أدلة البعث و أهمية الإيمان باليوم
الآخر
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ(18) سورة الحشر
أولاً: تعريف اليوم الآخر:
اليوم الآخر هو: يوم القيامة، يوم
البعث والقيام لربِّ العالمين، سُمِّي "اليوم الآخر" لأنه يأتي بعد هذه
الدنيا، ويُسمَّى يوم القيامة لقيام الناس فيه لربِّ العالمين، وله أسماء عديدة،
كلُّ اسم يدلُّ على حدثٍ فيه أو حالٍ من أحوال الناس فيه، وكلها تدلُّ على عظمة
شأنه وخُطورة إنكاره وشَناعة الكُفر به، وفيها تذكيرٌ بأهواله وتنبيهٌ على
الاستعداد له.
" أسماء
يوم القيامة "
ومن مظاهر الاهتمام
باليوم الآخر كثرةُ ذكره في القرآن بأسماء متنوعة ذكر
ابن كثير ليوم القيامة أكثر من ثمانين اسمًا.انظر: النهاية/ الفتن والملاحم تحقيق
د. طه زيني لكل منها دلالته الخاصة، ومن هذه الأسماء :
السَّاعة : قال الله
تعالى :
" إِنَّ السَّاعة لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا " [غافر: 59] .
يوم البعث : قال تعالى : " لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي
كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ " [الروم: 56] .
يوم الدِّين : قال
تعالى :
" مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " [الفاتحة: 4] .
يوم الحسرة : قال تعالى : " وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ
الْحَسْرَةِ " [مريم: 39] .
الدَّار الآخرة : قال
تعالى :
" وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ " [العنكبوت: 64] .
يوم التَّناد : قال
تعالى :
" إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ " [غافر: 32] .
دار القرار : قال تعالى : " وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ
دَارُ الْقَرَارِ " [غافر: 39] .
يوم الفَصل : قال تعالى : " هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ
الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) " [الصافات: 21] .
يوم الجَمع : قال تعالى : " وَتُنْذِرَ يَوْمَ
الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ " [الشورى: 7] .
يوم الحِساب :
قال تعالى
: " هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) " [ص: 53] .
يوم الوعيد : قال تعالى : " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) " [ق: 20] .
يوم الخُلود : قال
تعالى
: " ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) " [ق: 34] .
يوم الخُروج : قال
تعالى :
" يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ
الْخُرُوجِ (42) " [ق: 42] .
الواقعة : قال تعالى
: " إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (1) " [الواقعة: 1] .
الحاقة : قال تعالى : " الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا
الْحَاقَّةُ (3) " [الحاقة: 1- 3] .
الطَّامَّة الكبرى :
قال تعالى
: " فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) " [النازعات: 34] .
الصَّاخَّة: قال تعالى : " فَإِذَا جَاءَتْ
الصَّاخَّةُ (33) " [عبس: 33] .
الآزفة : قال تعالى : " أَزِفَتْ الآزِفَةُ (57) " [النجم: 57] .
القارعة : قال تعالى: " الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا
الْقَارِعَةُ (3) " [القارعة: 1- 3] (
ثانيًا: منزلة الإيمان باليوم الآخر
من الدِّين:
الإيمان باليوم الآخِر هو أحد أركان
الإيمان، وغالبًا يُذكَر هو الخامس منها، وقد دلَّت النُّصوص على فَلاح مَن آمَن
به وعمل له - مخلصًا لله تعالى بما شرع - وعلى كُفر مَن أنكَرَه وجحَدَه؛ قال
تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ [البقرة: 177]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 136].
ثالثًا: كيفيَّة الإيمان باليوم
الآخِر:
الإيمان باليوم الآخِر هو التصديق
بمَجِيئه وما يكونُ فيه والحِكمة منه على النحو الوارد في الكتاب والسُّنَّة،
فيتضمَّن الإيمان باليوم الآخِر أمورًا غيبيَّة لا يتحقَّق الإيمان به إلا
بالتصديق بها واعتقادها والعمل بمُقتضاها؛ وهي:
أ- أحوال الموت والبرزخ: وتتضمَّن:
1. كيفيَّة مجيء الملائكة إلى مَن حضره الموت، وكيفيَّة قبض روحه، وأين
يذهب بها بعد ذلك.
