السبت، 31 مارس 2012

أسباب حركة الردة

قد يستغرب بعض الناس من انتشار الردة في الجزيرة العربية بعد وفاة النبي ص ، ولكن من اطلع على الاحداث في هذه الفترة بنظرة متأملة ادرك ان انتشار الردة في هذه الفترة كان أمرا متوقعا لأسباب عدة يمكن تلخيصها في النقاط التالية :

١ ) طريقة دخولهم في الإسلام

       لم يدخل العرب في دين الله بأعدادهم الغفيرة إلا بعد رؤيتهم لقوة المسلمين وشدة بأسهم خاصة بعد صلح الحديبية ، حينها سارع رؤساء القبائل بالدخول في الإسلام وقبول الإسلام ولو ظاهرا دون إيمان راسخ وعميق بهذا الدين ، مما يعني أنهم لم يدخلوا  في الدين ابتداءا عن يقين كامل وإنما لتحصيل المصالح وللدخول فى حمى المسلمين ، ولكن ما كان في وسع النبي ص إلا أن يقبل منهم ظاهرهم و يكل ما في قلوبهم إلى الله ، و لكنه حرصا على تثبيت الإسلام في قلوبهم فقد أرسل إليهم من يعلمهم الدين .

      ولكن من ناحية أخرى لم يكن الصحابة -رضي الله عنهم- وخاصة العلماء منهم بالعدد الكبير الذي يمكن النبي -صلى الله عليه وسلم- من توزيع أصحابه علي كل هذه القبائل لتعليمهم الدين ولتزكيتهم ورفع إيمانهم ، خاصة وأن الدولة الإسلامية في هذه المرحلة كانت تخوض حروبا مع القبائل الكبيرة بل مع الروم و أتباعهم من الغساسنة ، الأعداء يحيطون بهذه الدولة الوليدة يريدون القضاء عليها ، لذلك كان الأمر جد خطير ويحتاج إلى أكبر عدد من الصحابة المخلصين الثابتين لتثبيت الناس في الوقوف أمام جيوش الأعداء ، وعلى الرغم من ذلك فقد بعث النبي -صلى الله عليه و سلم- لأكثر القبائل من يعلمهم الدين ، و لذلك فإن أكثر القبائل التي ارتدت كان لا يزال فيها ممن تعلموا على أيدي الصحابة وثبتوا ولم يرتدوا ، حتى أن كثيرا من القبائل انشقت إلى نصفين ، نصف مرتد ونصف ثابت على الاسلام لم يبدلوا ولم يغيروا .

     وقد بين الله في كتابه أن هؤلاء الأعراب لم يدخل الإسلام في قلوبهم وإنما أسلموا بألسنتهم فقط ، قال الله: "(قالت الاعراب أمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم )" ، وهذا ما يفسر إسراع الصحابة رض بتنصيب خليفة للمسلمين وأن يكون من قريش أشرف العرب حتى ....  حتى يصل إلى القبائل خبر وفاة النبي ص وخبر تنصيب خليفة من أشراف العرب في آن واحد فلا تخطر على أذهانهم فكرة الردة أو الإستقلال عن الدولة الإسلامية في ظل فراغ سياسي.

٢ ) تمسكهم الشديد بما تركه لهم آباؤهم و كراهيتهم لأي تغيير في عاداتهم و أخلاقهم

   العرب خصوصا من أكثر الشعوب التي تألف العادة ويصعب عليك تغييرها فيهم سواء أكانت عادة جيدة أو سيئة ،  ولكن ما يهمنا هنا هي الصفات التي دفعتهم إلى الإرتداد عن الإسلام :

* الأنفة الشديدة وإلف العادة

الشخص العربي يتصف بالأنفة الشديدة فهو لا يحب أن يخضع لأحد كائنا من كان ، وهو كذلك إذا اعتاد علي شيء فمن الصعب عليه أن يغيره ، وكانت العرب تستاء كثيرا من أن يفرض عليها أحد شيئا ، لذلك فإن كثيرا من العرب بعد إسلامهم كانوا يفاوضون النبي -صلى الله عليه وسلم- علي الصلاة والزكاة و ترك الخمر وترك الربا وغيرها من أحكام أن يعفيهم من القيام بها ، لأنهم لم يعتادوا ذلك ولأنهم لم يعتادوا الخضوع لشريعة ، ولا شك أن هذه الأمور كانت ثقيلة عليهم جدا خاصة وأنهم في بداية الإسلام.
وكانت الزكاة إحدى أهم الأسباب التي دفعت العرب إلي الردة، ومنهم من منع الزكاة ولم يرتد ، فقد كانت العرب تري الزكاة كنوع إتاوة مفروضة وكأن محمد -صلى الله عليه و سلم- إذلالا لهم ، لذلك امتنعوا عن دفعها بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم .

*العصبية القبلية

الولاء للقبيلة والصراع من أجلها والموت في سبيل نصرتها من الأمور المتجذرة في نفوس العرب في ذلك الوقت ، بل إن كل قبيلة كانت تتفاخر علي باقي القبائل ولا تحب أن يعلوها أحد ، وقد تتقاتل القبائل ذوات الأصول الواحدة لأتفه الأسباب ولكن فقط لتثبت قوتها وعلو شأنها وشدة بأسها ، لذلك لم تكن القبائل العربية يوما متحدة تحت لواء واحد لأنه لن تقبل أي قبيلة أن يترأسها أي أحد من قبيلة أخرى ، ويتضح ذلك جليا عندما سئل أحد أتباع مسيلمة الكذاب عن سبب اتباعه له فقال: "كذاب اليمامة أحب إلينا من صادق مضر" ، أي أنه يعلم بكذب مسيلمة و لكن لأن مسيلمة من قبيلته فإنه سيتبعه .

الشاهد أنه لم يكن أكثر زعماء القبائل براضين عن خضوعهم لأناس من قبيلة أخري ولأنهم أصبحوا خاضعين لأقوام آخرين بعد أن كانوا في قومهم قادة أحرارا .

* حب الزعامة والرئاسة

وهذه صفة متجذرة أيضا في قلوب الناس عموما و العرب خصوصا ، فقد غر بعض الناس ما فعله النبي -صلى الله عليه و سلم- ، أنه كان رجلا واحدا ثم جاء إلى الناس برسالة من عند الله فصدقوه واتبعوه علي دينه فصار قائدا و زعيما لأكثر الجزيرة العربية ، يخشاه القاصى والداني ، و سولت لبعض الناس أنفسُهم ان يكرروا هذه التجربة لعلهم يحصلون علي شيء من هذه الزعامة ، فارتد بعضهم عن الاسلام وادعى النبوة ، وتعلموا السحر والكهانة وخدعوا العوام وقاموا بتأليف كلام ركيك قالوا أنه من الوحي ،  فانخدع بهم بعض العوام من قبائلهم ، كل قبيلة تتبع من يدعي النبوة فيها ، فطمعوا أن تكون زعامة العرب في قبائلهم بدلا من المدينة المنورة ، ومن هؤلاء الكذابين الأسود العنسي في اليمن ومسيلمة بن حبيب في بني حنيفة وسجاح المتنبئة في اليمامة .

*أضف إلى ذلك قول الله عز وجل في سورة التوبة:  "(الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله )"

فمن تأمل كل هذه الأسباب السابقة أدرك أن الردة ليست بالأمر المستغرب بل إنها كانت أمرا متوقعا في ظل هذه الظروف و تلك الأخلاق المتجذرة في نفسية الإنسان العربي في ذلك الوقت .

الشاهد أن حركة الردة لم تكن بسبب بغض الناس للإسلام بل هو بسبب جهلهم بالإسلام بل إنهم لم يعرفوا الإسلام أصلا ، و بسبب ما تعودوا عليه من أخلاق ليس من السهل التخلص منها بين يوم و ليلة .

وليس أدل على ذلك من أن الذين ارتدوا لم يفعلوا ذلك بغضا للإسلام من أن الذين ثبتوا علي الإسلام هم الذين تعاملوا مع النبي -صلى الله عليه و سلم- و أصحابه فترة كافية فتعلموا الإسلام وأدركوا محاسنه وعلموا أن محمد -صلى الله عليه وسلم- ليس بدعي ولا كذاب ولا طالب سلطة أو زعامة أو مال ، لذلك ثبت أهل المدينة وأهل مكة ومن حولهما ، حتى أن القبائل التي ارتدت لم تردد جميعها ، بل ظل الكثيرون علي الاسلام ، فمنهم من ذهب الي البلاد التي ثبتت علي الاسلام ليحتمي بهم ومنهم من قاتل قبيلته مع من جاء إليهم من الصحابة -رضي الله عنهم- ، والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق