أهمية تدبر القرآن ومعرفة موضوع كل سورة
قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ
لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29]. في هذه
الآية بين الله تعالى أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكرلا مجرد التلاوة
على عظم أجرها. قال الحسن البصري: "والله! ما تدبُّره بحفظ حروفه وإضاعة
حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يُرى له القرآنُ في خُلُق ولا
عمل". (تفسير ابن كثير، 7/64، ط: طيبة)
فضائل سورة آل عمران
فعن أبي أُمامةَ الباهليِّ رضِي اللهُ عنه، قال: سمعتُ رسول اللهِ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول: ((اقْرَؤوا
القُرْآنَ؛ فإنَّه يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابه، اقرَؤوا الزَّهرَاوَينِ (8) : البقرةَ
وسورةَ آلِ عِمْرانَ؛ فإنَّهما تأتِيانِ يومَ القيامةِ كأنَّهما غَمَامتانِ (9) ، أو كأنَّهما غَيَايَتانِ (10) أو
كأنَّهما فِرْقانِ (11) من
طيرٍ صوافَّ تُحاجَّانِ عن أصحابهما، اقرَؤوا سورةَ البقرةِ؛ فإنَّ أَخْذَها
بركةٌ، وتركَها حسْرةٌ، ولا يستطيعُها البَطَلَةُ))، قال معاويةُ: بلغني
أنَّ البَطَلَةَ السَّحَرةُ (12) .
- عن النَّوَّاس بن سَمْعانَ رضِي اللهُ عنه، قال: سمعتُ رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول: ((يُؤتَى بالقُرْآنِ يومَ القيامةِ وأهلِه الَّذين كانوا يعمَلون به، تقدُمُه سورةُ البقرةِ وآلُ عِمْرانَ، وضرب لهما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ثلاثةَ أمثالٍ، ما نسيتُهنَّ بعدُ، قال: كأنَّهما غَمامَتانِ أو ظُلَّتانِ (13) سَوْداوانِ، بينهما شَرْقٌ (14) ، أو كأنَّهما حِزْقانِ من طيرٍ صوافَّ، تُحاجَّانِ عن صاحبِهما)) (15) .
وصحيح الألباني قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر<أي عالم> والسبع هن:
( سورة البقرة -سورة آل عمران - سورة النساء - سورة المائدة -سورة الأنعام - سورة الأعراف - سورة التوبة (
- عن النَّوَّاس بن سَمْعانَ رضِي اللهُ عنه، قال: سمعتُ رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول: ((يُؤتَى بالقُرْآنِ يومَ القيامةِ وأهلِه الَّذين كانوا يعمَلون به، تقدُمُه سورةُ البقرةِ وآلُ عِمْرانَ، وضرب لهما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ثلاثةَ أمثالٍ، ما نسيتُهنَّ بعدُ، قال: كأنَّهما غَمامَتانِ أو ظُلَّتانِ (13) سَوْداوانِ، بينهما شَرْقٌ (14) ، أو كأنَّهما حِزْقانِ من طيرٍ صوافَّ، تُحاجَّانِ عن صاحبِهما)) (15) .
وصحيح الألباني قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر<أي عالم> والسبع هن:
( سورة البقرة -سورة آل عمران - سورة النساء - سورة المائدة -سورة الأنعام - سورة الأعراف - سورة التوبة (
تعظيمُ الصَّحابةِ رضِي اللهُ عنهم لقارِئ
البقرةِ وآلِ عِمْرانَ:
فعن أنسٍ رضِي اللهُ عنه، قال: ((كان الرَّجُلُ إذا قرأ البقرةَ وآلَ عِمْرانَ، جَدَّ فينا- يعني: عظُمَ- وفي رواية: يُعَدُّ فينا عَظيمًا، وفي أخرى: عُدَّ فينا ذا شأنٍ)) (16) .
فعن أنسٍ رضِي اللهُ عنه، قال: ((كان الرَّجُلُ إذا قرأ البقرةَ وآلَ عِمْرانَ، جَدَّ فينا- يعني: عظُمَ- وفي رواية: يُعَدُّ فينا عَظيمًا، وفي أخرى: عُدَّ فينا ذا شأنٍ)) (16) .
