما؛ أن يفطر , قال : (يروى عن الحسن أنه قال : يفطر وله أجر البر، وأجر الصوم إذا أفطر) .

* خفض الصوت عندهما ومخاطبتهما بلين :

إن مما يؤسف له أن الكثيرين؛ إذا خاطب أحدهم أحد والديه؛ تجده يرفع صوته، ولا يراعي الأدب معهما ! وهذا لا شك من العقوق؛ الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الله تعالى : {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}[الإسراء: 23] .

قال سعيد بن المسيب رحمه الله : (قول العبد المتذلل للسيد الفظ) !

وهذا ابن عون رحمه الله : نادته أمه مرة، فأجابها بصوت عال، فأعتق رقبتين !

* توقيرهما والتذلل لهما :

وهذا من لوازم البر؛ فإن كثيرًا من الأبناء؛ تجده يتعالون على الوالدين؛ فإذا أمره أحدهما بشيء، فكأنما في ذلك إهانة له! وخاصة إذا كان الولد كبير المنصب .

ولكن هذا الجاهل، غاب عنه؛ أن بر الوالدين ليس فيه إهانة ولا مذلة؛ بل إن المذلة في عدم طاعتهما ! قال تعالى : {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}[الإسراء: 24].

قال عروة رحمه الله : هو أن لا يمنعهما من شيء أراداه .

وقال طاوس رحمه الله : (إن من السنة أن نوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد) .

وأبصر أبو هريرة رضى الله عنه رجلين، فقال لأحدهما: ما هذا منك ؟ فقال : أبي. فقال : لا تسمه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله .

* استئذانهما إذا نوى السفر الطويل؛ لطلب علم أو غيره :

من البر استئذان الوالدين عند السفر الطويل؛ الذي يغيب صاحبه مدة طويلة .

فإن رضا الوالدين من الأمور الضرورية في مثل هذه الحالة. ولك أن تعتبر أن إذن الوالدين واجب؛ حتى في حق الذي يريد الخروج إلى الجهاد .

عن طلحة بن معاوية السلمى رضى الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني أريد الجهاد في سبيل الله , قال : «أمك حية ؟» قلت : نعم , قال النبى صلى الله عليه وسلم : «الزم رجلها فثم الجنة !» [رواه الطبراني/ صحيح الترغيب للألباني: 2483] .

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان , فقال : «ارجع عليهما؛ فأضحكهما كما أبكيتهما» [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه/ صحيح أبي داود للألباني: 2528] .

* الإنفاق عليهما وسد حاجتهما :

وهذا من لوازم البر الأكيدة ؛ أن يطعم الابن والديه ويكسوهما، ويقوم على حاجتهما .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : أن رجلاً قال : يا رسول الله، إن لي مالاً وولدًا ، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي ، فقال : «أنت ومالك لأبيك !» [رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما] .

في رواية : «إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم» [إرواء الغليل للألباني: 838] .

* الدعاء لهما، سواء في حياتهما أو بعد موتهما :

إن من البر؛ أن يدعو الابن لوالديه بالرحمة؛ حتى وإن كانا أحياء وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الدعاء لكل من صنع إلينا معروفًا، فكيف بالوالدين؟! ومعروفهما فوق كل معروف .

وفي الدعاء لهما : أداء لبعض حقوقهما عليك، وليس ذلك بالصعب .

قال الله تعالى : {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}[الإسراء: 24] .

قال النبي صلى الله عليه وسلم  : «إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول : أني لي هذا ؟ فيقال : باستغفار ولدك لك» [رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما/ السلسلة الصحيحة: 1598] .

قال بعض التابعين : (من دعا لأبويه في كل يوم خمس مرات، فقد أدى حقهما، لأن الله تعالى قال : {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} فشكر الله تعالى أن يصلي في كل يوم خمس مرات، وكذلك شكر الوالدين؛ أن يدعو لهما في كل يوم خمس مرات) .

وقال بعض الصحابة رضى الله عنهم : (ترك الدعاء للوالدين؛ يضيق العيش على الولد) .


لحث على بر الوالدين والتحذير من العقوق

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَّه لا شريك له ولا مثيل ولا شبيه ولا ضدّ ولا ندّ له، وأشهد أنّ سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمّدًا عبدُهُ ورسوله وصفيّه وحبيبه مَن بعثَه اللهُ رحمة للعالمين هاديّا ومبشرًا ونذيرًا بلّغَ الرسالةَ وأدى الأمانة ونصحَ الأمّة وجاهد في الله حق جهاده فجزاهُ اللهُ عنا خيرَ ما جزَى نبيًّا مِن أنبيائه. اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إيراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد.

عباد الله أوصي نفسي وأوصيكم بتقوى الله العلي القدير، بالخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل.

إخوة الإيمان يقول ربنا تبارك وتعالى في القرءان الكريم * وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * ( سورة الإسراء ءاية 23 – 24 ) .

 * وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ *  أي أمر الله عباده أمرًا مقطوعًا به بأن لا يعبدوا إلا إياه، ** وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا* أي وأمر بالإحسان للوالدين والإحسان هو البر والإكرام وقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ” أيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ ” –  أي بعد الإيمان بالله ورسوله – قَالَ ” الصَّلاةُ لِوَقْتِهَا” قَالَ قُلْتُ ” ثُمّ أَيّ” قَالَ ” بِرُّ الوَالِدَيْنِ “. 

وروى مسلم عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه قال: { رَغِمَ أَنْف مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عَنْدَ الكِبَرِ أَحَدهمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخًل الجَنَّة } ” رَغِمَ أنْف ” قَالَ أَهل اللُّغة مَعنَاهُ ذَلَّ وَأَصْله لَصق أَنْفه بِالرِّغَام وَهُوَ تُرَاب مُخْتَلَط بِرَمْلٍ والمعنى أَنَّ بِرَّ الوالدينِ عِنْد كِبَرِهمَا وَضَعْفهمَا بِالخِدْمَةِ أَوْ النَّفَقَةِ أَو غَيرِ ذَلِكَ سَبَب لِدُخُولِ الجنَّة والفوز في الآخرة فَمَنْ قَصَّرَ فِي ذلِكَ فقد خسر خسارة كبيرة وقد قال صلى الله عليه وسلم { رضا اللهِ في رضا الوالدينِ وسَخَطُهُ في سَخَطِهِما } رواه الحاكم وغيره، فَبِرُّ الوالدين فوز كبير في الدنيا والآخرة وعقوقهما خسران مبين بل هو من أكبر الكبائر كما جاء في الحديث الذي رواه  البخاريُّ ومسلمٌ، وروى البيهقيُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: { ثلاثة لايدخلون الجنة } أي مع الأولين وعدَّ منهم ” العاق لوالديه“.

والعقوق أيها الأحبة ضابطه كما قال بعض العلماء ” هو مايتأذى به الوالدان أو أحدهما تأذيًا ليس بالهين في العرف ” أي في عرف الناس كالشتم ونحوه بل نصَّ بعضُهُم ” أنه يجب على الولد أن يطيع والديه في كل أمر يحصل لهما غمٌّ بسببِ تركه له أي مما ليس فيه معصية.

وأما ما لا يحصل لهما غمٌّ بسبب تركه فلا يجب عليه طاعتهما فيه، فلو طلب أحدُ الوالدين من ولده شيئًا مباحًا كترتيب المكان أو غسل الصحون أو تسخين الطعام أو عمل الشاي وما أشبه ذلك وكان يغتمُّ قلبُهُ إن لم يُطِعْهُ في ذلك حَرُمَ على الولد أن لا يفعل، أما إن كان لا يتأذى بامتناعه فمجرد ذلك ليس حرامًا لكن من البِّر طاعتُهُما في كلّ ما لا معصيةٌ فيه بل بِرُّ الوالدين مُقَدَّمٌ على كثيرٍ من النوافل.

وبابُ البر إخوة الإيمان واسعٌ يدخل فيه التواضع لهما والدعاء لهما قال تعالى * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * أي ألِنْ لهما جانبَكَ متواضعًا متذللا لهما من فرط رحمتك إياهما وعطفك عليهما وارفق بهما وادعُ لهما بأن يرحمهما الله كرحمتهما لك صغيرًا عندما كنت محتاجًا لهما.

ومن البر أيضًا أيها الاحبة ترك كل ما يزعجهما قال ابن عباس رضي الله عنهما ” لا تنفضْ ثوبَكَ فيصيبَهُما الغُبارُ “  وقال عروة ” لا تمتنع عن شىء أحباه ” ويدخل فيه أيضًا الإحسانُ إليهما بالمالِ والخدمةِ والزيارةِ بل حتى بزيارة من يحبون.

وحتى بعد موت الوالد فإن الشخص يُثاب بزيارة مَنْ كان الوالد يودهم، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: { إن من أَبَرّ الْبِرّ أَنْ يبرَّ الرَّجُلُ أهل وُدِّ أَبِيهِ بعد أن يولى } أي بعد أن يموت.

أيها الأحبة لقد بالغ الشرع في التوصية بالوالدين وأمر باستعمال جانب اللين واللطف عند مخاطبتهما ونهى عن إيذائهما بل لم يرخص في أدنى كلمة من كلمات التضجر كقول أفٍّ لهما فقال عَزَّ مِنْ قائلٍ:

 * فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * فإذا كان من العقوق أن يقول الولد لأحد والديه إذا طلب منه شيئًا أف تضجرًا منه فكيف بما زاد عن ذلك،  كيف بمن يشتم والديه أو يضربهما نعوذ بالله من ذلك.

ويلٌ للعاق ثم ويلٌ له فقد روى الحاكم في المستدرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { كل الذنوب يؤخر الله منها ماشاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه } يعني العقوبة في الدنيا.

فالحذر الحذر إخوة الإيمان من العقوق، واللهَ الله بِبِرّ الوالدين فإن في ذلك النجاحَ والفلاحَ في الدنيا والآخرة وبركة في الدنيا وفي الآخرة وسببا للرزق ولتيسير الأمور وسببا للفتوح ونيل الأجر والدرجات.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أبر الناس بوالدينا ومن أتقاهم ومن أحسنهم خلقا بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

                                                   أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

بر الوالدين

إن الوالدين هما مصدر الأمن والأمان في الحياة بالنسبة لكل إنسان - بل ولكل كائن حي - وخاصة في الفترات الأولى من حياته فمن الأم ينهل الحب والحنان والدفء والعاطفة الجياشة، ومن الأب ينهل العقل والحكمة وحسن تدبير الأمور وكل هذه المكونات تُصهر في بوتقة واحدة وبمقادير محددة حتى تشكل شخصية متوازنة تستطيع أن تواجه الحياة وما بها من منعطفات وما يعتريها من مَلمات.

إن أسعد لحظة في حياة الوالدين هي لحظة أن يرزقهما الله تعالى بمولود جديد حيث ينشرح الصدر وتسعد النفس وتُرسم الابتسامة ويُعاد ترتيب كل شيء في حياة الوالدين استعداداً لقدوم فلذة الكبد ومُهجة الفؤاد ولتهيئة مَحضناً يكون فيه أمنه وسلامته وتعهده وحسن رعايته دون تأفف أو ضجر أو ملل.

• ولم لا وقد حملته الأم وهناً على وهن وهي تعد الأيام والليالي لكي تكتحل عينها برؤية جنينها، ليس تخلصاً من وهنها ولكن شوقاً وتلهفاً وحباً له.
• ولم لا وهذا المولود هو الذي سيملأ أركان البيت أنساً وفرحاً وسعادة.
• ولم لا وقدوم هذا المولود سيجمع كل الأهل والأحباب من كل حدب وصوب فرحين ومُهنئين.
• ولم لا وهذا المولود سيكون حلقة تصل سلسلة الأجداد بالأحفاد.
• ولم لا وبهذا المولود سيحقق الوالدان ما لم يتمكنا من تحقيقه في نفسيهما.
• ولم لا وهذا المولود سيكون - بإذن الله - شاباً فتياً باراً ورجلاً يافعاً مِعطاءا يستظلان به ويتكئان عليه إذا أدركهما أرذل العمر.

أولاً: تعريف بر الوالدين:
• جاء في " المصباح المنير ": البرُّ: الخير والفضل...... وبَرِرْتُ والدي، أبرَّرُهُ، بِرًّا: أحسنت الطاعة إليه، ورفقت به، وتحرَّيتُ محابّه، وتوقَّيتُ مكارهه.

• وجاء في " النهاية في غريب الحديث " لابن الأثير رحمه الله: البِرُّ بالكسر الإحسان، ومنه الحديث في بر الوالدين: وهو في حقهما وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق: وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم.

• وجاء في " معجم لغة الفقهاء ": البر: اسم جامع للخير وأصله الطاعة.
• وقال الرَّاجز:
بُنَيَّ إنَّ البرَّ شيء هيِّن *** وجهٌ طليق وكلامٌ ليِّن

• وجاء في " التوقيف " للمناوي رحمه الله: البِرُّ بالكسر أي: التوسُّع في فعل الخير، والفعل المُرضِي، الذي هو في تزكية النَّفس... يقال: بَرَّ العبدُ ربَّه. أي: توسَّع في طاعته... وبِرُّ الوالد: التَّوسع في الإحسان إليه، وتحرِّي محابِّه، وتوقِّي مكارهِه، والرِّفقُ به، وضدُّه: العقوق. ويستعمل البِرُّ في الصِّدق؛ لكونه بعض الخير المتوسَّع فيه.

• وقال القاضي المهدي في كتاب " صيد الأفكار": والبِرُّ: هو الصِلة، وإسداء المعروف، والمبالغة في الإحسان.

