أحوال العظماﺀ والمشاهير في كل المجالات الحلال منها والمحرم فوجدت سبب
شهرتهم و ارتفاع قدرهم بين الناس هو انهماكهم في أعمالهم التي يتميزون فيها
عن ، فتجد الواحد فيهم قد أوقف حياته لبلوغ القمة في هذا المجال وحده دون
غيره ، قد قضى كل وقته في هذا المجال وانهمك فيه حتى أنه قد يضحي من أجله ،
فإذا تأملنا مثلا في حياة رجل من كبار الشعراﺀ كالمتنبي أو محمود سامي
البارودي فلاشك أن كليهما كان يمتلك حسا شعريا عاليا ولكن ليس ذلك فقط سبب
نجاهم ولكن أيضا حرصهم على اظهار هذه الملكة واستعمالها والإنهماك في
الإبداع بإستعمالها ، و إذا تأملنا في حياة رجل كالإمام البخاري فقد وهبه
الله القدرة الخارقة على الحفظ ولكنه كان محبا للعلم ولحديث النبي ص ، فكان
يقضي الأوقات الطوال في حفظ الأحاديث و متونها وحفظ أسماﺀ الرواة و سيرهم
حتى أتى على غالب السنة فحفظها واختار اصحها فوضعها في كتابه الذي أصبح أصح
كتاب بعد كتاب الله عز وجل ، وها هو رجل مثل أنشتين العبقري فقد وهبه الله
قدرة عالية على الفهم والتخيل وحل المعضلات الرياضية ، ولكن سبب شهرته ليس
موهبته المجردة بل لأنه استعمل هذه الموهبة وكان يجلس الساعات الطوال في
محاولة لتفسير الظواهر الكونية وحل المعضلات الفيزيائية فكان النظرية
النسبية و نظريات أخرى كثيرة كانت نقاط تحول كبيرة في نظر العلماﺀ للكون
الذي نعيشه ، وها هو الإمام أحمد الملقب بإمام أهل السنة وقد كان الناس
بالآلاف يحضرون مجالسه بعضهم يتعلم من كلامه والبقية يتعلم من سمته وهديه ،
فهل وصل إلى ما وصل إليه إلا بقدرته على الحفظ و ما وهبه الله من محبة
العلم ثم مكابدة البحث عن العلماﺀ وأهل الفضل والرحيل من بلد لبلد في سبيل
البحث عن حديث النبي ص ثم إشغال الذهن بفهمه واستخلاص الفوائد منه ثم
مجاهدة النفس للعمل بما استفاد ، ثم دعوة الغافل و تعليم الجاهل .
وما أكثر الأمثلة من العظماﺀ والمشاهير ، ولكي يكون الإنسان عظيما
كهؤلاﺀ فلابد له من أمرين ، أولهما " أن تعرف قدرات نفسك " و الثانية " أن
تبحث عن مجال تستعمل فيه هذه القدرات فتنفع بها نفسك و الناس جميعا ".
قدرات خاصة يتميز بها عن غالب الناس ، إما ذهنا حافظا أو عقلا فاهما أو
جسدا قويا أو حسا شعريا أو قدرة عالية علي التواصل مع الناس والدعوة إلى
الله أو قدرة على القيادة .... إلخ ، و لا حصر لتنوع المواهب و اختلافها ،
فالله يهب ما يشاﺀ لمن يشاﺀ ، وعلى كل إنسان يريد الشرف والسؤدد أن ينظر
فيما وهبه اللهُ من قدرات فيتخير منها أظهرها وأقواها و ليبحث عن مجال
يفتقر لمثلها ، ثم لينظر في هذا المجال فلا ينشغل بشيﺀ عنه ولا يفكر إلا
فيه ولا يعمل إلا به حتى يتشربه قلبه و عقله و ليأتِ على أوله وآخره حتى
يصل إلى النبوغ فيه فلا يجد أحدا أفضل منه في هذا المجال إلا نافسه حتى
يتفوق عليه لكي لا يضاهيه أحد ، و ليسلك سبيل هذا المجال سبيل الإبداع
والإبتكار وإعمال العقل لكي يفعل ما لم يفعله أحد قبله ، حينها يسطع نجمه و
يشتهر اسمه و يشار إليه بالبنان .
خرجوا من الدنيا كما أتوا ، ذلك بسبب الشتات الذي حكم عقولهم فضيع أعمارهم و
و أذهب جهدهم أدراج الرياح بغير هدف يعيشون به ، فإياك و الشتات ، هدد
مجالك و اعمل عليه حتى تتقنه و ابدع فيه حتى تصير فيه إمام الأئمة ، واستعن
بالله أولا و آخرا ، و اصبر في الطريق حتى تصل ، والحمد لله رب العالمين