وقد احتوت كل من السورتين على اسم الله الأعظم
الذي إذا دُعِيَ به أجاب : كما جاء عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها
أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِى
هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وَفَاتِحَةُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ {الم
اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ}" .
وهما من السَّبعِ الأُوَل من القرآنِ
اللواتي عد النبي صلى الله عليه وسلم آخذهن حبرا:كما جاء في حديث عائشةَ رضي الله
عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مَنْ أخذََ السَّبعَ الأُوَلَ منَ
القرآن فهو حبرٌ " .
كما أنهما من السبعِ الطِّوالِ التي أوتيها
النبي صلى الله عليه وسلم مكانَ التوراة : كما ورد في حديث واثلةَ بنِ الأسقعِ رضي
الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " أُعطيتُ مكانَ
التوراةِ السبعَ..." .
ومن فضائلهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
كثيراً ما يقرأُ في ركعتيِ الفجر بآيتين من السورتين المذكورتين، كما في حديث ابن
عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقرأ في ركعتي الفجر
في الأولى منهما { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا } الآية التي في
البقرة وفي الآخرة منهما { آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون } التي في آل
عمران ) .
معلومات عن السورة
بطاقة تعريفها :
اسمها : آل عمران-طيبة -الزهراء
عدد آياتها : مئتان بإجماع القراء
ما اختلف نزولا عن السورة من الآيات : السورة
آياتها كلها مدنية .
ترتيبها نزولا : نزلت بعد البقرة وقبل
الأحزاب، وعلى ذلك تكون السورة الثامنة والثمانين من حيث ترتيب نزولها .
ظروف نزولها : لقد شهد العام الثاني للهجرة
النبوية تحولات جوهرية في تنظيم وتطور الدولة الإسلامية الفتية، فرغم وجود عهود مع
أعدائها في الداخل من أهل الكتاب إلا أنهم ظلوا يطعنون في الإسلام ويخاصمون أهله،
فلم تتوقف مناكفتهم يوما بحجج الوحي، ولم تهدأ مجادلتهم ببراهين العقل، وإن لم يكف
ذلك من غلهم على دولة الإسلام، ولم يخفف من حملاتهم المغرضة عليها، ولكنها إقامة
الحجة في إيضاح المحجة قبل اللجوء إلى السيف ولو تعلق الأمر بألد الأعداء وأعتى
الخصوم.
في الوقت نفسه كانت الحرب العسكرية مع المشركين-
بعد استفراغ كافة الوسائل الدعوية السلمية - قد بلغت ذروتها؛ حيث حمي الوطيس في
غزوة بدر، في هذه الظروف نزلت سورة آل عمران لتؤكد منهج الإسلام في إلزام معتنقيه
بالثبات على منهجه القرآني النبوي تحصينا للعقول المسلمة من زيغ الشبهات، وتشجيعا
للأنفس المؤمنة ضد إرهاب العدو. فبينت الحق ودحضت الباطل وأزالت غبش مزاعم أهل
الشرك من النوعين.
من هم آل عمران
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ
إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً
بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ
قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي
مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ
الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ
وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا
رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا
زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا
رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
يخبر تعالى أنه اختار هذه
البيوت على سائر أهل الأرض ، فاصطفى آدم ، عليه السلام ، خلقه بيده ، ونفخ فيه من
روحه ، وأسجد له ملائكته ، وعلمه أسماء كل شيء ، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها ، لما
له في ذلك من الحكمة .
واصطفى نوحا ، عليه السلام ، وجعله أول رسول [ بعثه ] إلى أهل الأرض
واصطفى نوحا ، عليه السلام ، وجعله أول رسول [ بعثه ] إلى أهل الأرض
واصطفى آل إبراهيم ، ومنهم
: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم ،
وآل عمران ، والمراد بعمران
هذا : هو والد مريم بنت عمران ، أم عيسى ابن مريم ، عليهم السلام .
