أدلة مشروعية التعدد:
دل على مشروعية زواج الرجل من أربع نسوة الكتاب، والسُّنة،
والإجماع، والمعقول.
أما الكتاب:
1- فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ
مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [النساء: 3].
وجه الدلالة: خيَّر الله عز وجل الرجل بين الزواج من اثنتين، وثلاث، وأربع، ولا يحل له أن
يتزوج فوق أربع حرائر.
والمعنى: فلكم نكاح أربع، فإن لم تعدلوا فثلاثة، فإن لم تعدلوا فاثنتين؛
فإن لم تعدلوا فواحدة، فنقل العاجز عن هذه الرتب إلى منتهى قدرته -وهي الواحدة- من
ابتداء الحِل -وهي الأربع-، ولو كان المراد تسع نسوة لكان تقدير الكلام: فانكحوا
تسع نسوة، فإن لم تعدلوا فواحدة، وهذا من ركيك البيان الذي لا يليق بالقرآن[9]، ونظيره قوله
تعالى: ﴿ أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [فاطر: 1]، ولم يرد أن لكل ملك تسعة أجنحة، ولو أراد ذلك لقال: تسعة، ولم
يكن للتطويل معنى.
2- قوله عز وجل: ﴿ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ
النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا
كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
رَحِيمًا ﴾ [النساء: 129].
وجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: دلت هذه الآية بمفهومها على جواز التعدد، فلو كان التعدد
ممنوعا لعدم استطاعة العدل لقالت الآية: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
حرصتم فلا يجوز لكم التعدد، لكنه سكت عن النهي عن التعدد، ونهى عن الميل كل الميل.
الآخر: أن
الله سبحانه وتعالى نهى عن الميل كل الميل، والميل المسموح به لا يتحقق إلا مع
وجود عدد من النساء[11].
أما السُّنة:
1- فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما،
أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي
الجَاهِلِيَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، «فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ
يَتَخَيَّرَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ».
2- عَنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ رضي الله عنه،
قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثَمَانُ نِسْوَةٍ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
«اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا».
وجه الدلالة من هذين الحديثين: أن
النبي صلى الله عليه وسلم منع من استدامة زيادة أربع، فابتداء نكاح أكثر من امرأة أولى.
أما الإجماع: فقد
أجمع العلماء على مشروعية زواج الرجل من أربع نسوة، ولا
يجوز له الزيادة على ذلك.
الحكمة من التعدد:
لم يشرع الله تبارك وتعالى شيئا إلا وفيه حكم ومصالح عظيمة جليلة علمها من
علمها، وجهلها من جهلها، وفي مشروعية التعدد مصالح وحكم عديدة يمكن تقسيمها ثلاثة
أنواع[75]:
أحدها: بالنسبة للرجل: الرجل بحكم تكوينه مستعد للإخصاب في كل وقت من سنِّه العادي، وتتوقُ
نفسه إلى المتعة ما دام في حال سوية بخلاف المرأة فبحكم تكوينها لا تستعد للإخصاب
مدة الحمل، ومدة الدورة، ومدة الإرضاع، ولا ترغب فيها غالبا، فكان من العدل
والحكمة أن يشرع التعدد.
كما يحقق التعدد للرجل مصلحة عاطفية يريد أن يحصل
عليها في الحلال كأن يحب الرجل امرأة غير زوجته، ولا يمكنه أن يتمتع بهذا الحب إلا
عن طريق الزواج.
الثاني: بالنسبة للمرأة: إذا كانت عقيما، أو مريضة، وتفضل البقاء في عصمة الرجل؛ لحبها له، أو
لعدم قدرتها على الانفصال.
الثالث: بالنسبة للمجتمع: ذلك بضم الأيامى ورعاية الأيتام، وبخاصة في الظروف الاستثنائية،
وبالتعفف عن الفاحشة، وكذلك بزيادة النسل لا سيما في البلاد التي تحتاج إلى
الجنود، والأيدي العاملة.
كما أن التعدد يمنع من الوقوع في الفواحش، والزنا،
وهذا مشهور جدا في الغرب.
لم يطلق علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنة أبي
جهل لأنه لم يتزوجها أصلاً، وإنما خطبها، ولما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه
وسلم خطب الناس على منبره فقال: إن فاطمة بضعة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها،
وإني لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع ابنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم وابنة عدو الله مكاناً واحداً أبداً. فترك علي الخطبة. والحديث في
الصحيحين ومسند الإمام أحمد واللفظ له.
مما سبق يتبين أن التعدد أقله أنه مباح وما قال
أحد أنه مكروه فضلا أن يكون حراما ، أو يقال أنه جائز للضرورة كالمحرمات ، فهذا
تغيير لشرع الله وتحريم لحلال ، وقد قال الله عز وجل ، ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُم مَّاۤ
أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقࣲ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامࣰا وَحَلَـٰلࣰا قُلۡ
ءَاۤللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩]
﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِینَةَ
ٱللَّهِ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّیِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِیَ
لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا خَالِصَةࣰ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۗ
كَذَ ٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ
لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف
٣٢]