• وسئل الحسن البصري رضي الله عنه عن بر الوالدين فقال: أن تبذل لهما ما ملكت، وأن تطيعهما فيما أمراك به إلا أن يكون معصية "

• قال الماورديُّ - رحمه الله - في كتاب " أدب الدنيا والدين ": والبِرُّ نوعان: صِلَة، ومعروف.
فأما الصلَة: فهي التَّبرع ببذل المال في الجهات المحدودة لغير عوض مطلوب، وهذا يبعث عليه سماحة النَّفس وسخاؤها، ويمنع منه شحُّها وإباؤها. قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الحشر 9).

وأما النَّوع الثَّاني من البِرِّ فهو: المعروف، ويتنوع أيضا نوعين: قولًا وعملًا.
فأما القول: فهو طيب الكلام، وحسن البِشْر، والتودُّد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق، ورِقَّة الطبع، ويجب أن يكون محدودًا كالسَّخاء؛ فإنَّه إن أسرف فيه كان مَلَقًا مذمومًا، وإن توسط واقتصد فيه كان معروفًا، وبِرًّا محمودًا.

وأمَّا العمل: فهو بذل الجاه والمساعدة بالنَّفس، والمعونة في النَّائبة، وهذا يبعث عليه حبُّ الخير للنَّاس، وإيثار الصَّلاح لهم. وليس في هذه الأمور سَرَفٌ، ولا لغايتها حَدٌّ، بخلاف النَّوع الأوَّل؛ لأنَّها وإن كثرت فهي أفعال خير تعود بنفعين: نفع على فاعلها في اكتساب الأجر، وجميل الذِّكر، ونفع على المعان بها في التخفيف عنه، والمساعدة له.

ثانياً: حُكم بر الوالدين:
من المعروف أن عِظم الوصية تكون من عظمة الموصي وإن من أوائل الأشياء التي وصى الله تعالى بها عباده هو بر الوالدين والإحسان إليهما وذلك في آيات عديدة منها قوله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾ [الإسراء 23 - 24].

• وكذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالوالدين خيراً وجعل عقوقهما من الكبائر فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكبائرُ: الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالديْنِ، وقتلُ النفسِ، واليمينُ الغَموسُ " (رواه البخاري).

• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! من أحقُّ بحسنِ الصُّحبةِ؟ قال " أمُّكَ. ثم أمُّك. ثم أمُّك. ثم أبوك. ثم أدناك أدنَاك " (رواه مسلم).

• جاء في شرح مسلم للإمام النووي رحمه الله: قال القاضي: وأجمعوا على أن الأم والأب آكد حرمة في البر ممن سواهما. قال: وتردد بعضهم بين الأجداد والإخوة لقوله صلى الله عليه وسلم: ثم أدناك أدناك قال أصحابنا: يستحب أن تقدم في البر الأم، ثم الأب، ثم الأولاد، ثم الأجداد والجدات، ثم الإخوة والأخوات، ثم سائر المحارم من ذوي الأرحام كالأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ويقدم الأقرب فالأقرب، ويقدم من أدلى بأبوين على من أدلى بأحدهما، ثم بذي الرحم غير المحرم كابن العم وبنته، وأولاد الأخوال والخالات وغيرهم، ثم بالمصاهرة، ثم بالمولى من أعلى وأسفل، ثم الجار، ويقدم القريب البعيد الدار على الجار، وكذا لو كان القريب في بلد آخر قدم على الجار الأجنبي، وألحقوا الزوج والزوجة بالمحارم".

• وفيه أيضاً: اتفق أهل العلم على أن بر الوالدين فرض، وعلى أن عقوقهما من الكبائر، وذلك بالإجماع.

• وقال طاووس رحمه الله: من السنة أن يُوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد، ومن الجفاء أن يدعوا الرجل والده باسمه.

ثالثاً: الآيات التي وردت في القرآن الكريم للوصية ببر الوالدين والنهي عن عقوقهما:
إن القرآن الكريم به الكثير والكثير من الوصايا للمسلمين في شتى شئون حياتهم، ولكن الوصية التي انفردت بطابع خاص هي وصية الله تعالى بالوالدين حيث أننا في معظم الآيات نجد أن الله تعالى يحذر من الشرك ثم يوصي بالوالدين أو يأمر بشكره سبحانه ثم شكر الوالدين. ولقد تأصل هذا المفهوم لدى أنبياء الله تعالى فضربوا أروع الأمثلة في البر بالوالدين والخوف عليهما والدعاء لهما.

1- قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ ﴾ (البقرة 83).

2- قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ (النساء 36).

3- قال تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (الأنعام 151).

4- قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾  (الإسراء 23 - 24).

5- قال تعالى: "﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ﴾ (مريم 30 - 33).

6- قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾ (مريم 41 - 45).

7- قال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (العنكبوت 8).

8- قال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (لقمان 14 – 15).

9- قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ (الصافات 102).

10- قال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الأحقاف 15).

11- قال تعالى: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً ﴾  (نوح: 28).
• وبهذه الآيات أقيمت الحُجَّة، وسُدَّت كل الذرائع، وأوصِدَت كل الأبواب أمام كل عاق لوالديه وفُتِحت كل الأبواب وأتيحت كل الفرص للسباق في هذا المضمار الذي ينال الفائز فيه كل خير وكل رضا في الدارين.

رابعاً: الأحاديث النبوية التي وردت في فضل بر الوالدين والتحذير من عقوقهما: إن المتتبع للأحاديث النبوية التي جاءت في شأن الوصية بالوالدين يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك شاردة ولا واردة من أبواب البر - مادية كانت أو معنوية - إلا وأمر بها، وما ترك شاردة ولا واردة من أبواب العقوق -مادية كانت أو معنوية - إلا ونهى عنها.

1- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رِضى اللَّهِ في رِضى الوالِدَينِ، وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالدينِ " (رواه بن حبان).

2- عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ رجلًا سأَل النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: " الصلاةُ لوقتِها، وبِرُّ الوالدَينِ، ثم الجهادُ في سبيلِ اللهِ " (رواه البخاري).

3- عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: " سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني " (رواه البخاري).

4- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٌ لا شَكَّ فيهِنَّ؛ دَعوةُ المظلومِ، ودعوةُ المسافرِ، ودعوةُ الوالدِ على ولدِهِ " (رواه الترمذي).
قال الإمام القرطبي رحمه الله: " وكذلك دعوة الوالد على ولده، لا تصدر منه مع ما يعلم من حنته عليه وشفقته، إلا عند تكامل عجزه عنه، وصدق ضرورته؛ وإياسه عن بر ولده، مع وجود أذيته، فيسرع الحق إلى إجابته ".

5- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثُ دعَواتٍ مُستَجاباتٍ لا شكَّ فيهِنَّ: دعوةُ الوالدِ، ودعوةُ المَظلومِ، ودعوةُ المُسافرِ " (حسنه الألباني).

6- عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: قلت: يا نبي الله، أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟! قال: " الصلاة على مواقيتها " قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال: " بر الوالدين " قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال: " الجهاد في سبيل الله " (رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم).

7- عن أبي عبدالرحمن السلمي رضي الله عنه أنَّ رجلًا أمرَه أبوهُ أو أمُّهُ شَكَّ شعبةُ أن يطلِّقَ امرأتَه فجعلَ عليهِ مائةَ محرَّرٍ فأتى أبا الدَّرداءِ فإذا هوَ يصلِّي الضُّحى ويطيلُها وصلَّى ما بينَ الظُّهرِ والعصرِ فسألَه فقالَ أبو الدَّرداءِ أوفِ بنذرِك وبِرَّ والديكَ وقالَ أبو الدَّرداءِ سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ الوالدُ أوسَطُ أبوابِ الجنَّةِ فحافِظ علَى والديكَ أوِ اترُكْ " (صححه الألباني).

8- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: " جاءَ رجلٌ إلى نبيِّ اللهِ فاستأذَنَهُ في الجهادِ فقالَ: أحيٌّ والداكَ؟ قال: نعَم قال: ففيهِما فجاهِدْ وقال: أقبلَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ فقالَ: أبايِعُكَ على الهجرَةِ و الجهادِ أبتَغي الأجرَ منَ اللهِ قال: فَهلْ مِن والدَيكَ أحدٌ حيٌّ؟ قالَ: نعَم بل كِلاهُما حىٌّ قال: أفتَبتَغي الأجرَ منَ اللهِ؟ قالَ: نعَم قال: فارجِعْ إلى والدَيكَ فأحسِنْ صُحبَتَهُما " (صححه الألباني).

• قال ابن بطال رحمه الله: " وهذا إنما يكون في وقت قوة الإسلام وغلبه أهله للعدو، وإذا كان الجهاد من فروض الكفاية، فأما إذا قوى أهل الشرك وضعف المسلمون، فالجهاد متعين على كل نفس، ولا يجوز التخلف عنه وإن منع منه الأبوان.

• وقال ابن المنذر رحمه الله: في هذا الحديث أن النهى عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع ".

• وقال النووي رحمه الله: " هذا كله دليل لعظم فضيلة برهما، وأنه آكد من الجهاد، وفيه حجة لما قاله العلماء أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين، أو بإذن المسلم منهما. فلو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي ومن وافقه، وشرطه الثوري. هذا كله إذا لم يحضر الصف ويتعين القتال، وإلا فحينئذ يجوز بغير إذن. وأجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين، وأن عقوقهما حرام من الكبائر ".

9- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: إني جئتُ أبايعك على الهجرةِ، ولقد تركت أبويَّ يبكيانِ! قال: " ارجعْ إليهما فأضحكْهما كما أبكيتَهما " (رواه النسائي)

10- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يجزي ولدٌ والدَهُ إلا أنْ يجدُه مملوكًا فيَشترِيه فيُعتقُه " (رواه أحمد).

11- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ أَكْبرَ الكبائرِ عقوقُ الوالدين، قالَ: قيلَ: وما عُقوقُ الوالِدَينِ؟ قالَ: يَسبُّ الرَّجلُ الرَّجلَ فيسبُّ أباهُ ويسبُّ أُمَّهُ فيسبُّ أُمَّهُ " (رواه أحمد).

12- عن نفيع بن الحارث الثقفي أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبرُكُم بأَكْبرِ الكبائرِ. قالوا: بلَى يا رسولَ اللَّهِ، قالَ الإشراكُ باللَّهِ، وعقوقُ الوالدَينِ، حدَّثَنا مسدَّدٌ، حدَّثَنا بشرٌ، مثلَهُ، وَكانَ متَّكئًا فجلسَ، فقالَ: ألا وقولُ الزُّورِ، فما زالَ يُكَرِّرُها حتَّى قُلنا: ليتَهُ سَكَتَ " (رواه البخاري).

13- عن نفيع بن الحارث الثقفي أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أنبِّئُكم بأَكبَرِ الكبائرِ. قُلنا: بلَى يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: الإشراكُ باللَّهِ، وعقوقُ الوالدينِ - وَكانَ متَّكِئًا فجلسَ فقالَ - ألا وقولُ الزُّورِ وشَهادةُ الزُّورِ، ألا وقولُ الزُّورِ وشَهادَةُ الزُّورِ. فما زالَ يقولُها، حتَّى قلتُ: لا يسكتُ " (رواه البخاري).

14- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ، ما الكبائرُ؟ قال: (الإشراكُ باللهِ). قال: ثم ماذا؟ قال: (ثم عقوقُ الوالدَينِ). قال: ثم ماذا؟ قال: (اليمينُ الغموسُ). قلتُ: وما اليمينُ الغموسُ؟ قال: (الذي يقتطعُ مالَ امرئٍ مسلمٍ، هو فيها كاذبٌ) (رواه البخاري).

15- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكبائرُ: الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالديْنِ، وقتلُ النفسِ، واليمينُ الغَموسُ " (رواه البخاري).

16- عن نفيع بن الحارث الثقفي أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كلُّ ذنوبٍ يؤخِرُ اللهُ منها ما شاءَ إلى يومِ القيامةِ إلَّا البَغيَ وعقوقَ الوالدَينِ، أو قطيعةَ الرَّحمِ، يُعجِلُ لصاحبِها في الدُّنيا قبلَ المَوتِ " (صححه الألباني).

17- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رغمَ أنفُ، ثم رغم أنفُ، ثم رغم أنفُ قيل: من؟ يا رسولَ اللهِ! قال: من أدرك أبويه عند الكبرِ، أحدَّهما أو كليهما فلم يَدْخلِ الجنةَ " (رواه مسلم).

18- عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ اللَّهَ حرَّمَ عليكم عقوقَ الأمَّهاتِ، ومنعًا وَهاتِ، ووأدَ البناتِ وَكرِه لَكم: قيلَ وقالَ، وَكثرةَ السُّؤالِ، وإضاعةَ المالِ " (رواه البخاري).

19- عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه " (رواه أحمد).

20- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثةٌ لا ينظرُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ إليهم يومَ القيامةِ؛ العاقُّ لوالِدَيهِ، والمرأةُ المترجِّلةُ، والدَّيُّوثُ، وثلاثةٌ لا يدخُلونَ الجنَّةَ: العاقُّ لوالِدَيهِ، والمدمِنُ على الخمرِ، والمنَّانُ بما أعطى " (قال الألباني: حسن صحيح).

21- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لعن اللهُ من غيَّرَ تُخُومَ الأرضِ لعن اللهُ من تولَّى غيرَ مواليهِ لعن اللهُ من كَمَهَ أعمى عن الطريقِ لعن اللهُ من ذبح لغيرِ اللهِ لعن اللهُ من وقع على بهيمةٍ لعن اللهُ من عقَّ والديهِ لعن اللهُ من عمل عمل قومِ لوطٍ قالها ثلاثًا " (رواه أحمد).

22- عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنه قال: كان جُريجٌ يتعبَّدُ في صومعةٍ. فجاءت أمُّه. قال حميد: فوصف لنا أبو رافعٍ صفةَ أبي هريرةِ لصفةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَّه حين دعَتْه. كيف جعلتْ كفَّها فوقَ حاجبِها. ثم رفعت رأسَها إليه تدعوه. فقالت: ياجريجُ! أنا أمُّك. كلِّمْني. فصادفَتْه يصلي. فقال: اللهمَّ! أمي وصلاتي. فاختار صلاتَه. فرجعتْ ثم عادتْ في الثانيةِ. فقالت: ياجريجُ! أنا أمُّك. فكلِّمْني. قال: اللهمَّ! أمي وصلاتي. فاختار صلاتَه. فقالت: اللهمَّ! إنَّ هذا جريجٌ. وهو ابني. وإني كلمتُه فأبى أن يكلِّمَني. اللهمَّ! فلا تُمِتْه حتى تُرِيَه المومساتِ. قال: ولو دعت عليه أن يُفتَنَ لفُتِنَ. قال: وكان راعي ضأنٍ يأوي إلى دِيرِه. قال فخرجتِ امرأةٌ من القريةِ فوقع عليها الراعي. فحملت فولدت غلامًا. فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحبِ هذا الدِّيرِ. قال فجاءوا بفؤسِهم ومساحيهم. فنادوه فصادفوه يصلِّي. فلم يكلِّمْهم. قال فأخذوا يهدِمون دِيرَه. فلما رأى ذلك نزل إليهم. فقالوا له: سَلْ هذه. قال فتبسَّمَ ثم مسح رأسَ الصبيِّ فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأنِ. فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني ما هدَمْنا من دِيرِك بالذهبِ والفضةِ. قال: لا. ولكن أَعِيدوه ترابًا كما كان. ثم علاه " (رواه مسلم).

23- عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: " أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسع: لا تُشرِك بالله شيئًا وإن قُطِّعتَ أو حُرِّقتَ. ولا تتركُنَّ الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومن تركها متعمِّدًا برئت منه الذمة. ولا تشربنَّ الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر. وأَطِعْ والديك وإن أمراك أن تَخرجَ من دنياك فاخرُجْ لهما. ولا تنازعنَّ ولاةَ الأمر وإن رأيت أنك أنت. ولا تَفرُرْ من الزحف وإن هلكتَ وفرَّ أصحابك. وأَنفِقْ من طولك على أهلك، ولا تَرفَعْ عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله عز وجل " (رواه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني).

24- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، من أحقُّ الناسِ بحُسنِ صَحابتي؟ قال: أُمُّك. قال: ثم من؟ قال: ثم أُمُّك. قال: ثم من؟ قال: ثم أُمُّك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك " (رواه البخاري).

25- عن معاوية بن جاهمة السلمي رضي الله عنه أنَّ جاهِمةَ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أردتُ أن أغزوَ وقد جئتُ أستشيرُكَ؟ فقالَ: هل لَكَ مِن أمٍّ؟ قالَ: نعَم، قالَ: فالزَمها فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها " (رواه النسائي).

26- عن أبي أسيد رضي الله عنه قال: " أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجلٌ مِن بني سلِمةَ وأنا عندَه فقال: يا رسولَ اللهِ إنَّ أبويَّ قد هلَكا فهل بقي لي بعدَ موتِهما مِن بِرِّهما شيءٌ؟ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (نَعم، الصَّلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهودِهما مِن بعدِهما، وإكرامُ صديقِهما وصِلةُ رحمِهما الَّتي لا رحِمَ لك إلَّا مِن قِبَلِهما) قال الرَّجلُ: ما أكثَرَ هذا يا رسولَ اللهِ وأطيَبَه! قال: (فاعمَلْ به) (رواه بن حبان).

27- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أنَّ رجلًا أَتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: " إنَّ أبي ماتَ ولم يحُجَّ أفأَحُجُّ عنهُ؟ " قال: " أرأيتَ لو كان على أبيكَ دَيْنٌ أكنتَ قاضيهِ؟ " قال: " نعم " قال: " حُجَّ عن أبيكَ " (صححه الألباني).

28- عبدالله بن عمر رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتَى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أصَبتُ ذنبًا عظيمًا فَهَل لي مِن تَوبةٍ؟ قالَ: " هل لَكَ مِن أمٍّ؟ " قالَ: لا، قالَ: " هل لَكَ من خالةٍ؟ " قالَ: نعَم، قالَ: " فبِرَّها " (رواه الترمذي).

29- عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: " قَدِمَتْ عليَّ أمي وهي مشركةٌ، في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فاستفتيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، قلتُ: إنَّ أمي قَدِمَتْ وهي راغبةٌ، أَفَأَصِلُ أمي؟ قال: " نعم، صِلِي أمَّكِ " (رواه البخاري).

30- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا خرج إلى مكةَ كان له حمارٌ يتروَّحُ عليه، إذا ملَّ ركوبَ الراحلةِ. وعمامةً يشدُّ بها رأسَه. فبينا هو يومًا على ذلك الحمارِ. إذ مرَّ به أعرابيٌّ. فقال: ألستَ ابنَ فلانِ بنِ فلانٍ؟ قال: بلى. فأعطاه الحمارَ وقال: اركب هذا. والعمامةَ، قال: اشدُدْ بها رأسَك. فقال له بعضُ أصحابِه: غفر اللهُ لك! أعطيتَ هذا الأعرابيَّ حمارًا كنت تروحُ عليه، وعمامةً كنت تشدُّ بها رأسَك! فقال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " إنَّ مِن أَبَرِّ البِرِّ صلةُ الرجلِ أهلَ وُدِّ أبيه، بعد أن يُولِّيَ " وإنَّ أباه كان صديقًا لعمرَ (رواه مسلم).

31- عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتاه فقال إنَّ لي امرأةً وإنَّ أمي تأمرني بطلاقِها فقال سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول: الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنةِ فإن شئتَ فأَضِعْ ذلك البابَ أوِ احفَظْه (صححه الألباني).

32- عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَن سَرَّه أن يُمَدَّ لهُ في عُمرِه، ويُزادَ في رِزقِه؛ فَلْيبرَّ وَالدَيهِ، ولْيصِلْ رَحِمَه " (قال الألباني: حسن لغيره).

33- عن مالك بن عمرو القشيري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أعتق رقبةً مسلمةً؛ فهي فداؤه من النَّارِ، ومن أدرك أحدَ والدَيه ثم لم يُغفَرْ له؛ فأبعدَه اللهُ " (قال الألباني: صحيح لغيره).

34- عن أبي بُردة رضي الله عنه قال: " قدمت المدينة، فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لِمَ أتيتك؟ قال: قلت: لا، قال: سمعت رسول الله يقول: " من أحب أن يصل أباه في قبره، فليصل إخوان أبيه بعده " وإنه كان بين أبي -عمر- وبين أبيك إخاءٌ وودٌّ، فأحببت أن أصل ذلك "(رواه ابن حِبَّان وحسَّنه الألباني)

35- عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " احضروا المنبر فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال آمين، فلما نزل قلنا يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه قال: إن جبريل عرض لي فقال بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له قلت آمين، فلما رقيت الثانية قال بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين، فلما رقيت الثالثة قال بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت آمين " (رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد - " صحيح لغيره ").

36- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رقي المنبرَ فقال: " آمين، آمين، آمين، فقيل له: يا رسولَ اللهِ ما كنتَ تصنعُ هذا فقال: قال لي جبريلُ: رغِم أنفُ عبدٍ دخل عليه رمضانُ لم يُغفَرْ له، فقلتُ: آمين، ثمَّ قال: رغِم أنفُ عبدٍ أدرك أبوَيْه أو أحدَهما لم يُدخِلاه الجنَّةَ، فقلتُ: آمين، ثمَّ قال: رغِم أنفُ عبدٍ ذُكِرتُ عنده فلم يُصلِّ عليك، فقلتُ: آمين " (حسنه الألباني).

37- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ. أو علمٍ ينتفعُ به. أو ولدٍ صالحٍ يدعو له " (رواه مسلم).

38- عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خيرُ ما يخلِّفُ الرَّجُلُ من بعدِه ثلاثٌ ولدٌ صالِحٌ يدعو لَه وصَدَقةٌ تجري يبلغُهُ أجرُها وعِلمٌ يُعمَلُ بِه من بعدِهِ " (رواه بن ماجه).

39- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: " إنَّ أبي مات وترك مالًا ولم يُوصِ. فهل يُكِفِّرُ عنه أن أَتصدَّق عنه؟ قال: " نعم " (رواه مسلم).

40- عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ! إنَّ أمي افتُلِتَتْ نفسُها. ولم تُوصِ. وأظنها لو تكلمتْ تصدقتْ. أفلها أجرٌ إن تصدقتُ عنها؟ قال: " نعم ". (رواه مسلم).

41- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أنَّ سعدَ بنَ عبادةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أخا بني ساعدةَ، تُوفيتْ أمُّهُ وهو غائبٌ عنها، فأتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ إنَّ أمي تُوفيتْ وأنا غائبٌ عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدَّقتُ بهِ عنها؟ قال: (نعم). قال: فإني أُشهدكَ أنَّ حائطي بِالْمِخْرَافِ صدقةٌ عليها " (رواه البخاري).
• الحائط: الجدار، لأنه يحوط ما فيه.
• المخراف: هو الحائط من النخل أو البستان المثمر، والمخراف: المثمرة.
• قال النووي رحمه الله: " أجمع المسلمون على أن الصدقة عن الميت تنفعه وتصله، وقال أيضاً: الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها بإجماع العلماء، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع ".

42- عن المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ اللَّهَ يوصيكم بأمَّهاتِكم ثلاثًا إنَّ اللَّهَ يوصيكم بآبائِكم إنَّ اللَّهَ يوصيكم بالأقربِ فالأقرب " (رواه بن ماجه).

43- عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذاك البر كذاك البر، وكان أبر الناس بأمه " (رواه أحمد).

44- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: " كانت تحتى امرأةٌ وكنت أحبُّها، وكان عمرُ يكرهها! فقال لي: طلِّقها، فأبيتُ، فأتى عمرُ النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فذكر له ذلك! فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: طلِّقها " (رواه أبو داود).

• قال السفاريني رحمه الله: " وسأل رجل الإمام - أحمد بن حنبل - رضي الله عنه فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق امرأتي، قال لا تطلقها. قال أليس عمر أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته؟ قال حتى يكون أبوك مثل عمر رضي الله عنه ".

• وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته، قال لا يحل له أن يطلقها، بل عليه أن يبرها، وليس تطليق امرأته من برها ".

45- عن أسير بن جابر رضي الله عنه قال: " كان عمرُ بنُ الخطابِ، إذا أتى عليه أمدادُ أهلِ اليمنِ، سألهم: أفيكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ؟ حتى أتى على أٌوَيسٍ. فقال: أنت أُوَيسُ بنُ عامرٍ؟ قال: نعم. قال: من مرادٍ ثم من قَرَنٍ؟ قال: نعم. قال: فكان بك برصٌ فبرأت منه إلا موضعَ درهمٍ؟ قال: نعم. قال: لك والدةٌ؟ قال: نعم. قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ من مرادٍ، ثم من قرَنٍ. كان به برَصٌ فبرأ منه إلا موضعُ درهمٍ. له والدةٌ هو بها بَرٌّ. لو أقسم على اللهِ لأَبَرَّه. فإن استطعتَ أن يستغفرَ لك فافعلْ ". فاستغفِرْ لي. فاستغفَر له. فقال له عمرُ: أين تريد؟ قال: الكوفةُ. قال: ألا أكتب لك إلى عاملِها؟ قال: أكون في غَبراءِ الناسِ أحَبُّ إليَّ. قال: فلما كان من العامِ المُقبلِ حجَّ رجلٌ من أشرافِهم. فوافق عمرُ. فسأله عن أُوَيسٍ. قال: تركتُه رَثَّ البيتِ قليلَ المتاعِ. قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ من مرادٍ ثم من قَرَنٍ. كان به برَصٌ فبرأ منه. إلا موضعُ درهمٍ. له والدةٌ هو بها بَرٌّ. لو أقسم على اللهِ لأبَرَّه. فإن استطعتَ أن يستغفِر لك فافعلْ " فأتى أُويسًا فقال: استغفِرْ لي. قال: أنتَ أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ. فاستغفِرْ لي. قال: استغفِرْ لي. قال: أنت أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ. فاستغفِرْ لي. قال: لقيتَ عمرَ؟ قال: نعم. فاستغفِرْ له. ففطِن له الناسُ. فانطلق على وجهِه. قال أسير: وكسوتُه بُردةً. فكان كلما رآه إنسانٌ قال: من أين لأُويسٍ هذه البُردةُ؟ " (رواه مسلم).

46- عن أبي مرة مولى أم هانئ رضي الله عنهما أنه ركب مع أبي هريرةَ إلى أرضه بالعقيقِ فإذا دخل أرضَه صاح بأعلى صوتِه عليك السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه يا أمَّتاه تقول وعليك السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه يقول رحمكِ اللهُ كما ربَّيتِني صغيرًا فتقول يا بني وأنت فجزاك اللهُ خيرًا ورضيَ عنك كما بررْتَني كبيرًا " (حسنه الألباني).

47- عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه شهد ابن عمر ورجل يماني يطوف البيت حمل أمه وراء ظهره يقول إني لها بعيرها المذلل إن ذعرت ركابها لم أذعر ثم قال يا ابن عمر أتراني جزيتها قال لا ولا بزفرة واحدة ثم طاف ابن عمر فأتى المقام فصلى ركعتين ثم قال يا ابن أبي موسى إتن كل ركعتين تكفران ما أمامهما " (صححه الألباني).

48- عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخالة بمنزلة الأم " (صححه الألباني )

49- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بينما ثلاثةُ نفرٍ يتمشون أخذهم المطرُ. فأووا إلى غارٍ في جبلٍ. فانحطت على فمِ غارِهم صخرةٌ من الجبلِ. فانطبقت عليهم. فقال بعضُهم لبعضٍ: انظروا أعمالًا عملتموها صالحةً للهِ، فادعوا اللهَ تعالى بها، لعل اللهَ يفرجُها عنكم. فقال أحدُهم: اللهمّ! إنه كان لي والدان شيخان كبيران. وامرأتي. ولي صِبيةٌ صِغارٌ أرعى عليهم. فإذا أرحتُ عليهم، حلبتُ فبدأتُ بوالدي فسقيتُهما قبل بَنيّ. وأنه نأى بي ذاتَ يومٍ الشجرُ. فلم آتِ حتى أمسيتُ فوجدتُهما قد ناما. فحلبتُ كما كنت أحلبُ. فجئتُ بالحلابِ. فقمت عند رؤوسِهما. أكرهُ أن أوقظَهما من نومِهما. وأكرهُ أن أسقيَ الصبيةَ قبلهما. والصبيةُ يتضاغون عند قدمي. فلم يزلْ ذلك دأبي ودأبُهم حتى طلع الفجرُ. فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك، فافرجْ لنا منه فرجةً، نرى منها السماءَ. ففرج اللهُ منه فرجةً. فرأوا منها السماءَ. وقال الآخرُ: اللهمّ! إنه كان لي ابنةُ عمٍّ أحببتُها كأشدِّ ما يحبُّ الرجالُ من النساءِ. وطلبتُ إليها نفسَها. فأبتْ حتى آتيها بمائةِ دينارٍ. فتعبتُ حتى جمعتُ مائةَ دينارٍ. فجئتُها بها. فلما وقعتُ بين رجليها. قالت يا عبدَالله! اتقِ اللهَ. ولا تفتحِ الخاتمَ إلا بحقِّه. فقمتُ عنها. فإن كنتَ تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهِك، فافرجْ لنا منها فرجةً. ففرج لهم. وقال الآخرُ: اللهم! إني كنت استأجرتُ أجيرًا بفرَقِ أرزٍ. فلما قضى عملَه قال: أعطني حقي. فعرضتُ عليه فرقَه فرغب عنه. فلم أزلْ أزرعُه حتى جمعتُ منه بقرًا ورعائها. فجاءني فقال: اتقِ اللهَ ولا تظلمني حقي. فقلت: اذهب إلى تلك البقرِ ورعائِها. فخذْها. فقال: اتقِ اللهَ ولا تستهزئْ بي فقلتُ: إني لا أستهزئُ بك. خذ ذلك البقرَ ورعائها. فأخذه فذهب به. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهِك، فافرجْ لنا ما بقي. ففرج اللهُ ما بقي. وفي روايةٍ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ انطلقَ ثلاثةُ رهطٍ ممن كان قبلكم. حتى آواهم المبيتُ إلى غارٍ. واقتص الحديثَ بمعنى حديثِ نافعٍ عن ابنِ عمرَ. غيرَ أنه قال: قال رجلٌ منهم: اللهمّ! كان لي أبوان شيخان كبيران. فكنت لا أغبقُ قبلهما أهلًا ولا مالًا. وقال: فامتنعت مني حتى ألمتْ بها سنةٌ من السنين. فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائةَ دينارٍ. وقال: فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموالُ. فارتعجت. وقال: فخرجوا من الغارِ يمشون " (رواه مسلم).
• أرحتُ عليهم: رددت الماشية من المرعى إليهم وإلى موضع مبيتها.
• يتضاغون: يصيحون ويستغيثون من الجوع.
• لا أغبق قبلهما: أي ما كنت أقدم عليهما أحدا في شرب نصيبهما عشاء من اللبن. الغبوق: شرب العشاء.

50- عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أت النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تَدعوا علَى أنفسِكُم ولا تَدعوا علَى أولادِكُم ولا تَدعوا علَى خدَمِكم ولا تَدعوا علَى أموالِكُم لا تُوافقوا منَ اللَّهِ تبارَك وتعالى ساعةَ نَيلٍ فيها عَطاءٌ فيَستجيبَ لَكُم " (رواه أبو داود وصححه الألباني).

51- عن عروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنه أنَّ أبا هريرةَ أَبْصَرَ رَجُلَيْنِ فقال لأَحَدِهما ما هذا مِنْكَ فقال أبي فقال: " لا تُسَمِّهِ بِاسْمِهِ ولا تَمْشِ أَمامَهُ ولا تَجْلِسْ قبلَهُ " (صححه الألباني).

52- عبدالرحمن بن عطية المزني والد عمر رضي الله عنه قال: " سُئل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أصحابِ الأعرافِ فقال: هم ناسٌ قُتلوا في سبيلِ اللهِ بمعصيةِ آبائِهم، فمنعهم من دخولِ الجنَّةِ معصيةُ آبائِهم ومنعهم من النَّارِ قِتالهُم في سبيلِ اللهِ " (صححه أحمد شاكر في عمدة التفسير).

53- عن جد عمرو بن شعيب رضي الله عنه أنَّ أعرابِيًّا أتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إنَّ لي مالًا ووَلَدًا، وإنَّ والِدي يُريدُ أنْ يَجتاحَ مالي، قال: " أنتَ ومالُكَ لِوالِدِكَ، إنَّ أولادَكم مِن أطيَبِ كَسْبِكم فكُلوا مِن كَسْبِ أولادِكم " (رواه أحمد).

إن هذه الأحاديث النبوية المطهرة قد وضعت منظومة متكاملة في بر الوالدين بكل أنواع البر وحذرت من مَغبة عقوقهما بأي من أنواع العقوق ومن هنا تستقيم العلاقات وترقى المجتمعات وتصان الحقوق والواجبات.

خامساً: مواقف من حياة الصحابة والتابعين في بر الوالدين:
1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبرَّ من كانا في هذه الأُمَّة بأُمِّهما: عثمان بن عفان، وحارثة بن النُّعمان رضي الله عنهما. فأمَّا عثمان فإنه قال: ما قدرت أن أتأمل أُمِّي منذ أسلمت. وأمَّا حارثة فإنه كان يُفلِّي رأس أُمَّه، ويطعمها بيده، ولم يستفهمها كلامًا قطُّ تأمر به، حتى يسأل من عندها بعد أن يخرج: ماذا أرادت أُمِّي؟!

2- كان أبو هريرة رضي الله عنه يحمل أُمَّه إلى المرفق " الكنيف " ويُنزلها عنه، وكانت مكفوفة.

3- قال أنس بن النضر الأشجعي رضي الله عنه: استقت أم ابن مسعود رضي الله عنه ماءً في بعض الليالي، فذهب ابن مسعود فجاءها بشُربة ماءٍ، فوجدها قد ذهب بها النوم، فكره أن يوقظها، فلم يزل واقفًاً عند رأسها ومعه الماء حتى أصبح.

4- عن محمد بن سيرين: بلغت النخلة في عهد عثمان بن عفان ألف درهم، فعمد أسامة إلى نخلة فعقرها فأخرج جمارها فأطعمه أمه، فقالوا له: " ما يحملك على هذا، وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال: إن أمي سألتنيه ولا تسألني شيئاً أقدر عليه إلا أعطيتها ".

5- كان الحسن بن علي يخاف أن يأكل مع أُمِّه، وكان أبرُّ الناس بها، فقيل له في ذلك فقال: أخاف أن آكل معها، فتسبق عينها إلى شيء من الطعام وأنا لا أدري فآكله، فأكون قد عققتها!! وفي رواية: أخاف أن تسبق يدي يدها.

6- عن أبي بُردة أنه شهد ابن عمر رضي الله عنهما ورجل يماني يطوف بالبيت قد حمل أُمَّه على ظهره وهو يقول:
إني لها بعيرها المذلَّلُ
إذا الرِّكابُ نفرت لا أنفرُ
ما حَمَلَتْ وأرضَعَتْني أكثر
ربِّي ذو الجلال أكبرُ
ثم التفت إلى ابن عمر وقال: أتراني قضيت حقَّها؟ فقال ابن عمر: لا، ولا بطلقة واحدةٍ من طلقاتها، ولكنَّك أحسنت والله يُثيبُك على القليل كثيرًا.

7- قال المأمون: لم أرَ أبرَّ من الفضل بن يحيي بأبيه، بلغ من برِّه بأبيه أن يحيي كان لا يتوضأ إلا بالماء الحارِّ، وكانا في السجن معًا، فمنعهما السجَّان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضل حين أخذ يحيي مضجعه إلى قمقم -إناء صغير من نحاس- كان بالسجن، فملأه بالماء، وأدناه من المصباح، فلم يزل قائمًا وهو في يده حتى أصبح. وحُكي أن السجَّان فطن لحيلة الفضل في تسخين الماء لأبيه، فمنعهما من المصباح في الليلة القابلة، فأخذ الفضل الإناء مملوءًا معه إلى فراشه، وألصقه بأحشائه، حتى أصبح وقد فتر الماء.

8- كانت حفصة بنت سيرين تترَّحم على ابنها هذيل وتقول: كان هذيل يعمد إلى القصب، فيقشره ويجففه في الصيف، لئلا يكون له دخان، فإذا كان الشتاء جاء حتى قعد خلفي وأنا أُصلِّي، فيوقد وقودًا رفيقًا، يُنالني حرُّه، ولا يؤذيني دخانه، وكنت أقول له: يا بُنيَّ! اذهب الليلة إلى أهلك فيقول: يا أُمَّاه! أنا أعلم ما يريدون، فأَدَعه، فرُبَّما ظلَّ كذلك حتى الصباح. وكان يبعث إليَّ بحَلْبة الغداة، فأقول: يا بُنيَّ! تعلم أني لا أشرب نهارًا، فيقول: أطيب اللبن ما بات في الضرع، فلا أحبُّ أن أُوثر به أحدًا عليك، فابعثي به إلى من أحببت. فمات هذيل، فوجدت (فحزنت) عليه وَجْدًا شديدًا، وكنت أجد مع ذلك حرارة في صدري لا تكاد تسكن. قالت: فقمت ليلة أُصلِّي، فاستفتحت النحل، فأتيت إلى قوله تعالى: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (النحل 96). فذهب عني ما كنت أجد.

9- عن ثابت البناني قال: رأيت رجلا يضرب أباه في موضع فقيل له: ما هذا فقال الأب: خلوا عنه فإني كنت أضرب أبي في هذا الموضع فابتليت بابني يضربني في هذا الموضع.

10- جاء في " المحاسن والمساوئ " لإبراهيم البيهقي - رحمه الله – قال: قال الأصمعي: حدثني رجل من الأعراب قال: خرجت أطلب أعق الناس وأبر الناس، فكنت أطوف بالأحياء، حتى انتهيت إلى شيخ في عنقه حبل يستقي بدلو لا تطيقه الإبل، في الهاجرة والحر الشديد، وخلفه شاب في يده رشاء - حبل - من قد (سوط من جلد مدبوغ) ملوي يضربه به، وقد شق ظهره بذلك الحبل. فقلت: أما تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف؟ أما يكفيه ما هو فيه من مد هذا الحبل حتى تضربه؟ قال: إنه مع هذا أبي، قلت: فلا جزاك الله خيرا. قال: اسكت فهكذا كان هو يصنع بأبيه، وكذا كان أبوه يصنع بجده، فقلت: هذا أعق الناس. ثم جُلت حتى انتهيت إلى شاب وفي عنقه زبيل فيه شيخ كأنه فرخ، فكان يضعه بين يديه في كل ساعة فيزقه كما يزق الفرخ، فقلت: ما هذا؟ قال: أبي وقد خرف، وأنا أكفله، قلت: هذا أبر العرب.

• والمواقف في هذا الجانب كثيرة بل أكثر من أن تُحصى فما علينا إلا أن نحسن النية والتوجه والقصد وأن نقتفي أثر الصحابة والتابعين وألا نألوا جُهداً ولا ندخر وسعاً في محاكاتهم وأن نعلم أبنائنا وشباب أمتنا ذلك ليصيبهم من الأجر والثواب ما ينالوا بهما سعادة الدارين.

وختاماً: ها هو الطريق قد رُسمت خطواته، واتضحت معالمه، وزالت عقباته، ليكون حُجة لسالكيه ونكبة ونقمة على ناكبيه.
اللهم أعنا على بر والدينا في حياتهما وبعد مماتهما وأعن ذريتنا على برنا في حياتنا وبعد مماتنا إنك ولي ذلك والقادر عليه.

أولى الإسلام الأسرة اهتماماً كبيراً، وأحاطها بسياج آمن من الطمأنينة، والسعادة في كل أطوارها، من الطفولة.. إلى الزوجية.. إلى الأمومة والأبوة، فالأسرة التي تتكون من الزوج والزوجة والأولاد هي قوام البناء الإنساني، وعماد أية أمة، وقد تدخلت الشريعة الإسلامية في بناء الأسرة على قواعد ثابتة من الدين والخلق، فإذا قامت هذه الأسرة على الضوابط الدينية واسترشدت بما حددته الشريعة لها، واستنارت بإرشادات القرآن الكريم، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد بدأت البداية السليمة، وسلكت الطريقة الصحيحة.