امرأة عمران هذه أم مريم [ بنت عمران ] عليها السلام
وهي حنة بنت فاقوذ ، قال محمد بن إسحاق : وكانت امرأة لا تحمل ، فرأت يوما طائرا
يزق فرخه ، فاشتهت الولد ، فدعت الله ، عز وجل ، أن يهبها ولدا ، فاستجاب الله
دعاءها ، فواقعها زوجها ، فحملت منه ، فلما تحققت الحمل نذرته أن يكون ( محررا ) أي : خالصا
مفرغا للعبادة ، ولخدمة بيت المقدس ، فقالت
: ( رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك
أنت السميع العليم ) أي : السميع
لدعائي ، العليم بنيتي ، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرا أم أنثى
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي
وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ
كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ
وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)
(فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت) قرئ برفع التاء على أنها تاء المتكلم ، وأن ذلك من
تمام قولها ، وقرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله عز وجل (وليس الذكر كالأنثى) أي: في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد
الأقصى (وإني سميتها مريم
وقوله إخبارا عن أم مريم أنها قالت : ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) أي : عوذتها بالله ، عز وجل ، من شر الشيطان ،
وعوذت ذريتها ، وهو ولدها عيسى ، عليه السلام . فاستجاب الله لها ذلك كما قال عبد
الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه
، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد ، فيستهل صارخا من مسه
إياه ، إلا مريم وابنها
" . ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم : ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم )
يخبر ربنا أنه تقبلها من
أمها نذيرة ، وأنه ( أنبتها نباتا حسنا ) أي : جعلها
شكلا مليحا ومنظرا بهيجا ، ويسر لها أسباب القبول ، وقرنها بالصالحين من عباده
تتعلم منهم الخير والعلم والدين . ولهذا قال
: ( وكفلها زكريا ) وفي قراءة : ( وكفلها زكريا ) بتشديد الفاء
ونصب زكريا على المفعولية ، أي جعله كافلا لها .
آيات للتدبر
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ
مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ
لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)
القرآن العظيم كله محكم كما
قال تعالى { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } فهو مشتمل على
غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } وكله متشابه في
الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ومطابقته لفظا ومعنى، وأما الإحكام والتشابه
المذكور في هذه الآية فإن القرآن كما ذكره الله { منه آيات محكمات } أي: واضحات
الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال { هن أم الكتاب } أي: أصله الذي
يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، { و } منه آيات { أخر متشابهات }أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها مجملة،
أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل
أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا
أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا ولا
يحصل فيه مناقضة ولا معارضة، ولكن الناس انقسموا إلى فرقتين { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي: ميل عن
الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق
الهدى والرشاد { فيتبعون ما تشابه منه } أي: يتركون
المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه { ابتغاء الفتنة } لمن يدعونهم
لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم
الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه، وقوله { وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله } للمفسرين في
الوقوف على { الله } من قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } قولان، جمهورهم
يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها { والراسخون في العلم } وذلك كله
محتمل، فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على { إلا الله } لأن المتشابه
الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله وكيفيتها، وحقائق أوصاف
ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز التعرض
للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته، كما سئل الإمام مالك رحمه الله عن
قوله { الرحمن على العرش [استوى ] } فقال السائل:
كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال
عنه بدعة، فهكذا يقال في سائر الصفات لمن سأل عن كيفيتها أن يقال كما قال الإمام
مالك، تلك الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة،
وقد أخبرنا الله بها ولم يخبرنا بكيفيتها، فيجب علينا الوقوف على ما حد لنا، فأهل
الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى
علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى
إلى الله فيسلمون ويسلمون، وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب
عطف { الراسخون }على { الله } فيكون الله قد
أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو
تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون { كل } من المحكم
والمتشابه { من عند ربنا } وما كان من
عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض وفيه
تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم
مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك. ولما
رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن اتباع المتشابه قال { وما يذكر } أي: يتعظ
بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا { أولوا الألباب } أي: أهل العقول
الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم
فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا
نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة.
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ
وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ
بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ
وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)
يخبر تعالى أنه زين للناس
حب الشهوات الدنيوية، وخص هذه الأمور المذكورة لأنها أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع
لها، قال تعالى { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } فلما زينت لهم
هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها
قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين: قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم
وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة
البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي: وجه
حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء
والعذاب، والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا
لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا
يتزودن منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد
صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم،
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ
اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)
عن بكر بن الأسود قال، سمعت
الحسن يقول: قال قومٌ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إنا نحبّ ربنا!