2. السؤال في القبر - أو فتنة القبر - وما جاء في صفته ونتيجته التي
تترتَّب عليه، فيكون عليها مستقبل الميت من حيث امتحانه إلى يوم بعثه.
3. حال الميت في القبر ومدَّة لبثه فيه، وعَلاقة رُوحه بجسده، وما جاءتْ
به النُّصوص من نعيم المثبتين وعَذاب المضلِّين.
ب- مقدِّمات الساعة وتفاصيل يوم القيامة:
1. أشراط الساعة وعلاماتها الكبار والصِّغار.
2. البعث، وهو إحياء الموتى بالنَّفخ في الصُّور النَّفخة الثانية،
فتُعاد الأبدان، وتُنفَخ فيها أرواحها، وتنشقُّ عنها القُبور، ويقوم الناس لربِّ العالمين.
3. الحشر، وهو جمْع النَّاس في موقِف القِيامة في موقفٍ واحد، وصِفته
وحال الناس فيه.
4. الحساب، وهو العَرض على الله تعالى وتَقرير المؤمنين، ومُناقشة
الكافرين كل بعمَلِه.
5. الكتُب وصُحف الأعمال وكيفيَّة أخْذ الناس لها.
6. الموازين وصِفتها ونتيجتها.
10.
الإيمان
بالجنَّة والنار، وما جاء من صِفتهما وحال أهلهما فيهما، وأنهما المآل الأبدي للجن
والإنس.
رابعا: الأدلة على وجود البعث
لقد عرض القرآن
الكريم كثيرا من الأدلة الدالة على اليوم الآخر بطرق وأساليب مختلفة، فمن طرق
القرآن الكريم في تقرير الإيمان باليوم الآخر في قلوب الناس لفت الأنظار إلى كثير
من الآيات والظواهر الموجودة في الكون، والاستدلال بها على وقوع ذلك اليوم العظيم.
أولا:الاستدلال على البعث بمن أماتهم الله ثم أحياهم ، كما اخبر الله تعالى عن ذلك ومنهم :
قوم موسى قال تعالى :( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصعقة وانتم تنظرون ثم بعثنا كم من بعد موتكم لعلكم تشكرون )
أولا:الاستدلال على البعث بمن أماتهم الله ثم أحياهم ، كما اخبر الله تعالى عن ذلك ومنهم :
قوم موسى قال تعالى :( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصعقة وانتم تنظرون ثم بعثنا كم من بعد موتكم لعلكم تشكرون )
المضروب بعضو من
أعضاء البقرة كما قال تعالى : ( وإذ
قتلتم نفسا فادارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها
كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) .قيل إن المقتول ضرب بعضو من أعضاء تلك البقرة التي أمرهم الله
إن يذبحوها كما قال موسى لهم ( إن الله
يأمركم إن تذبحوا بقرة ) فلما ضرب
به حيي واخبر بقاتله ثم عاد ميتا كما كان.
الذين اخبر الله عنهم بقوله تعالى: ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال الله لهم موتوا ثم أحياهم ).
وهؤلاء قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء ففروا هاربين ، قال ابن عباس : " كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا نأتي أرضا ليس بها موت فأماتهم الله تعالى فمر بهم نبي فدعا الله فأحياهم "
الذين اخبر الله عنهم بقوله تعالى: ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال الله لهم موتوا ثم أحياهم ).
وهؤلاء قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء ففروا هاربين ، قال ابن عباس : " كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا نأتي أرضا ليس بها موت فأماتهم الله تعالى فمر بهم نبي فدعا الله فأحياهم "
(أو كالذي مر على قرية
وهي خاوية على عروشها قال آني يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم
بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك
لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعله آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم
نكسوها لحما فلما تبين له قال اعلم إن الله على كل شئ قدير).
سؤال إبراهيم عليه السلام عن كيفية أحياء الموتى ،
قال تعالى : ( وإذ قال إبراهيم رب
أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من
الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم إن
الله عزيز حكيم ).
وقد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم عليه السلام هذا أسبابا منها : أنه لما قال لنمرود (ربي الذي يحي ويميت) أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك إلى عين اليقين وأن يرى ذلك مشاهدة .
أما قوله تعالى : ( فصرهن إليك ) فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أوثقهن فلما أوثقهن ذبحهن ،ثم جعل على كل جبل منهن جزءا فذكروا أنه عمد إلى أربع من الطير فذبحهن ثم قطعهن ونتف ريشهن ومزقهن وخلط بعضهن ببعض ثم جزأهن أجزاء ، وجعل على كل جبل منهن جزءا ، قيل أربعة وقيل سبعة ، قال ابن عباس: أخذ رؤوسهن بيده ثم أمره الله عز وجل أن يدعوهن فدعاهن كماأمره الله عز وجل . فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش ، والدم إلى الدم واللحم إلى اللحم ، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض ، حتى قام كل طائر على حدته وأتينه يمشين سعيا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها ، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم عليه السلام فإذا قدم له غير رأسه يأباه فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته " .
وقد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم عليه السلام هذا أسبابا منها : أنه لما قال لنمرود (ربي الذي يحي ويميت) أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك إلى عين اليقين وأن يرى ذلك مشاهدة .
أما قوله تعالى : ( فصرهن إليك ) فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أوثقهن فلما أوثقهن ذبحهن ،ثم جعل على كل جبل منهن جزءا فذكروا أنه عمد إلى أربع من الطير فذبحهن ثم قطعهن ونتف ريشهن ومزقهن وخلط بعضهن ببعض ثم جزأهن أجزاء ، وجعل على كل جبل منهن جزءا ، قيل أربعة وقيل سبعة ، قال ابن عباس: أخذ رؤوسهن بيده ثم أمره الله عز وجل أن يدعوهن فدعاهن كماأمره الله عز وجل . فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش ، والدم إلى الدم واللحم إلى اللحم ، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض ، حتى قام كل طائر على حدته وأتينه يمشين سعيا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها ، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم عليه السلام فإذا قدم له غير رأسه يأباه فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته " .
ما أخبر الله به عن عيسى عليه السلام من أنه كان
يحيي الموتى بإذن الله كما قال تعالى: (ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق
لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ ألاكمه والأبرص
وأحي الموتى بإذن الله).
ما أخبر الله من قصة
أصحاب الكهف .
وهذه الأدلة المتقدمة
أدلة مادية حسية ، وقعت كلها لتدل على أحياء الموتى بعد مماتهم وهذا برهان قطعي
على القدرة الإلهية وقد أخبر الله ورسله عن وقوع البعث والحشر فوجب القطع بذلك
لأنه أخبر به من ثبت صدقه عمن ثبتت قدرته.
ثانيا الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى ،
ومن الآيات الدالة على ذلك ما يلي :
قوله تعالى: ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهى رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ).
ثانيا الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى ،
ومن الآيات الدالة على ذلك ما يلي :
قوله تعالى: ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهى رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ).
قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة جاء أبي بن خلف لعنه الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم وهو يفته ويذروه في الهواء وهو يقول : يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم يميتك الله تعالى ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار " ونزلت هذه الآيات.
قوله تعالى :( وقالوا أئذا كنا عظما ورفاتا أءنا لمبعوثون
خلقا جد يدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من
يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون
قريبا).