بناء الأسرة المسلمة:
وأساس السعادة في بناء الأسرة المسلمة لا يقوم على الجمال أو الجاه أو الثروة فحسب، بل لابد من الدين والخلق الطيب، ومن هنا رغَّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند تكوين العائلة في اختيار صاحبة الدين: ((لا تزوجوا النساء لحسنهن؛ فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن؛ فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين))، وإذا حدث الزواج فأساسه – أيضاً - حسن الخلق - سواء بالنسبة للزوج أو الزوجة - قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوْفِ} [النساء:19] وقال - صلى الله عليه وسلم –: ((خيركم خيركم لأهله)).

وقد وردت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية في فضل وعظمة نعمة الأولاد؛ ولذلك وصانا الله بهم: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء:11]، وقال - صلى الله عليه وسلم –: ((من نعم الله على الرجل أن يشبهه ولده)).

وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل الأولاد زينة لنا في الحياة الدنيا، فإنه سبحانه جعلهم أيضاً فتنةً وابتلاءً؛ قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن:15]، وليس في هذا أي تناقض أو اختلاف، بل هما طريقان، ولكلٍ اتجاه وعلامات.

وإذا أراد الواحد منا أن يجعل ولده زينة وبهجة للناظرين وخليفة له، فليحسن تربيته، وليكن قدوة حسنة له في كل شيء يرعى نشأته، ويوجِّه سلوكه، ولا ينصرف عن ذلك إلى تجارته وأمواله، بل يحنو عليه، ويتعاطف معه، سواء كان الابن ولداً أو بنتاً.

وإذا نشأ الولد وتربى التربية الإسلامية الحقة فإنه يكون وفيَّاً لوالديه، فالعلاقة بين الوالد والولد، علاقة تبادلية، بمعنى :أن الوالد يربى ابنه وهو صغير ليرعاه الولد حين يكبر.

برُّ الوالدين فريضة شرعية:
رعاية الوالدين والوفاء لهما من أسمى وأعمق العواطف النبيلة التي دعا إليها القرآن الكريم وفى هذا المقام يقول العلماء: أن القرآن الكريم على كثرة ما أوصى الولد ببر والديه؛ فإنه لم يوص الوالد بابنه كثيراً؛ لأن عاطفة حب الوالد لابنه عاطفة أصيلة فيه، والشذوذ فيها خارج عن طبيعة البشر، وبر الوالدين فريضة لازمة وعقوقهما حرام، وللأم في هذا المجال منزلة خاصة. ولا ينكر فضل الوالدين إلا كل نذل لئيم، ومهما فعل الأبناء فلن يستطيعوا أن يكافئوا الوالدين بما قاموا به نحوهم من عطف ورعاية، وتربية وعناية، وقد فصَّل الله سبحانه وتعالى ما يجب من الإحسان إلى الوالدين بقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء:23].

وقد أكد الله سبحانه وتعالى على الوفاء للوالدين ورعايتهما عند الكبر، حتى إنه - جلت قدرته - شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ووردت الأحاديث النبوية حاثة على بر الوالدين، فعن ابن مسعود –رضي الله عنه – قال: ((سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي العمل أحب إلى الله ورسوله؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله))، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من سرّه أن يُمد في عمره ويُزاد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه)) وقال - صلى الله عليه وسلم - لرجل جاء يستأذنه في الجهاد معه: ((أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد)).

ورعاية الأم والاهتمام بها وبرها مقدم في بر الوالدين؛ لأنها تتحمل في رعاية الطفولة وتربيتها أكثر مما يتحمل الأب؛ تتحمل مشقة الحمل، وصعوبة الوضع، وقسوة الرضاع، ثم الخدمة والتربية: ((جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك)).

عقوق الوالدين من الكبائر:
وإذا كان بر الوالدين مروءة وعبادة وفريضة فإن عقوقهما جريمة وكبيرة، وإن من أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله وعقوق الوالدين، قال - صلى الله عليه وسلم - : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه، والديوث، والرجلة من النساء)).

وقد حرم الله علينا عقوق الوالدين..فقال - صلى الله عليه وسلم - :((كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة، إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات)).

ومن أقبح مظاهر العقوق التي نشاهدها في مجتمعاتنا المعاصرة اليوم: أن يتبرأ الولد من والديه، حين يرتفع مستواه الاجتماعي، وتلك صفات وضيعة، وضعف ديني، وخلق دنيء. والكثير من الفقهاء يرون تحريم تبرؤ الابن من أبويه لما رواه معاذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: ((من العباد عباد لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولا يطهرهم. قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ فقال النبي: المتبرئ من والديه)).

وقد قرن القرآن الأمر بعبادة الله وعدم الشرك به بالإحسان للوالدين حيث يقول سبحانه:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [النساء:36] وقوله أيضاً: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الإسراء:23] وتكتمل الصورة المشرقة في أمر الله بقول النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين)).

حيث تفضل عليه الصلاة والسلام فجعل عدم بر الوالدين قرين الإشراك بالله، وبذلك أفاض أمر الله ورسوله هالة من القداسة والإجلال على علاقة الأبناء والبنات بالآباء، وبسط على الوالدين جناحاً من الرحمة؛ كما في قول الباري سبحانه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء:24]، ومن هذا وغيره نجد أن إكرام الوالدين وإبراز حقوقهما في دين الله الكريم يبلغ أقصى درجة يتصورها الفكر الواعي، والضمير الحي، ويدين بها الوجدان الصادق، والنفس المؤمنة.

ويؤكد ذلك أيضاً ما يراه جمهور الفقهاء من أنه يحرم على الإنسان المسلم أن يخرج للجهاد في سبيل الله-في غير الحالات المتعينة عليه- بغير موافقة والديه ورضاهما؛ حتى لا يتضررا بفقد رعايته لهما، ولا يشق عليهما غيابه عنهما.

فعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليمن جاء يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخروج للجهاد معه فقال - صلى الله عليه وسلم - له: ((هل لك أحد باليمن؟ فقال الرجل: أبواي يا رسول الله. فقال النبي: أبواك أذنا لك؟ فقال: لا. قال عليه السلام: ارجع واستأذنهما فإن أَذِنَا لك فجاهد وإلا فبرهما بطاعتك)).

من سبل بر الوالدين:
ومما أشار إليه بعض الفقهاء في صراحة وحزم أنه ينبغي على الإنسان المسلم إذا اضطر أن يحنث في يمين يتعلق بوالديه ويتضرران منه أن يفعل ما فيه رضا الوالدين وعليه الكفارة، ما لم يقع بذلك في معصية، ودون أن يكون في رضاهما شيء يتصل بالشرك بالله؛ قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان:15].

ويبلغ تكريم الدين للوالدين وتقديره لهما ما يراه المالكية والشافعية من أنه ينبغي للشخص المسلم أن يجيب نداء أبويه دون تراخ ولو كان في صلاة النافلة، وعقب على ذلك إمام الحرمين فقال: على الابن أن يجيب أبويه دون تراخ منه، حتى لو كان يصلي الفريضة، بشرط أن يكون في الوقت متسع لإعادة الصلاة.

ومن الحقائق الثابتة أنه لا ينتفع إنسان بعبادة غيره؛ لقول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم:39]، ولكن عدداً من الفقهاء استثنى من هذه القاعدة جواز انتفاع الأبوين بعد موتهما بالعبادة التي يؤديها أولادهما عنهما من صوم أو حج أو صدقة، يروى أن امرأة جاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالت له: إن أمي ماتت وعليها صوم، أفأصوم عنها؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أرأيت لو كان عليها دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ فقالت: نعم. قال: فصومي عن أمك)). كما أفتى كثير من الفقهاء بأن الدعاء للوالدين واجب بالأمر المفهوم صراحة في قول الله الكريم {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيْراً} وفى قوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} فقرن شكر العبد لربه بشكر الابن لأبويه، وقد سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟ فقال: نرجو أن يجزيهما بالدعاء بعض حقهما إذا دعا لهما في آخر كل تشهد عند كل صلاة.

كما أوجب العلماء النفقة عليهما؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس الجهاد أن يضرب الرجل بسيفه في سبيل الله؛ إنما الجهاد من عال والديه)).

وقال: من عال والده فهو في جهاد، ومن عال نفسه فكفاها عن الناس فهو في جهاد. واعتمد الفقهاء على قول الله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} فقالوا بأنه لا يحد أحد الوالدين في قذف ولده، ولا يحبس أحدهما في دين عليه لأحد أولاده أولهم جميعاً.

صور ومواقف في بر الوالدين:
من جميل ما يروى عن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أن رجلاً قال له: يا رسول الله، إن لي أما عجوزاً أحملها على عاتقي كل يوم وأطوف بها حول البيت، أفأكون بذلك قد وفيتها حقها؟ فيقول النبي لا. ولا بزفرة واحدة؛ إنها حملتك وهى ترجو حياتك، وأنت حملتها وتنتظر رحيلها.

ومن طريف ما يروى في مجال تكريم الوالدين أن أبا الأسود الدؤلى خاصمته زوجته في ولدها منه إلى القاضي زياد كل منهما يريد أن يحتضنه، فقال أبو الأسود: أنا أحق بالولد منها وحملته قبل أن تحمله ووضعته قبل أن تضعه. فقالت الأم: وضعته شهوة ووضعته كرهاً، وحملته خفاً وحملته ثقلاً؛ فقال القاضي زياد: صدقتِ أنتِ أحق به منه.

وكان علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبر الناس بأمه، ومع ذلك كان لا يأكل معها في وعاء واحد، ولما سئل عن ذلك قال: "أخاف أن تسبق يدي إلى شيء تكون قد سبقت إليه عيناها؛ فأكون قد عققتها".

والمواقف الدالة على حرص أسلافنا على برهم بآبائهم وأمهاتهم كثيرة جداً، لا تحصرها هذه السطور، ولا تتسع لها هذه المساحة، لكنها في جملتها تعكس صورة ذلك المجتمع البار، وحقيقة أولئك الأخيار، الذين زكت نفوسهم، واهتدت قلوبهم، فكانوا لنا مثلاً في برهم، ونبراساً في طاعتهم.

فهيا لنتفقد حالنا مع آبائنا وأمهاتنا، وننظر بعين الملاحظة هل نحن في برهم وطاعتهم على الحال الذي يجب، والطريقة التي تنبغي، أو أننا غير ذلك؟

ألا هيا فلنبادر إلى برِّهما وطاعتهما قبل أن يرحلا، ويفوت الوقت فينتقلا.. هيا قبل أن نحزن على فقدهما، ونذرف الدموع ندماً على التقصير في حقهما..

السؤال
ما هو المطلوب مني تجاه والدي بعد وفاته وماذا يستحب من أعمال يستفيد منها والدي ؟


الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فقد روى أبو داود في سننه عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله: هل بقي علي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما".
فالذي تقوم به تجاه والدك المتوفى هو الدعاء له، والاستغفار له. قال تعالى: (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً) [الإسراء: 24].
وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: وذكر منها: ولد صالح يدعو له" رواه مسلم.
وإن أوصى بشيء أو عهد عهداً، فعليك بتنفيذ وصيته، والوفاء بعهده، وأن تصل رحمك لا سيما من جهته، وإن كان له أصدقاء فتكرمهم.
قال صلى الله عليه وسلم: "إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يولي" رواه مسلم، وتتصدق بنية أن ثواب هذه الصدقة له، فكل ذلك يصل إليه من غير خلاف بين أهل العلم.
وأما غير ذلك من الطاعات كقراءة القرآن، ونحو ذلك فقد وقع فيه الخلاف بين أهل العلم: هل يصل ثوابه إلى المتوفى أم لا؟ والتحقيق أن من عمل عملاً ملك ثوابه، ومن ملك شيئاً فله أن يهبه ما لم يقم بالموهوب مانع، ولا مانع إلا الكفر. والله أعلم.


بر الوالدين لا يعني تحكمهما في كل شؤون الولد أو التسلط عليه

الأربعاء 14 محرم 1439 - 4-10-2017

رقم الفتوى: 360628
التصنيف: حقوق الوالدين والأقارب

 




[ قراءة: 334 | طباعة: 11 | إرسال لصديق: 0 ]
السؤال
أبي وأمي مطلقان منذ زمن، وأبي رجل ظالم، وفيه شر، وأمي هي التي ربتني، والحق الوحيد الذي فعله أبي معي هو النفقة، وفي صغري كان أبي مصدر خوف، وكان يقسو عليّ، فإن لم أفعل هددني بالضرب، ومرة واحدة ضربني بأقوى ما عنده؛ لأن ثقتي بنفسي كانت عالية، وقلت له: أعتقد أنني رجل، وإلى هذا اليوم ثقتي بنفسي مهزوزة، وبسببه أصبحت خائفًا من مواجهة الناس، وهذا قد ترك آثارًا سلبية كثيرة عليّ، والآن يريد أن يتحكم فيّ، وعمري 26 سنة، وأنا أعلم أنه يجب عليّ بر أبي، لكن كيف؟
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فإن كان أبوك قد أساء إليك، أو قصّر في بعض حقوقك عليه، فهذا لا يسقط حقه عليك، فإن الله قد أمر بالمصاحبة بالمعروف للوالدين المشركين الذين يأمران ولدهما بالشرك، وانظر الفتوى رقم: 114460.

وعليه؛ فالواجب عليك أن تبرّ أباك، وتطيعه في المعروف.

وليس معنى بره وطاعته أن يصير متحكمًا في كل شؤونك، أو متسلطًا عليك في كل صغيرة وكبيرة، ولكن الطاعة تكون فيما ينفع الوالد، ولا يضر الولد في حدود الشرع، والعرف، وراجع حدود طاعة الوالدين في الفتوى رقم: 76303.

