عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ادْعُوا
اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ".
أخرجه
الترمذي (5/517 ، رقم 3479). والحاكم (1/670 ، رقم 1817) ، وأخرجه أيضًا:
ابن أبى حاتم كما فى تفسير ابن كثير (4/75) ، والطبراني فى الأوسط (5/211 ،
رقم 5109) ، وابن عدي (4/60 ، ترجمة 912 صالح بن بشير أبو بشر المرى) ،
والرافعي (3/329) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2 / 143).
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي": قَوْلُهُ : (وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ)
وَأَنْتُمْ مُعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُخَيِّبُكُمْ لِسِعَةِ
كَرَمِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَإِحَاطَةِ عِلْمِهِ لِتَحَقُّقِ صِدْقِ
الرَّجَاءِ وَخُلُوصِ الدُّعَاءِ، لِأَنَّ الدَّاعِيَ مَا لَمْ يَكُنْ
رَجَاؤُهُ وَاثِقًا لَمْ يَكُنْ دُعَاؤُهُ صَادِقًا (مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ) أَيْ مُعْرِضٍ عَنْ اللَّهِ أَوْ عَمَّا سَأَلَهُ (لَاهٍ)
مِنْ اللَّهْوِ أَيْ لَاعِبٍ بِمَا سَأَلَهُ أَوْ مُشْتَغِلٍ بِغَيْرِ
اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا عُمْدَةُ آدَابِ الدُّعَاءِ وَلِذَا خُصَّ
بِالذِّكْرِ.
واليقين في القلب لا يري ولكن ترى آثاره في الكلام و الأفعال ، فإن الموقن بالشيء يتعامل معه وكأنه أمر واقع ، يتحدث عنه وكأنه حقيقة لا تقبل الشك ، يرتب حياته وتفكيره على هذا اليقين ، هذا هو اليقين بدليله ، وغلبة الظن ليست بيقين .
ألم تسمع قوله تعالى : " وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" [غافر:60]، وقال: "
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" [البقرة:186]
وهنا عليك أن تجيب على سؤال واضح : هل تؤمن إيمانا جازما بصدق هاتين الآيتين ؟
لا اشك أن إجابتك هي "نعم أؤمن بها إيمانا جازما"
فإذا كان الأمر كذلك وجب عليك ان توقن بإجابة الله لدعائك وأن تتصرف في حياتك على هذا الأساس ، هذا هو اليقين ، وغير ذلك لا يعد يقينا .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي. صحيح البخاري
وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا
دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ وَلا يَقُولَنَّ اللَّهُمَّ
إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ. صحيح البخاري
وهذان الحديثان دليلان أيضا على أن استجابة الله لدعاء عباده أمر مقطوع به ، ولكن الأمر يحتاج إلى يقين ، فإن كنت موقنا كيفما أخبرتك فقد اجيب دعاؤك وإن كنت غير ذلك فقد بدأت عملا ولم تكمله .
الشاهد أنك في الدعاء عليك أن تلتزم بأمور لكي يكون دعاؤك أقرب
إلى الإجابة ، أولها إستحضار القلب في الدعاء ثم التكرار والإلحاح على الله
بهذا الدعاء ، ثم أهم تلك الأمور أن توقن يقينا جازما بأن الله قد تقبل
دعاءك ، وأن تُغير اسلوب حياتك تبعا لما تقتضيه إجابة الله لدعائك ، وأن
تحمد الله وتثني عليه ليل نهار على إستجابته لدعائك ولو لم ترَ أثر تلك الإستجابة
بعد ، لأن مقتضى الإيمان بالله والتصديق بكلامه وكلام نبيه يدفعانك إلى ذلك دفعا .
ادع الله وأنت موقن بالإجابة ، كن موقنا .