إن شبهات المنكرين
للبعث تكاد تكون متجانسة لأنها تدور حول استبعاد جمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة
الحياة إليها بعد فنائها وهذه الشبه لاتكون إلا بالقدح في كمال علم الله المحيط
بكل شيء وكمال قدرته على كل شيء ، وقد قام البرهان على كمال العلم والقدرة لله
تعالى ، فلا وجه للاستبعاد والاستغراب بعد ذلك ، وفي قوله تعالى : ( قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في
صدوركم ) .يعنى به أنكم مهما تفرقتم وعلى أية حال كنتم
فالله قادر على إعادة الحياة إليكم مرة أخرى ، مع أن المنافاة بين الحجرية
والحديدية وبين قبول الحياة أشد من المنافاة بين العظمة وبين قبول الحياة وذلك أن العظم
قد كان جزءا من بدن الحي ، أما الحجارة والحديد فما كانا البتة موصوفين بالحياة
.
وفي قوله تعالى : ( فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ) . استدلال بالنشأة الأولى على الثانية وهذا هو الشاهد من الآية ، أما قولهم ( متى هو ؟ ) فهو سؤال فاسد كما ذكره الرازي ، لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي حكيناها ، ثم إن الله تعالى بين بالبرهان الباهر كونه ممكنا في نفسه فقولهم متى هو؟ كلام لاتعلق له بالبحث الأول فانه متى ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بإمكانه ، فأما أنه متى يوجد فذاك لايمكن إثباته من طريق العقل بل إنما يمكن إثباته بالدلائل السمعية فان أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف وإلا فلا سبيل إلى معرفته .
وفي قوله تعالى : ( فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ) . استدلال بالنشأة الأولى على الثانية وهذا هو الشاهد من الآية ، أما قولهم ( متى هو ؟ ) فهو سؤال فاسد كما ذكره الرازي ، لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي حكيناها ، ثم إن الله تعالى بين بالبرهان الباهر كونه ممكنا في نفسه فقولهم متى هو؟ كلام لاتعلق له بالبحث الأول فانه متى ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بإمكانه ، فأما أنه متى يوجد فذاك لايمكن إثباته من طريق العقل بل إنما يمكن إثباته بالدلائل السمعية فان أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف وإلا فلا سبيل إلى معرفته .
قوله تعالى : ( وهو الذي يبدؤوا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) في هذه الآية استدلال على البعث بالقياس الأولوي ، وفي قوله تعالى : ( وهو أهون عليه ) ضرب مثل لأنه لا يوجد بالنسبة لله تعالى شيء هو أسهل وشيء هو أصعب وإنما المقدورات عندنا نحن متفاوتة في العسر واليسر باختلاف القدرة التي تزيد وتنقص في حقنا ، ولما كان إيجاد شيء لا من شيء مستحيلا منا ، وإيجاد شيء من شيء ممكنا استعار كلمة أفعل ، وضرب ذلك مثلا ، ولما استحال في حقه العجز والضعف عن إيجاد شيء لا من شيء قال : ( وله المثل الأعلى ) وذلك مطرد في سائر صفاته سبحانه من العلم والقدرة والحياة والرحمة والرضى والغضب ، وكل صفة وصف بها الإنسان من ذلك فان لله تعالى من ذلك ما يليق بجلاله وعظمته وللمخلوق ما يليق بعجزه وضعفه .
قوله تعالى : ( ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف ابعث حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يكن شيئا ).
بهذا المنطق الصحيح والبرهان القاطع يرد القرآن الكريم على ذلك المنكر ويجادله في أسلوب هادئ محكم فيلزمه الحجة الواضحة في أقل من نصف سطر ، وفي الآية كما ترى استدلال على المعاد بالنشأة الأولى .
ثالثا : الاستدلال على إمكان البعث بخلق الأكوان ، مثل السماوات والأرض ، فان خلقها أعظم من خلق الإنسان ، ومن الآيات الدالة عليه ما يلي :
قوله تعالى: (أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ).
وقال تعالى: (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض
ولم يعيا بخلقهن بقادر على أن يحي الموتى بلى انه على كل شيء قدير).
وجميع الآيات السابقة وما في معناها من الآيات أكبر برهان على قدرة الله المطلقة التي لاتقيد بقيود ولتنتهي عند حدود ، فان تلك الآيات الكونية مما هو معروف ببداهة العقول أن خلقها أعظم من إعادة خلق الإنسان .