واعلم أنّ برّ الوالد من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله، ففي الأدب المفرد للبخاري عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرب في سخط الوالد.

وعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه. رواه ابن ماجه، والترمذي.

قال المباركفوري -رحمه الله-: قَالَ الْقَاضِي: أَيْ: خَيْرُ الْأَبْوَابِ وَأَعْلَاهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَيُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى وُصُولِ دَرَجَتِهَا الْعَالِيَةِ، مُطَاوَعَةُ الْوَالِدِ، وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ.

فاجتهد في برّ والديك، وتجاوز عما مضى، وتقرّب إلى الله بالإيمان والعمل الصالح، فهذا سبيل السعادة في الدنيا والآخرة، وهو الطريق إلى الشخصية السوية القوية، والنفس المطمئنة.

ولمزيد الفائدة ننصحك بالتواصل مع قسم الاستشارات بموقعنا.

والله أعلم.





بر الوالدين ..طريق إلى الجنة
31/05/2004
أوصى الله بالإحسان إلى الوالدين جميعًا، وقرن هذا الأمر بعبادته والنهي عن الإشراك به؛ ليدلل على عظمته، ومكانته في الدين، وأمر كذلك بالشكر لهما والبر بهما، وأن ذلك من شكره: (وَاعْبُدُوا..

 

 
قراءة : 24544 | طباعة : 579 |  إرسال لصديق :: 4 |  عدد المقيمين : 43
أوصى الله بالإحسان إلى الوالدين جميعًا، وقرن هذا الأمر بعبادته والنهي عن الإشراك به؛ ليدلل على عظمته، ومكانته في الدين، وأمر كذلك بالشكر لهما والبر بهما، وأن ذلك من شكره: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) [النساء:36].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللاً لهما".
وقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) [الإسراء:23، 24].

فانظر أيها القارىء الكريم كيف يربط السياق القرآني بر الوالدين بعبادة الله، إعلانا لقيمة هذا البر عند الله، وبهذه العبارات الندية والصور الموحية يستجيش القرآن وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء نحو الآباء، نحو الجيل الذاهب، الذي يمتص الأبناء منه كل رحيق وكل عافية ، وكل اهتمام، فإذا هما شيخوخة فانية إن أمهلهما الأجل وهما مع ذلك سعيدان.
(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) (الاسراء: من الآية24)
تعبير شفاف لطيف يبلغ شغاف القلوب وحنايا الوجدان.فهي الرحمة: رقة وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينا، ولا يرفض أمرا، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!.

هذان هما والداك..كم آثراك بالشهوات على النفس، ولو غبت عنهما صارا في حبس، حياتهما عندك بقايا شمس،لقد راعياك طويلا فارعهما قصيرا: ( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً).
كم ليلة سهرا معك إلى الفجرِ، يداريانك مداراة العاشق في الهجرِ، فإن مرضت أجريا دمعا لم يجر، لم يرضيا لك غير الكف والحجر سريرا فـ : (قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً).
يعالجان أنجاسك ويحبان بقاءك، ولو لقيت منهما أذى شكوتَ شقاءك ،كم جرعاك حلوا وجرعتهما مريرا ، فهيا برهما ولا تعصهما وقل: (رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً).

**لا سواء:***
قال رجل لعمر بن الخطاب: "إن لي أمًّا بلغ منها الكبر، أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية (أي أنه يحملها إلى مكان قضاء الحاجة) فهل أديت حقها؟ قال عمر: لا؛ لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تفعله وتتمنى فراقها".

وشهد عبد الله بن عمر رجلاً يمانيًّا يطوف بالبيت قد حمل أمه على ظهره يقول:
إني لها بعيرها المذلل.. ... ..إن أذعرت ركابها لم أذعر
          الله ربي ذو الجلال الأكبر
حملتها أكثر مما حملت .. .. .. فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟
فقال ابن عمر: لا ، ولا بزفرة واحدة.
نعم فوالله لو قضى الأبناء ما بقي من العمر في خدمة الأبوين ما أدوا حقهما ،فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه".

**حق الأم عظيم***

لأمــك حــق لــو عـلـمـــت كـبـيـر    كـثيـرك يا هــذا لديه يســيـر
فكــم ليـلة بـاتت بـثقلك تشتـكي                  لهــا مـن جـواهــا أنةٌ وزفيــر
وفي الوضع لو تدري عليها مشقة                       فكـم غصص منها الفؤاد يطير
وكم غسـلت عنـك الأذى بيمينها                      وما حجرهــا إلا لـديك سريــر
وتفديـك مما تشتكيــه بنفســهـا                  ومـن ثديها شــرب لديك نمير
وكـم مــرة جـاعت وأعطتك قوتها                حنــوًا وإشفــاقًا وأنت صغيـــر
فــضيـعـتها لمــا أسنــت جـهـالة           وطــال عليك الأمـر وهو قصير
فــآها لــذي عقــل ويتبع الهــوى             وآها لأعمى القلب وهو بصير
فدونك فارغـب في عميم دعائها                      فأنت لمـا تدعــو إليــه فقـيــر

فلما كان هذا حالها، حض الشرع على زيادة برها، ورعاية حقها، (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان:14].
وجاء رجل إلى سيد الأبرار الأطهار فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال:" أمك ". قال: ثم مَن؟ قال:" أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك". [رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة].

**الجنة تحت أقدام الوالدين***
من أكرمه الله بحياة والديه أو أحدهما فقد فتح له بابا إلى الجنة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة..".
وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أردت الغزو وقد جئت أستشيرك؟ فقال: هل لك أم؟ قال: نعم. قال: فالزمها فإن الجنة تحت رجليها".[رواه أحمد وغيره].
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوما: "دخلت الجنة فسمعت قراءة فقلت : من هذا؟ فقيل:حارثة بن النعمان،فقلت كذلكم البر، كذلكم البر". وكان حارثة أبر الناس بأمه.

**الجزاء من جنس العمل:***
إن بعض الآباء يشكون قسوة الأبناء وعقوقهم ، والحق أن الجزاء من جنس العمل فمن بر والديه بره أبناؤه، ومن عق والديه عقه أبناؤه ولابد.فإن أردت أن يبرك أبناؤك فكن بارا بوالديك،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم..".
وانظر إلى الخليل إبراهيم حين تأدب مع والده وتلطف في دعوته فقابل الأب هذا الأدب بمنتهى القسوة ، ما كان من إبراهيم إلا أن قال: ( سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) (مريم: من الآية47) ،فكان جزاؤه من جنس عمله ،رزقه الله ولدا صالحا ،إسماعيل الذي تأدب معه حين أعلمه أنه أُمر بذبحه فقال: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) (الصافات: من الآية102)
ثم لفتة أخرى ينبغي أن ينتبه إليها الأبناء وهي أنهم لن يجدوا من الخلق مَن هو أرحم بهم من الوالدين، لا زوجة ولا أبناء ، ولا أصدقاء ،

وإليكم هذه القصة الشعرية التي نترخص في إيرادها لما فيها من معاني سامية:
أغـرى امـرؤٌ يـومـا غلامـا جـاهلا     بنــقــوده كيـمــا ينــال بــه الــوطـــر
قــال ائتني بفــؤاد أمــك يـا فتى     ولك الجــواهـــر والــدراهـــم والــدرر
فمضى وأغرز خنجرا في صدرها     والقــلــب أخـرجــه وعــاد على الأثر
لكنـه مــن فـرط سـرعـتـه هـوى     فتــدحــرج القـلـب المـقـطـع إذ عثـر
نـــاداه قـلـب الأم وهـــو مـعـفـرٌ     ولــدي حبيبــي هل أصابك من ضرر؟
فكـأن هـذا الصـوت رغـم حـنــوه     غضب السماء على الغلام قد انهمر
فـدرى فظيــع جنـايـة لـم يجنها     ولــد ســواه مـنــذ تــاريـــخ الـبـشـر
فارتـد نحـو القـلـب يغسله بـمـا     فــاضــت بـه عـيـنـاه مـن سيل العبر
ويقــول: يا قلب انتقـم مني ولا     تــغـفـر فــإن جــريـمـتـي لا تــغـتفــر
واسـتل خنجـره ليطـعـن قلـبــه      طــعــنـا فيبقــى عــبرة لــمـن اعتبر
نــاداه قـلـب الأم:كُــف يـدا و لا     تطـعـن فــؤادي مــرتين عـلى الأثــر

** برهمها بعد موتهما***
ولا يقف البر بهما في حياتهما، ولا ينتهي بموتهما، بل تبقى حقوق البر على الابن بعد موت والديه لمن أراد الخير.. فمن ذلك:
1- الاستغفار لهما والدعاء:
كما قال صلى الله عليه وسلم "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له". [مسلم].
وفي الحديث:"ترفع للميت بعد موته درجة. فيقول: أي رب! أي شيء هذه؟ فيقال: ولدك استغفر لك". [أحمد والبخاري في الأدب المفرد. قال البوصيري: إسناده صحيح، و قد حسنه الألباني].

2- التصدق عنهما:
وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم:"إن أمي توفيت أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم. قال: فإن لي مخرفا فإني أشهدك أني قد تصدقت به عنها".

ويروى عن أبي أسيد الساعدي قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما بعد موتهما؟ قال: نعم؛ الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما". [ضعيف الجامع].
ولذلك روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا ملَّ ركوب الراحلة وعمامة يشد بها رأسه، فينما هو يومًا على ذلك الحمار، إذ مر به أعرابي فقال: ألست ابن فلان؟ قال: بلى. فأعطاه الحمار، وقال: اركب هذا، والعمامة وقال: اشدد بها رأسك. فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك، أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تروَّح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك؟! فقال: إني سمعت رسول الله يقول: "إن من أبر البر صلة الرجل أهل وُدَّ أبيه بعد أن يولى، وإن أباه كان ودَّا لعمر".

وعن أبي بردة قال: قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لِمَ أتيتك؟ قال: قلت: لا. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: "من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده، وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاءً وود، فأحببت أن أصل ذلك".[رواه ابن حبان وصححه الألباني].
رزقنا الله وإياكم بر الوالدين.


من أساليب تربية النشء على بر الوالدين
10/07/2002
د. محب الدين صالح
إن التربية الإسلامية توجه إلى وجوب تربية الصغار الناشئين على بر الوالدين بالاعتراف بفضلهما وحقهما، وبوجوب احترامها وتقديرهما، بالسمع والطاعة لهما، ومباشرتهما بالمعروف، وتقديم كل ما..

 

 
قراءة : 5251 | طباعة : 348 |  إرسال لصديق :: 0 |  عدد المقيمين : 4
إن التربية الإسلامية توجه إلى وجوب تربية الصغار الناشئين على بر الوالدين بالاعتراف بفضلهما وحقهما، وبوجوب احترامها وتقديرهما، بالسمع والطاعة لهما، ومباشرتهما بالمعروف، وتقديم كل ما يحتاجان إليه من مطالب الحياة والراحة فيهما، وبالابتعاد عن كل ما يزعجهما من قول أو فعل أو نظرة أو حركة، وبالدعاء لهما بالخير والرحمة والمغفرة بعد موتهما.
ومن الأساليب التي تجدها في التربية الإسلامية لتربية الأبناء على بر الوالدين ما يلي:

أولاً- نجد عدداً من الآيات القرآنية توجه لذلك، وتوصي بهن ومنها قوله تعالى( وقضى ربك ألا تعبدوا ألا إياه وبالوالدين إحساناً، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما، أو كلاهما فلا تقل لها أف، ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمها كما ربياني صغيراً) الإسراء 23-24.
ومنها قوله تعالى في سورة العنكبوت (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ).
ومنها قوله تعالى في سورة لقمان 13-15 (ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه وهنا على وهن ، وفصاله في عامين ، أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إليّ، ثم إليّ مرجعكم، فأنبئكم بما كنتم تعملون).

ثانياً- نجد طائفة من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- تحث على بر الوالدين في حياتهما وبعد موتهما، وتبين آثار ذلك وفوائده في الحياة الدنيا والحياة الآخرة ومن هذه الأحاديث:
الأحاديث التي تظهر آثار بر الوالدين في الدنيا أن في ذلك زيادة العمر والرزق ، روى الإمام أحمد عن أنس-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه فليبرَّ والديه وليصل رحمه) وجاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال : (إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد العمر إلا البر) رواه ابن ماجة.
وأما آثار بر الوالدين في الآخرة، فتكشفها لنا أحاديث رسو الله صلى الله عليه وسلم، وأن منها تكفير الذنوب، ومنها دخول الجنة، روى الترمذي عن ابن عمر-رضي الله عنه- أن رجلاً أتى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أني أصبت ذنباً عظيماً، فهل لي من توبة، فقال : هل لك من أم؟ قال: لا: هل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرها.
وروى مسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل من يارسول الله ؟ قال : من أدرك أبويه الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة.
قال النووي في رياض الصالحين:" رغم أنفه- كناية عن الذل، كأن أنفه لصق بالرغام أي بالتراب حقيراً هواناً".

ثالثا_ نجد طائفة من الأحاديث النبوية تبين مدى أهمية بر الوالدين بتقريرها تقديم فعل ذلك على كثير من أعمال الطاعات والمبرات، من نحو الجهاد في سبيل الله والحج والنوافل، والزوجة والأصدقاء، وحب الأولاد، ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-قال : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم-أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال الصلاة على وقتها، قلت ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله.