فأنـزل الله عز وجل: " قُل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم
ذنوبكم
"، فجعل اتباع نبيه
محمد صلى الله عليه وسلم عَلَمًا لحبه، وعذاب من خالفه.
وقال آخرون: بل هذا أمرٌ من
الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لوفد نجران الذين قدموا عليه من
النصارى: إن كان الذي تَقولونه في عيسى من عظيم القول، إنما يقولونه تعظيمًا لله
وحبًّا له، فاتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم.
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
أي: برحمة الله لك
ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت
لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك. {ولو كنت فظا } أي: سيئ الخلق { غليظ القلب } أي: قاسيه، { لانفضوا من حولك } لأن هذا ينفرهم
ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ. فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب
الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق
السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من
الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! أليس
من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما
يعاملهم به صلى الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالا لأمر الله،
وجذبا لعباد الله لدين الله. ثم أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من
التقصير في حقه صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين
العفو والإحسان. { وشاورهم في الأمر }أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في
الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره: منها: أن
المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله. ومنها: أن فيها تسميحا لخواطرهم،
وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس -إذا جمع أهل
الرأي: والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس
بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم
ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا
يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة. ومنها: أن في
الاستشارة تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول.
ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله،
وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله -صلى الله
عليه وسلم- وهو أكمل الناس عقلا، وأغزرهم علما، وأفضلهم رأيا-: { وشاورهم في الأمر } فكيف بغيره؟!
ثم قال تعالى: { فإذا عزمت } أي: على أمر من
الأمور بعد الاستشارة فيه، إن كان يحتاج إلى استشارة { فتوكل على الله } أي: اعتمد على
حول الله وقوته، متبرئا من حولك وقوتك، { إن الله يحب المتوكلين } عليه، اللاجئين
إليه.
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ
: " حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ
سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ " .
نفي الأحزان
قال ابن القيم رحمه الله: " اعلم أن الحزن من عوارض الطريق، وليس من مقامات الإيمان، ولا من
منازل السائرين؛ ولهذا لم يأمر الله به في موضع قط ولا أثنى عليه، ولا رتب عليه
جزاء ولا ثوابًا، بل نهى عنه في غير موضع؛ كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي
ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ [النمل:
70]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المائدة: 26]، وقال: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ
اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة:
40]. فالحزن هو بلية من البلايا التي نسأل الله دفعها وكشفها؛ ولهذا يقول أهل
الجنة: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾ [فاطر:
34]، فحمدوه على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها، وفي الصحيح عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: ( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن...).
والمقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحزن مما يستعاذ منه؛ وذلك لأن الحزن
يضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن،
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [المجادلة:
10]، فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب
المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره؛ كالمرض والألم ونحوهما، وأما أن يكون
عبادة مأموراً بتحصيلها وطلبها فلا، ففرق بين ما يثاب عليه العبد من المأمورات،
وما يثاب عليه من البليات، ولكن يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته[2].
أيها المسلمون، إن من الخير للمسلم أن يبقى سعيداً؛ لكي يكون طريقه إلى الله تعالى مشرقًا؛ فإذا
أظلم بدجى الأحزان كان عليه أن يسعى إلى إزالة تلك الظلمات ما استطاع إلى ذلك
سبيلاً.
إن هذه السورة الكريمة إذا قرأها الحزين آية آية قراءة متدبرة تحت مِظلة الإيمان فإنها
ستجعله يشعر بالسكينة والطمأنينة، وهو يتنقل بين تلك الآيات التي عرضت بعض الأحزان
وبينت الأدوية الشافية منها.
يؤتون الملك من يشاؤون، وينزعونه ممن يشاؤون،
ويعزون من يريدون، ويذلون من يشتهون، فيولّد ذلك الظن الخاطئ في نفوس أولئك
الظانين حزنًا وحنقًا إذا صاروا إلى نقمة بعد نعمة: إلى فقر بعد غنى، وذل بعد عز،
وضيق بعد سعة، وغربة بعد إقامة. غير أن المؤمن عندما يقرأ قوله تعالى في سورة آل
عمران: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ
تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26]. حين يقرأ
هذه الآية بتدبر ينجلي حزنه بيقينه بتقلبات الدنيا، وعلمه بأن ما جرى هو بقدر الله
لا بقدرة أحد، وأن قضاء الله لعبده المؤمن خير كله لا شر فيه مطلقًا.