رابعا: الاستدلال على إمكان البعث بخلق النباتات المختلفة : ومن الآيات ما يلي :
قوله تعالى : ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى انه على كل شيء قدير ).
وجميع الآيات السابقة وما في معناها من الآيات أكبر برهان على قدرة الله المطلقة التي لاتقيد بقيود ولتنتهي عند حدود ، فان تلك الآيات الكونية مما هو معروف ببداهة العقول أن خلقها أعظم من إعادة خلق الإنسان .
رابعا: الاستدلال على إمكان البعث بخلق النباتات المختلفة : ومن الآيات ما يلي :
قوله تعالى : ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى انه على كل شيء قدير ).
عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بين النفختين أربعون . قال : أربعون يوما ؟
قال : أبيتُ ، قال : أربعون شهراً ؟ قال : أبيت ، قال : أربعون سنة ؟ قال : أبيت .
قال : ثم يُنزل اللهُ من
السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً
وهو عجْب الذنَب ومنه يركب الخلق يوم القيامة . رواه البخاري ( 4651 ) ، ومسلم ( 2955 )
خامسا : خلق
الاضداد بعضها من بعض
قال تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ (19) سورة الروم
قال تعالى : ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ).
قال تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ (19) سورة الروم
قال تعالى : ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ).
قال تعالى : ( أفرءيتم النار التي تورون (71) ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن
المنشئون
).
قال تعالى: وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ
فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37 )
سادسا : الاستدلال على البعث بأن حكمة الله وعدله يقتضيان البعث والجزاء . فان الله تعالى لم يخلق الناس عبثا ولن يتركهم سدى قال تعالى : ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى)
وقال تعالى : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)
سادسا : الاستدلال على البعث بأن حكمة الله وعدله يقتضيان البعث والجزاء . فان الله تعالى لم يخلق الناس عبثا ولن يتركهم سدى قال تعالى : ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى)
وقال تعالى : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)
فعدل الله وحكمته
وإحقاقه الحق وإبطاله الباطل وإعطاؤه كل ذي حق حقه وتميزه بين الخبيث والطيب
والمحسن والمسيء كل ذلك يأبى إلا أن يكون هناك يوم آخر بعد نهاية الدنيا ينال فيه
كل إنسان جزاؤه وما يستحقه من الثواب والعقاب على ما قدم من خير أو شر .
فإننا نرى أناسا
يفارقون الدنيا وهم ظالمون لم يقتص منهم ، ونرى أناسا آخرين يفارقون الدنيا
مظلومين لم ترد إليهم مظالمهم ، ونرى أشرارا في الدنيا منعمين ونرى أخيارا فيها
معذبين فإذا ذهب كل إنسان بما فعل إن ظالما أو مظلما محظوظا أو مهضوما كان ذلك
خدشا في عظمة الألوهية وعدلها وقضائها ، فلابد إذن من يوم يحضر الجميع فيه بين يدي
الله ليقتص من الظالم للمظلوم ولينال كل من المحسن والمسيء جزاءه كما قال تعالى : ( ونضع الموازين القسط
ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا
حاسبين ).
وقال تعالى : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات سواء محيا هم ومماتهم ساء ما يحكمون ) ولهذا ه المعاني قال بعض الحكماء " ثبت أن الله عز وجل حكيم والحكيم لا ينقض ما بنى إلا لحكمة أتم من حكمة النقض ولا يجوز أن تكون أنقص ولا مماثلة على مالا يخفى " .
سابعا : الاستدلال على البعث بحصول اليقظة بعد النوم ، فان النوم أخو الموت واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت .
قال تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعلمون ) . ثم ذكر عقبه أمر الموت والبعث فقال تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) ، قال تعالى في آية أخرى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .
والمراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر كما ذكره الرازي وغيره .
هذه لمحة موجزة عن إمكان البعث وتحقق حصوله في ضوء القرآن الكريم .