ومن هذه الأحاديث التي تبين وجوب تقديم بر الوالدين على حب الأولاد ، قصة الثلاثة أصحاب الغار التي رويت في الصحيحين .
وختاماً : ليبادر كل منا إلى بر والديه إن كانا أحياء، أو أحدهما إن كان حياً، وإلا فالخالة هي بمنزلة الأم، ثم الأقرب فالأقرب، لعل الله يغفر لنا ذنوبنا ويدخلنا جنته.


عقوق الوالدين
13/10/2004
ماهر السيد
غَذَوْتُــكَ مَـوْلُـودًا وَعُلْتُـكَ يَافِــعًــا          تُعَلُّ بما أجْنَي عَلَيْكَ وَتَنْهَــــلُ إذَا لَيْلَةٌ نَــابَتْكَ..


 

 
قراءة : 163109 | طباعة : 1641 |  إرسال لصديق :: 19 |  عدد المقيمين : 205
غَذَوْتُــكَ مَـوْلُـودًا وَعُلْتُـكَ يَافِــعًــا          تُعَلُّ بما أجْنَي عَلَيْكَ وَتَنْهَــــلُ

إذَا لَيْلَةٌ نَــابَتْكَ بِالشَّجْـوِ لَــمْ أَبِتْ         لِشَكْوَاكَ إِلاَّ سَـاهِـرًا أَتَمَـلْـمـَلُ

كَأَنِّي أَنَــا الْـمَطْـرُوقُ دُونَكَ بالَّذِي        طُرِقْـتَ به دُوني فَعَيْنِيَ تَهْمُلُ

تَخَافُ الرَّدى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإنَّني         لأَعْلَـمُ أَنَّ الْمَـوتَ حَتْــمٌ مُؤَجَّلُ

فَلَمَّا بلَغْتَ السِّـنَّ والغَـايَـةَ التِي          إِليْها مَـدَى ما كُنتُ فِيـكَ أُؤَمِّلُ

جَعَلْتَ جَـزَائِي غِلْـظَةً وَفَظَـاظـَةً           كَأَنَّك أَنْـتَ الْمُنْعِـمُ الْمُتَفَــضِّـلُ

فَلـَيْتَكَ إِذْ لَـمْ تَـرْعَ حَــقَّ أُبُـوَّتِي           فَعَلْتَ كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَـلُ

أوصى الإسلام بالآباء خيرًا ونهى عن قطيعتهم وإيذائهم أو إدخال الحزن عليهم، كيف لا، والإسلام دين الوفاء والبرِّ.

وقد تكلمنا في مقال سابق عن فضل بر الوالدين والإحسان إليهما، وفي هذا المقال نتكلم عن عقوق الوالدين، تلكم الكبيرة العظيمة التي نهى عنها الشرع وحذر منها أشد التحذير.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين..."الحديث.

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأْد البنات..."الحديث.

فالعقوق محرم قطعًا مذموم شرعًا وعقلاً.. فما معنى العقوق؟

يقول العلامة ابن حجر رحمه الله: العقوق أن يحصل لهما أو لأحدهما أذىً ليس بالهيِّن عُرفًا.اهـ.

ويكون هذا الإيذاء بفعل أو بقول أو إشارة، ومن مظاهره مخالفة أمر الوالدين أو أحدهما في غير معصية، أو ارتكاب ما نهيا عنه ما لم يكن طاعة، أو سبهما وضربها، ومنعهما ما يحتاجانه مع القدرة ... وغير ذلك.

وقد اتفق أهل العلم على عدِّ العقوق كبيرة من الكبائر.

يقول الله عز وجل: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً)[الإسراء:23].

فانظر كيف نهى عن الإيذاء بالفعل أو بالقول حتى ولو كان كلمة "أفٍ" التي تدل على الضجر.

إن عقوق الوالدين الذي ظهر وانتشر وتعددت أشكاله وألوانه ليدل على انحراف خطير في المجتمعات عن شريعة الله تعالى التي جعلت رضا الله في رضا الوالدين وسخطه سبحانه في سخطهما، كما في الحديث: "رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد". والتي جعلت الجنة تحت أقدام الأمهات فلن يدخل الجنة عاقٌ لوالديه،ففي الحديث: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث.وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى".

 كما إن العاق لوالديه يعرض نفسه لدعاء والديه عليه، ودعاؤهما مستجاب فقد ورد في الحديث: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده".

ومن صور العقوق أن يتسبب الولد في سب ولعن أبويه أو أحدهما؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه". قيل: يا رسول الله! وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسُبُّ الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه".

ومن كان هذا حاله فإنه يعرض نفسه للعنة الله تعالى،فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله  من لعن والده...".الحديث.

كما إنه متوعد بعقوق أولاده له؛ فكل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإنه يعجل لصاحبه في الحياة قبل الممات.

قال الأصمعي: حدثني رجل من الأعراب قال:

خرجت من الحي أطلب أعقَّ الناس، وأبرَّ الناس، فكنت أطوف بالأحياء حتى انتهيت إلى شيخ في عنقه حبل يستقي بدلو لا تطيقه الإبل في الهاجرة والحرِّ الشديد، وخلفه شاب في يده رشاء (أي حبل) ملوي يضربه به، قد شق ظهره بذلك الحبل، فقلت: أما تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف؟ أما يكفيه ما هو فيه من هذا الحبل حتى تضربه؟ قال: إنه مع هذا أبي. فقلت: فلا جزاك الله خيرًا. قال: اسكت فهكذا كان هو يصنع بأبيه، وهكذا كان يصنع.

فانظر كيف قيض الله لهذا الوالد العاق من أبنائه مَن يعقه! والجزاء من جنس العمل: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)[فصلت:46].

ومن صور العقوق منع الأبناء النفقة على الآباء رغم حاجة الآباء وقدرة الأبناء والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : "أنت ومالك لأبيك"

نسأل الله الكريم بمنه أن يرزقنا وإياكم البر، وأن يجنبنا العقوق والآثام.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مع السلف في بر الوالدين
02/09/2004
كان الإمام أبو حنيفة بارا بوالديه ، وكان يدعو لهما ويستغفر لهما ، ويتصدّق كل شهر بعشرين دينار عن والديه ، يقول عن نفسه : " ربما ذهبتُ بها إلى مجلس عمر بن ذر ، وربما أمرتني أن أذهب إليه..

 

 
قراءة : 1151 | طباعة : 238 |  إرسال لصديق :: 0 |  عدد المقيمين : 0
كان الإمام أبو حنيفة بارا بوالديه ، وكان يدعو لهما ويستغفر لهما ، ويتصدّق كل شهر بعشرين دينار عن والديه ، يقول عن نفسه : " ربما ذهبتُ بها إلى مجلس عمر بن ذر ، وربما أمرتني أن أذهب إليه وأسأله عن مسألة فآتيه وأذكرها له ، وأقول له : إن أمي أمرتني أن أسألك عن كذا وكذا ، فيقول : أومثلك يسألني عن هذا ؟! ، فأقول : هي أمرتني ، فيقول : كيف هو الجواب حتى أخبرك ؟ ، فأخبره الجواب ، ثم يخبرني به ، فأتيها وأخبرها بالجواب ، وفي مرة استفتتني أمي عن شيء ، فأفتيتها فلم تقبله ، وقالت : لا أقبل إلا بقول زرعة الواعظ ، فجئت بها إلى زرعة وقلت له : إن أمي تستفتيك في كذا وكذا ، فقال : أنت أعلم وأفقه ، فأفتها . فقلت : أفتيتها بكذا ، فقال زرعة : القول ما قال أبو حنيفة . فرضيت وانصرفت " .



عن ابن الهداج قال : " قلت ل سعيد بن المسيب : كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته ، إلا قوله: { وقل لهما قولاً كريماً } ( الإسراء : 23 ) ، ما هذا القول الكريم؟ فقال ابن المسيب : قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ " .



عن أبي بردة قال : " إن رجلا من أهل اليمن حمل أمه على عنقه ، فجعل يطوف بها حول البيت وهو يقول :

                          إني لها بعيرها المدلل      إذا ذعرت ركابها لم أذعر

                                           وما حملتني أكثر 

ثم قال : أتراني جزيتها ؟ فقال ابن عمر رضي الله عنه :  لا ، ولا بزفرة واحدة من زفرات الولادة " .



ذكر علماء التراجم أن ظبيان بن علي كان من أبر الناس بأمه ، وفي ليلة باتت أمه وفي صدرها عليه شيء ، فقام على رجليه قائما حتى أصبحت ، يكره أن يوقظها ، ويكره أن يقعد .



كان حيوة بن شريح يقعد في حلقته يعلّم الناس ، فتقول له أمه : " قم يا حيوة ، فألق الشعير للدجاج " ، فيترك حلقته ويذهب لفعل ما أمرته أمه به .



وكان زين العابدين كثير البر بأمه ، حتى قيل له : " إنك من أبر الناس بأمك ، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة ؟ " ، فرد عليهم : " أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها ؛ فأكون قد عققتها " .



وسئل أبو عمر عن ولده ذر فقيل له : " كيف كانت عشرته معك ؟ " ، فقال : " ما مشى معي قط في ليل إلا كان أمامي ، ولا مشى معي في نهار إلا كان ورائي ، ولا ارتقى سقفا كنتُ تحته " .



وقد بلغ من بر الفضل بن يحي بأبيه أنهما كانا في السجن ، وكان يحي لا يتوضأ إلا بماء ساخن ، فمنعهما السجّان من إدخال الحطب في ليلة باردة ، فلما نام يحي قام الفضل إلى وعاء وملأه ماء ، ثم أدناه من المصباح ، ولم يزل قائما والوعاء في يده حتى أصبح .



وقال جعفر الخلدي : " كان الإمام الأبار من أزهد الناس ، استأذن أمه في الرحلة إلى قتيبة ،  فلم تأذن له ، ثم ماتت فخرج إلى خراسان ، ثم وصل إلى " بلخ " وقد مات قتيبة ، فكانوا يعزونه على هذا ،فقال : هذا ثمرة العلم ؛ إني اخترت رضى الوالدة . فعوّضه الله علما غزيرا " .



بِرُّ الوالدين في مِشكاة النبوة
06/08/2017
إسلام ويب
بِرُّ الوالدَيْنِ من آكدِ وأعظمِ حقوق العباد التي أمر الله عز وجل برعايتها، حيث جعله الله في المرتبة التي تلي حقَّه سبحانه في التوحيد، قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا..


 

 
قراءة : 3212 | طباعة : 140 |  إرسال لصديق :: 0 |  عدد المقيمين : 6
بِرُّ الوالدَيْنِ من آكدِ وأعظمِ حقوق العباد التي أمر الله عز وجل برعايتها، حيث جعله الله في المرتبة التي تلي حقَّه سبحانه في التوحيد، قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (الإسراء:23)، وقد أمر الله سبحانه بالإحسان إلى الوالدين، وقرن هذا الأمر بالأمر بعبادته والنهي عن الإشراك به، ليدلل على عظمته ومكانته، قال الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (النساء:36)، قال ابن كثير: "أمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئاً من مخلوقاته...ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رغم أنفه (لصق بالتراب كناية عن الذل والمهانة)، ثم رغم أنفُه، ثم رغم أنفُه، قيل: مَن يا رسول الله؟! قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدَهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة) رواه مسلم. قال القاضي عياض: "فيه فضل البر وعظيم أجره، وأن برهما يدخله الجنة، فمن فاته ذلك وقصَّر فيه فقد فاته خير كثير...لا سيما إذا أدركهما عند الكبر، وضعفا عن الكسب والتصرف، واحتاجا إلى خدمتهما والقيام عليهما".

والأحاديث والمواقف الواردة في السيرة النبوية، التي أكد النبي صلى الله عليه وسلم من خلالها على عظم وأهمية وفضل بر الوالدين كثيرة، ومنها:

الوالدان أحق الناس بالبر وحسن الصحبة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صَحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) رواه مسلم. قال النووي: "الصحابة هنا بفتح الصاد بمعنى الصُحبة، وفيه الحث على بر الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب فالأقرب، قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه، وشفقتها وخدمتها، ومعاناة المشاق في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك".

بر الوالدين سبب تفريج الكربات:

جاء في حديث الثلاثة الذين آواهم المبيتُ إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرت صخرةٌ من الجبل، فسدتْ عليهمُ الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكمْ من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال رجلٌ منهم: (اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنتُ لا أغبقُ (لا أقدم) قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلبُ الشجر يوماً، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبتُ لهما غبوقهما، فوجدْتُهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو ولدًا، فلبثتُ والقدحُ على يدي أنتظر استيقاظهما حتى بَرِقَ الفجرُ والصبيةُ يتضاغون (يصيحون من الجوع) عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً ..) رواه البخاري، قال الشيخ ابن عثيمين: "ففي هذا الحديث من الفوائد والعبر: فضيلة بر الوالدين، وأنه من الأعمال الصالحة التي تُفَرَّج بها الكربات، وتُزَال بها الظلمات".

بر الوالدين والجهاد في سبيل الله:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قُلْتُ: ثم أيّ؟، قال: بر الوالدين، قلت: ثم أيّ، قال: الجهاد في سبيل الله) رواه البخاري. قال ابن حجر: "ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال: أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين، بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره".