ففي غزوة أحد لما أصاب الصحابةَ الكرام رضي الله
عنهم وأرضاهم ما أصابهم من القتل والجراح والأحزان في الشوط الثاني من المعركة؛
نزلت الآيات القرآنية في سورة آل عمران بعد ذلك تعالج الموقف، وتضمّد الجراح،
وتأسو الأحزان، وتبين أسباب النكبة، وتسلّي المؤمنين بما لذلك المصاب من الفوائد
والمصالح.
فقد جاءت الآيات الكريمة تنهى الفئة المؤمنة عن الضعف
عن قتال عدوهم، وتنهاهم عن الحزن لما أصابهم، وتكشف بجلاء أن الغلبة والعاقبة لهم
ما داموا ثابتين على الإيمان، فقال: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139].
وجاءت تسلّيهم - رضي الله عنهم - بما فعلوا بكفار
قريش يوم بدر من القتل والقروح حتى أصاب مشركي قريش من المأساة والحزن شيء كثير،
وبينت لهم سنة كونية من سنن الصراع بين الحق والباطل ألا وهي: سنة التداول من نصر
وهزيمة، فلو كان المؤمنون ينتصرون دائمًا لَدخلَ فيهم من ليس منهم.
وتلك الهزيمة التي ذاقوها بسبب معصية الرسول كان
من حِكمها: تمييز المؤمن الصادق من غيره، وإكرام بعض المؤمنين بالشهادة، وتصفية صف
المؤمنين من المنافقين المندسين بينهم.
فقال تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ
قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ
اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ
اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 140-141].
بين سبحانه وتعالى أن دخول الجنة لن يكون إلا بعد
الابتلاء بالمكاره والشدائد، وظهور المجاهدين الصادقين في سبيله، والصابرين في
لقاء أعدائه. فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ
اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل
عمران: 142].
ففي غزوة أحد وفي أوج اضطراب الصف المسلم،
وإمعانًا من المشركين في خلخلة ما تبقى من صفوف المسلمين عن طريق الحرب الإعلامية؛
أشاع المشركون خبراً يقول: إن محمداً قد قتل!، كذبًا منهم وزوراً.
فأثر ذلك على بعض المسلمين حتى قعد عن مواصلة
القتال، حتى جاء أنس بن النضر رضي الله عنه فقال: "ما يجلسكم ؟ قالوا : قُتل
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على
ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل"[5].
فجاءت الآيات الكريمة تعلق على هذا الحدث لتذهب عن
المسلمين غياية الحزن بموت القائد العظيم أو قتله لو حصل، مبيِّنةً أن على أتباع
الحق أن لا يفتروا عن مواصلة الطريق بسبب قتل قائدهم أو موته، بل عليهم استلام
الراية والمضي على دربه حتى الوصول إلى الهدف الذي كان ينشده.
ذاكرةً لهم - رضي الله عنهم - أن رسول الله محمداً
عليه الصلاة والسلام كغيره من الرسل عليه إبلاغ رسالة ربه، فإن مات بانقضاء أجله
أو قتل - كما أُشيع - فإن ذلك لا يدعو إلى الرجوع عن طريقه، وكل إنسان لن يموت إلا
بإذن الله تعالى.
فلا حزن إذاً يثني عن الهدف المنشود للمؤمنين ولو
مات القائد؛ لأن كل إنسان سيموت
من لم يمت بالسيف مات بغيره ♦♦♦ تعددت الأسباب والموت واحد
وأن هذا الطريق هو طريق الأنبياء قبل محمد على
الجميع الصلاة والسلام، الذين قاتل معهم جماعات من الصالحين والعلماء من أتباعهم
فما ضعفوا عن قتال عدوهم بسبب القتل والجراح، ولا خضعوا لهم، بل ثبتوا واستمروا.
قال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ
قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي
اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا
كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ
يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ
نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا
ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا
عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآَتَاهُمُ
اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 144-148].