وقال تعالى : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات سواء محيا هم ومماتهم ساء ما يحكمون ) ولهذا ه المعاني قال بعض الحكماء " ثبت أن الله عز وجل حكيم والحكيم لا ينقض ما بنى إلا لحكمة أتم من حكمة النقض ولا يجوز أن تكون أنقص ولا مماثلة على مالا يخفى " .
سابعا : الاستدلال على البعث بحصول اليقظة بعد النوم ، فان النوم أخو الموت واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت .
قال تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعلمون ) . ثم ذكر عقبه أمر الموت والبعث فقال تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) ، قال تعالى في آية أخرى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .
والمراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر كما ذكره الرازي وغيره .
هذه لمحة موجزة عن إمكان البعث وتحقق حصوله في ضوء القرآن الكريم .
أهمية الإيمان باليوم الآخر
الإيمان باليوم الآخر هو أحدُ أرْكان
الإيمان السِّتَّة، التي لا بدَّ منها، وإذا نظرْنا إلى القرآن الكريم وجدْناه مِن
أوَّله إلى آخِره يُعطي اهتمامًا كبيرًا للتذكير بهذا اليوم، حتى إنَّه لَيقْرِنُ
ذلك بالأحكام التشريعية، فيُلمح إلى ضرورةِ انتِباهِ المكلَّفِ في تعاطيه
للمُعامَلات الدُّنيويَّة إلى أنَّه موقوفٌ غدًا بين يدي ربِّه مجازًى بعمله، إنْ
خيرًا، وإنْ شرًّا.
فمِن ذلك: قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ
عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ
كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [الطلاق: 2].
وقليلةٌ هي السُّوَر التي لم يأتِ فيها
ذِكْرٌ لِقضيَّة البعْثِ والنشور، ممَّا يدلُّ على أهمية الإيمان باليوم الآخِر في
حياة المسلِم خاصَّة، وفي حياة الأمَّة عامَّة.
وقد يوجد كثيرٌ مِن الناس، مَن يؤمِن
بالله تعالى، ولكنَّه لا يؤمن باليوم الآخر، وقد وقع ذلك في قديم الدهْر وحديثِه، فقد كان مُشْرِكو العرب يؤمنون
بالله تعالى، ولكنَّهم لا يؤمنون بالبعْث، واليومَ يوجد في العالَم أعدادٌ غفيرة
تؤمِن بوجود الخالق، ولكنَّها لا تؤمن بقضية البعْث: إمَّا إنكارًا لها واستبعادًا
لوقوعها، يَحْضُرُني مِن ذلك مقولةُ العالِم الألماني الشهير (ألبرت إينشتين): "... فأنا لا أستطيع أنْ أتخيَّل الرَّبَّ الذي يُكَافئ ويُعاقِب
مخلوقاتِه، حسبي أن أتأملَ في سِرِّ خلود الحياة، أتأمَّل في البنيان البديع لهذا
الكون، الذي لا نستطيعُ إدراكَه إلَّا إدراكًا مبهمًا ..." ، مع أنَّ هذا
الرجل ممَّن يقول بنفْي الصُّدفة في إحْداث الكون، وأنَّ وراءه مُحْدِثًا له.
أثر الإيمان باليوم الآخر
تمتدُّ طولًا في الزمان
إلى أبد الآباد، وتمتدُّ في المكان إلى دار أخرى في جنة عرضها السماوات والأرض، أو
نار تتَّسع لكثير من الأجيال التي عمَّرت وجه الأرض أحقابًا من السنين (انظر:
اليوم الآخر في ظلال القرآن)، قال تعالى: “سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ
مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ
لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِه” (الحديد:21).. وقال تعالى: “يَوْمَ نَقُولُ
لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ“ (ق:30).
إن الإيمان بالله واليوم
الآخر وما فيه من ثواب وعقاب هو الموجه الحقيقي لسلوكِ الإنسانِ سبيلَ الخير، وليس
هناك أي قانون من قوانين البشر يستطيع أن يجعل سلوك الإنسان سويًا مستقيمًا كما
يصنعه الإيمان باليوم الآخر .