ومن البر بالوالدين ـإذا لم يتعين الجهاد على الابن- ألا يجاهد إلا بإذنهما، ولا يخرج إلى ما فيه خوف ومخاطرة بالنفس إلاّ بإذنهما، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: (أقبل رجلٌ إلى نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أُبايِعْك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، قال صلى الله عليه وسلم: (فهل من والدَيك أحدٌ حيٌّ؟) قال: نعم، بل كلاهما، قال: (فتبتغي الأجر من الله؟!) قال: نعم، قال: (فارجِعْ إلى والدَيك فأحسِنْ صُحبتهما) رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أنَّ رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن، فقال: (هل لَك أحدٌ باليمن؟) قال: أبواي، قال: (أذِنا لك؟) قال: لا، قال: (ارجع إليهما فاستأْذِنْهما، فإن أذنا لك فجاهِدْ، وإلَّا فبِرَّهُما) رواه أبو داود وصححه الألباني. قال النووي: "هذا كله دليل لعظم فضيلة برهما، وأنه آكد من الجهاد وفيه حجة لما قاله العلماء أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما"، وقال ابن حجر في "فتح الباري": "قال جمهور العلماء: يَحْرُمُ الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيّن الجهاد (كان فرض عيْن) فلا إذْن".

بر الوالدين يقرب من الجنة:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (يا نبيَّ الله! أيُّ الأعمالِ أقرب إلى الجنَّة؟ قال: الصَّلاةُ على مواقيتها، قلتُ: وماذا يا نبيَّ الله؟ قال: برُّ الوالدين، قلتُ: وماذا يا نبيَّ الله؟ قال: الجهاد في سبيل اللَّه) رواه مسلم. قال القاضي عياض: "معنى (الصلاة لوقتها) هو ما جاء فى الدار قطني من طريق صحيح: (الصلاة لأول وقتها)، فاللام هنا للتوقيت، كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (الإسراء:78)، وبر الوالدين: هو الإحسان وفعل الجميل معهما، وفعل ما يسرهما فى حياتهما، والترحم عليهما، وإيصال ما أمكن من الخير إليهما بعد موتهما، وكذلك الإحسان إلى صديقهما، لما جاء فى الصحيح: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه) رواه مسلم".

الوالد أوسط أبواب الجنة:

من أكرمه الله بحياة والده فقد فتح له باباً عظيماً إلى الجنة، وذلك ببره والإحسان إليه، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الوالدُ أوسطُ أبواب الجنة، فإن شئتَ فحافظ ْعلى الباب أو ضيِّعْ) رواه الترمذي وصححه الألباني. قال المناوي في "فيض القدير": "أي طاعته وعدم عقوقه مؤدٍّ إلى دخول الجنة من أوسط أبوابها ذكره العراقي...وقال البيضاوي: أي خير الأبواب وأعلاها، والمعنى أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة، ويُتوصل به إلى الوصول إليها مطاوعة الوالد ورعاية جانبه".

الجنة عند رِجْل الأم:

حديث (الجنة تحت أقدام الأمهات) بهذا اللفظ غير صحيح، وقد ضعفه الألباني وغيره من أهل العلم، ويُغني عنه حديث معاوية بن جاهمة أن جاهمة رضي الله عنه أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! أردتُ أن أغزوَ، وقد جئتُ أستشيرك، فقال: (هل لك من أمٍّ؟) قال: نعم، قال: (فالزمها، فإن الجنة عند رِجلِها) رواه النسائي وصححه الألباني. قال العجلوني: "والمعنى: أن التواضع للأمهات وإطاعتهن في خدمتهن، وعدم مخالفتهن إلا فيما حظره الشرع، سببٌ لدخول الجنة"، وقال الهروي: "أي: التزم خدمتها ومراعاة أمرها، (فإن الجنة) أي: وإن ورد: أنها تحت ظلال السيوف على ما رواه الحاكم عن أبي موسى فهي حاصلة (عند رجلها) لكونها سبباً لحصولها...ولعله صلى الله عليه وسلم عرف من حاله وحال أمه، حيث ألزمه خدمتها، ولزومها أن ذلك أولى به".

بر الوالدين من أسباب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: (إني أصبْتُ ذنباً عظيماً، فهل لي من توبة؟ قال: (هل لك من أم؟) قال: لا، قال: (هل لك من خالة؟) قال: نعم، قال: (فبِرَّها) رواه الترمذي وصححه الألباني، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الخالة بمنزلة الأم في الحديث الذي رواه البخاري: (الخالة بمنزلة الأمِّ). قال القاضي عياض: "فيه فضل البر وعظيم أجره، وأن برهما يدخله الجنة، فمن فاته ذلك وقصر فيه فقد فاته خير كثير. وظاهره أن برهما مكفر لكبير (لكثير) من السيئات وراجح بها". وقال الهروي: "والمعنى: أن صلة الرحم من جملة الحسنات التي تُذْهِب السيئات، أو تقوم مقامها من الطاعات، وهو أحد معاني قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (الفرقان:70)".

بر الوالدين ولو كانا كافرين:

بر الوالدين فرض عين، ولا يُختص بكونهما مسلمين، بل حتى لو كانا فاسقين، أو كافرين يجب برهما والإحسان إليهما، ما لم يأمرا بشرك أو معصية، قال الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (لقمان:15)، قال ابن كثير: "أي: إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفاً، أي: محسِناً إليهما"، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: (قدِمَتْ عليَّ أمي وهي مشركة، فاستفتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: قدمت علي أمي، وهي راغبة، أفأصِل أمي؟) قال: (نعم، صِلِي أمك) رواه مسلم. أسماء وعائشة رضي الله عنهما كانتا أختين من جهة الأب فقط، وقد طلق أبو بكر رضي الله عنه أم أسماء قبل الإسلام، كما قال القسطلاني. قول أسماء رضي الله عنها: (وهي راغبة، أفأصل أمي؟) قال: (نعم صِلي أمك) قال القاضي عياض: قيل: معناه راغبة عن الإسلام وكارهة له، وقيل: معناه طامعة فيما أعطيتها حريصة عليه...وفيه جواز صلة القريب المشرك". وقال ابن عثيمين: "في هذا دليل على أن الإنسان يصل أقاربه، ولو كانوا على غير الإسلام؛ لأن لهم حق القرابة".

بر الوالدين بعد موتهما:

لا يقتصر البر بالوالدين حال حياتهما، ولا ينتهي بموتهما، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ترفع للميت بعد موته درجته، فيقول: أي رب! أي شيء هذه؟ فيقال: لولدك استغفرَ لك) رواه أحمد، وحسنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد". وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أَبَرِّ البِرِّ أن يصل الرجل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يولي) رواه مسلم.

رضا الله في رضا الوالدين:

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رضى الرَبِّ في رضى الوالد, وسخط الرب في سخط الوالد) رواه الترمذي وحسنه الألباني، وكذلك حُكم الأم، بل هو أولى, وقد روى الطبراني وحسنه الألباني بلفظ: (رِضَا الرَّبِّ في رِضَا الوالدين، وسخطُه في سَخَطِهِما).

في مشكاة النُّبوةِ المحمدية بِرّ الوالدين مفتاح السعادة في الدارين، وهو من أهم القربات وأعظم الطاعات، ولا يقتصر عل حياة الوالدين، بل يكون بعد وفاتهما، وهو حق للوالدين، وإن كانا كافرين، أو فاسقين، ويكون بالإحسان إليهما بالقول والفعل وحسن العشرة، وطاعتهما بالمستطاع فيما لا معصية فيه، ويأتي بر الوالدين في المنزلة بعد الصلاة، التي هي عمود الإسلام، ومُتقدِّماً على الجهاد ذروةِ سِنامِه (أعلاه).



مفاتيح العلاقةالمثالية مع الوالدين
09/12/2004
لا تجادل، ناقش الأسباب، اختر الحلول الوسط، اعرض مساعدتك، لا تتسمع إلى خلافاتهما، احترم نظام البيت.. مفاتيح مؤكدة لعلاقة مثالية مع والديك - هل تشعر بأن والديك لا يفهمانك؟ -..


 

 
قراءة : 2673 | طباعة : 820 |  إرسال لصديق :: 1 |  عدد المقيمين : 12

لا تجادل، ناقش الأسباب، اختر الحلول الوسط، اعرض مساعدتك، لا تتسمع إلى خلافاتهما، احترم نظام البيت.. مفاتيح مؤكدة لعلاقة مثالية مع والديك

- هل تشعر بأن والديك لا يفهمانك؟

- هل يسكنك إحساس بأنهما يظلمانك ويقيدان حريتك؟

- هل تعتقد أنك دائمًا على حق وأنهما مخطئان فى حقك على طول الخط؟

إذا أجبت بنعم، واتخذت بينك وبين نفسك قرارًا بتجميد علاقتك مع والديك، ووضعها فى أضيق الحدود تجنبًا لما تعتقده أنت تعسفًا منهما ضدك، فتمهل، وخذ الخطوة الأولى، وحاول أنت تفهمهما، وتعامل معهما بحب يحميك من هذه المشاعر السلبية، والأهم من ذلك يجنبك عقوقهما، وما يترتب عليه من عذاب فى الدنيا والآخرة.


ابدأ ونحن معك، نشد على يديك، وتأكد أنك ستكسب أرضية رائعة وممهدة لعلاقة نادرة من الألفة والفهم مع أبويك.


- والداك من النوع غير المحب للجدال، فلا تجادلهما، بل ابتسم ووافقهما، فسيجعلهما هذا يفكران، وقد يتبنيان رأيك وموقفك.


- عندما يكون الوالدان عقلانيين؛ فإنهما - حينئذ - يوضحان كل أسباب القرار الذى يتخذانه، فاستمع إليهما حتى ينتهيا من حديثهما وابق هادئًا ، ثم تناول كل سبب بمفرده، وأخبرهما بسبب عدم اتفاقك معهما.


- إذا كان أحد والديك يرفض طلباتك، أو لا يسمح لك بالحصول على مزيد من الحرية، فلا تسأل «لماذا ؟»، فهذا لن يضيف لك إلا سببًا جديدًا لمقولة «لا»، والأفضل من أن تسأل «لماذا ؟» أن تقول: «ما الذى يمكننى أن أفعله لكى أحصل على هذا الامتياز، أو المطلب، أو الحرية ؟»، فإن سؤال: «ما الذى يمكننى فعله ؟» سيعطيك بعض الأفكار عن طريقة الحصول على إجابة «نعم»، بشرط أن يكون مطلبك عادلاً.


- عندما يغضب أحد الوالدين، فليس هذا الوقت المناسب لأن تغضبه أنت أيضًا، فكثيرًا من الأحيان لا يكون قد غضب منك، ولكن من رئيسه فى العمل، أو الجيران، أو تكاليف العيش، وما يحدث أنك تكون أمامه فى الوقت الخطأ، فاظهر بمظهر المتأثر المتعاطف معه.


- لا تناقش شكواك، عندما يكون أحدكما غاضبًا، واهدأ، وانتظر حتى يصبح مزاجهما حسنًا، وناقش مشاعرك فى وقت لاحق فى ذلك اليوم، أو بعد بضعة أيام.


- عندما تناقش شكواك، أو آراءك، أو مطالبك، لا تتصرف بطريقة وقحة، ولا ترفع صوتك، بل ناقش المسألة بصوت عادى ، أما إذا صحت، أو كنت غير مهذب، فستزيد الطين بلة.


- لا تصنع مواقف يوجد فيها خاسر وفائز، فأنت الأصغر، وربما تخسر فى معظم الأحيان، ولكن حاول أن تصل إلى حلول وسطية، و صنع موقف يفوز فيه كلاكما.


- إذا كنت تعانى من مشاكل فى التحدث مع والديك، أو إذا كانا يغضبان فى كل مرة تناقش أنت فيها شيئًا، فاكتب ملحوظة، وضعها على وسادتهما، فإن الآباء لا يستطيعون مقاومة مثل هذه الملحوظات، وربما يحتفظون بها إلى الأبد.


- اخرج أنت ووالدك فى بعض الأحيان، وقل له إنك تريد أن تكون معه بمفردكما لكى تمشيا، أو تتناولا الطعام، وأنك تريد فقط أن تحظى به لنفسك من وقت لآخر.


- أمض بعض الوقت فى ذات الغرفة مع والديك أثناء مشاهدتهما للتلفاز أو القراءة ، وتحدث معهما عن المدرسة، وعن أصدقائك، أو عن شيء آخر يهمك، سيدهشان فى البداية بسبب تغير سلوكك، ثم سيجتازان هذا الشعور، وسيحبان شخصك الجديد.


- أنت لا تؤدى خدمات للأشخاص الذين يتجادلون معك، أو لا يتعاونون معك، فإذا تصرفت بهذه الطريقة مع والديك، فمن المحتمل ألا يتعاونا معك عندما تطلب منهما شيئًا؛ لذا حاول أن تتعاون، وتحجم الصراعات؛ لأن هذا سيكون بالتأكيد فى صالحك.


- اسأل والديك مرة واحدة فى اليوم: «هل يوجد شيء أؤديه لكما ؟»، فى معظم الأحيان سيقولان «لا»، أو ربما يعطيانك شيئًا يحتاج إلى دقائق لتنفيذه، سيحب والداك هذا، وسيريان فيك شخصًا متعاونًا جدًا، وعندما يحدث هذا ربما يكونان أكثر تعاونًا معك، ويمكنك أيضًا أن تفاجئهما بفعل شيء لا يطلبانه منك.


- عندما يتشاجر والداك، ابتعد، حتى لو كنت تريد الاستماع لهما، فعاجلاً أم آجلاً سيغضبان منك بسبب هذا التصنت إن لم يكن بسبب شيء آخر.


- أحيانًا ما يكون اتباع نظام البيت مثل: إطفاء الأنوار، أو تنظيف غرفتك، أو تعليق المنشفة بعد الاستحمام، وسيلة للسماح لك بالحصول على تفهم والديك لمطالبك.


- كن صبورًا مع والديك، وتذكر أنهما يمران بوقت عصيب فى حياتهما.


- تذكر دائمًا أن من عقوق الوالدين ومن أكبر الكبائر، وضع نفسك مكانهما، وتخيل أن ابنك يعاملك بندية وتحد.