أيها الأحبة، إن فراق الإنسان لأحبابه من أب أو
ابن أو أخ أو قريب أو صديق؛ شيء يحزن النفس، أولئك الأصفياء الذين قاسمهم السرور
والأُنس في حياتهم، فجاء الموت فأنهى تلك الأوقات السعيدة، فأعقب الحزن بعد تلك
الأيام السارة، فكيف إذا كان الفراق لهم قتلاً من قبل أعداء الإسلام والمسلمين؟
فالإنسان قد يحزن في ذلك المصاب حزنين: حزن الفراق
للحبيب الراحل، وحزن الضعف عن القصاص من الكافر القاتل.
ففي هذه السورة الكريمة سورة آل عمران جاءت الآيات
تسلي ذوي الحزن في موت أحبابهم فتقول لهم: إن كل نفس لابد أن تموت، وإن خير ضروب
الموت: الموتُ في سبيل الله، الذي ينتقل به الشهيد إلى حياة برزخية سعيدة عند الله
تعالى، يجد فيها النعيم والسعادة بإكرام الله له حينما نال الشهادة في سبيله.
فمن كان من الشهداء في سبيل الله فلا ينبغي الحزن
عليهم؛ لأنهم صاروا إلى خير جوار، وظفروا بما كانوا يتمنون، فمن حُبهم: حب الخير
لهم.
وقال: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ
لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 169-171].
قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا
تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ
وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ
الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185]،
أيها المسلمون، من المعلوم أنه لم يصل أهل الكفر
المحاربون للإسلام والمسلمين في القوة العسكرية وما يساعدها إلى مثل ما وصلوا إليه
في عصرنا؛ ولهذا فإن غرورهم بهذه القوة يدفعهم إلى استمرار حربهم للمسلمين، وتجدد
تهديدهم ووعيدهم بين الحين والآخر لأهل الإسلام بالأسلحة الفتاكة والقوات الجبارة
التي يمتلكونها.
ومع توالي التهديدات للمسلمين يصاب بعض المسلمين
بالغم لرؤيته عجز المسلمين عن مواجهة تلك القوى الظالمة.
قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ
قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا
اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا
بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ
اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران: 173-174].
عباد الله، قد يعجب الإنسان من إصرار الكافرين على
كفرهم، وشدة جَلَدهم في حرب الإسلام والمسلمين، بل ومسارعتهم إلى حرب الله تعالى
ورسوله عليه الصلاة والسلام، مع أن دلائل الحق تلوح لهم في الآفاق ببطلان ما هم
عليه. فهذا الأحوال قد تجعل بعض المسلمين يحزن، فجاء الخطاب من الله في هذه السورة
سورة آل عمران للنبي صلى الله عليه وسلم -والخطاب له ولأمته- بأن لا يحزن؛ فإن
الكافرين لن يضروا الله شيئًا، وإن تمتعوا بمتاع الدنيا القليل فسيعقبه عذاب
الآخرة الطويل، فقال تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ
لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا
فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 176].
ومما اختصت به آل عمران فضل خواتيمها، بدءا من
قوله تعالى: { إن في خلق السموات والأرض... } [الآيات:190-200]؛ ما جاء
في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: (بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ
فَقُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وِسَادَةٌ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
طُولِهَا فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَاتِ
الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ) .
فشأن هذه الآيات عظيم، ذلك أن الويل لمن قرأها ولم
يتفكرْ فيها، كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها حين طلب منها عبيد بن عمير أن
تخبره عن أعجب ما رأت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : فسكتتْ . ثم قالت :
لما كان ليلة من الليالي . قال : يا عائشة ، ذريني أتعبدُ الليلةَ لربي ، فقلت :
والله إني لأحبُّ قربَكَ وأحب ما يسرُّك. قالت : فقام فتطهرَ، ثم قام يصلي قالت :
فلم يزل يبكي، حتى بلَّ حِجْرَهُ. قالت : وكان جالساً فلم يزل يبكي حتى بلَّ
لحيتَه قالت: ثم بكى حتى بلَّ الأرض فجاء بلالٌ يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال:
يا رسولَ الله تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبِك وما تأخر؟ قال: "أفلا
أكون عبداً شكوراً؟ لقد أنزِلَتْ عليَّ الليلةَ آيةٌ؛ ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر
فيها" {إن في خلق السماوات والأرض....} الآيات.
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا
خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا
إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ
فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا
وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا
وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ
لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ
أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ
دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ
عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ
الْمِهَادُ (197) لَكِنِ
الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ
خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا
يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)