ولهذا؛ فإن هناك فرقًا
كبيرًا وبونًا شاسعًا بين سلوك من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أن الدُّنيا
مزرعة الآخرة، وأن الأعمال الصالحة زاد الآخرة؛ كما قال الله تعالى: “وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
التَّقْوَى” (البقرة: 197).
هناك فرقٌ بين سلوك من هذا
حاله، وبين سلوك آخر لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب،
“فالمصدق بيوم الدين يعمل وهو ناظر لميزان السماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة
لا لحساب الدُّنيا” (اليوم الآخر، في ظلال القرآن) له سلوك فريدٌ في الحياة، نرى
فيه الاستقامة، وسعة التصور، وقوة الإيمان، والثبات في الشدائد، والصبر على
المصائب؛ ابتغاء للأجر والثواب، فهو يعلم أن ما عند الله خير وأبقى.
روى الإمام مسلم عن صهيب
رضى الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن
أصابته سراء؛ شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء؛ صبر؛ فكان خيرًا له) (صحيح مسلم).
والمسلم لا يقتصر نفعه على
البشرية، بل يمتدُّ إلى الحيوان؛ كما في القول المشهور عن عمر بن الخطاب رضى الله
عنه: (لو
عثرت بغلةٌ في العراق؛ لظننتُ أن الله سيسألني عنها: لِمَ لَمْ تُسَو لها الطريق
يا عمر) (حلية
الأولياء وطبقات الأصفياء) .
هذا الشعور هو من آثار
الإيمان بالله واليوم الآخر، والإحساس بثقل التبعية، وعظم الأمانة، التي تحملها
الإنسان وأشفقت منها السماوات والأرض والجبال، إذ يعلم أن كل كبيرة وصغيرة مسؤول
عنها، ومحاسب بها، ومجازى عليها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر: “يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ
مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ
أَمَدًا بَعِيدًا” (آل عمران: 30).
“وَوُضِعَ الْكِتَابُ
فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا
مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا” (الكهف:49).
والمؤمن مطمئن القلب بأنه
لا يظلم ، وأنه سيأخذ حقه من ظالمه يوما ما.
عن جابر بن عبدالله قال: لمَّا رجَعتُ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى
اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مُهاجرةُ البحرِ قالَ ألا تحدِّثوني بأعاجيبِ ما رأيتُمْ
بأرضِ الحبشَةِ قالَ فِتيةٌ منهم بلَى يا رسولَ اللَّهِ بينا نحنُ جلوسٌ مرَّت بنا
عجوزٌ من عجائزِ رَهابينِهِم تحملُ علَى رأسِها قُلَّةً من ماءٍ فمرَّت بفتًى منهم
فجعلَ إحدى يدَيهِ بينَ كتفيها ثمَّ دفعَها فخرَّت علَى رُكْبتَيها فانكسَرت
قُلَّتُها فلمَّا ارتفَعتِ التفتَتَ إليهِ فقالَت سوفَ تعلَمُ يا غُدَرُ إذا وضعَ
اللَّهُ الكرسيَّ وجمعَ الأوَّلينَ والآخِرينَ وتَكَلَّمتِ الأيدي والأرجلُ بما كانوا
يَكْسِبونَ فسوفَ تعلَمُ كيفَ أمري وأمرُكَ عندَهُ غدًا قالَ يقولُ رسولُ اللَّهِ
صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ صدَقَتْ صدَقَتْ كيفَ يقدِّسُ اللَّهُ أمَّةً لا
يؤخَذُ لضَعيفِهِم من شديدِهِم
المحدث : الألباني | المصدر : صحيح ابن ماجه
«اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلومِ
فإنَّها تُحْمَلُ على الغَمامِ. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: وعزَّتي وجَلالِي
لَأنْصُرَنَّكِ ولَوْ بعدَ حِينٍ» (صحيح).
وأما الذي لا يؤمن بالله
ولا باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء؛ فهو يحاول جاهدًا أن يحقق مآربه في
الحياة الدُّنيا؛ لاهثًا وراء متعها، متكالبًا على جمعها، مناعًا للخير أن يصل
الناس عن طريقه، قد جعل الدُّنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، فهو يقيس الأمور بمنفعته
الخاصة، لا يهمه غيره، ولا يلتفت إلى بني جنسه؛ إلا في حدود ما يحقق النفع له في
هذه الحياة القصيرة المحدودة، يتحرك وحدوده هي حدود الأرض وحدود هذا العمر، ومن ثم
يتغير حسابه، وتختلف موازينه، وينتهي إلى نتائج خاطئة (انظر: اليوم الآخر في ظلال
القرآن) لأنه مستبعد للبعث “بَلْ يُرِيدُ
الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ. يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ” (القيامة: 5،6).
هذا التصور الجاهلي
المحدود الضيق جعل أهل الجاهلية يسفكون الدماء، وينهبون الأموال، ويقطعون الطريق؛
لأنهم لا يؤمنون بالبعث ولا بالجزاء؛ كما صور الله حالهم بقوله تعالى: “وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنيا وَمَا
نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ” (الأنعام: 29) وكما قال قائلهم: إنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع.
وتمر القرون، ويأتي العجب،
فيحدث من الإنكار أكبر من هذا، فنرى إنكارًا كليًا لما وراء المادة المحسوسة؛ كما
في الشيوعية الماركسية الملحدة، التي لا تؤمن بالله تعالى ولا باليوم الآخر، وتصف
الحياة بأنها (مادة) فقط! وليس وراء المادة المحسوسة شيء آخر، فإن زعيمهم (ماركس)
الملحد يرى أنه لا إله! والحياة مادة؛ لا يدركون معنى الحياة وما خلقوا له، بل هم
ضائعون تائهون، إن تحقق لهم اجتماع؛ ففي ظل الخوف من سطوة القانون.
وتجد هذا الصنف من الناس
من أشد الناس حرصًا على الحياة؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت؛ كما قال تعالى
في وصف المشركين من اليهود وغيرهم: “ وَلَتَجِدَنَّهُمْ
أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ
لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ
يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ” (البقرة: 96).
فغير المؤمنين لا يرجون
بعثًا بعد الموت، فتجده ينتشر بينهم: الجشع، والطمع، وقهر الشعوب، واستعبادهم،
وسلب ثرواتهم؛ حرصًا منهم على التمتع بلذات الحياة الدُّنيا، ولهذا يظهر بينهم
الانحلال الخلقي، والسلوك البهيمي.
وهم إذا رأوا الحياة
الدُّنيا تربو متاعبها وآلامها على ما يأملون من لذات عاجلة؛ لم يكن لديهم أي مانع
من الإقدام على الموت، فهم لا يقدرون مسؤولية في حياة أخرى، فليس لديهم ما يمنع من
إقدامهم على التخلص من هذه الحياة.
ومن التقوى أن
يستعد العبد ليوم القيامة والبعث والنشور، فالتقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل
بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل، فلا يكن استعدادكم ليوم الرحيل
بالغفلة والعصيان؛ فإن أهل معصية الله إنما عصوه وخالفوه لقلة يقينهم بلقائه
ووقوفهم بين يديه في انتظار ثوابه أو عقابه، فقادتهم الغفلة عن وقفة الحساب إلى
الاستمرار في المخالفة والعصيان، والتمادي في التفريط والإهمال، لا يذكرون مقامهم
بين يدي الملك الديان: (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ *
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: 4 ـ 6]، فيقومون
في رشحهم وعرقهم، وهولهم ورعبهم، وغمهم وكربهم، وبؤسهم ونكدهم، خمسين ألف سنة في
انتظار فصل القضاء والقصاص بينهم، في محكمة الله العادلة، التي لا يخاف المؤمن
فيها ظلمًا ولا هضمًا: (وَنَضَعُ
الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا
وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47]، فانظر لحالك يا عبد الله، ماذا أعددت ليوم
الرحيل؟! (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون) [الحشر:18]،