أخلاق الرسول
إننا
في هذه الليلة على موعد مع أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أحلى أن يكون
اللقاء عنه! وما أجمل أن تكون الكلمات عنه! ورب الكعبة مهما أوتيتُ من فصاحة
البيان وبلاغة الأسلوب والتبيان، فلن أستطيع أن أوفي الحبيب قدره، كيف لا وهو حبيب
الرحيم الرحمن؟! وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68].
فلقد
خلق الله الخلق واصطفى من الخلق الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل، واصطفى من
الرسل أولي العزم الخمسة، واصطفى من أولي العزم الخمسة إبراهيم ومحمداً، واصطفى
محمداً على جميع خلقه. زكَّاه في خلقه كله فقال جل وعلا: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ
عَظِيمٍ [القلم:4]
دلالة
أخلاقه وأحواله e على نبوته
ومن
دلائل نبوته e كرم أخلاقه وجميل صفاته،
فمثل هذه الكمالات إنما هي بعض منحة الله له، وهي دليل يقنع العقلاء على نبوته e، فما كان لهذه الأخلاق
أن تكون لدعي يفتري على الله الكذب.
قال ابن تيمية:
"ودلائل صدق النبي الصادق وكذب المتنبي الكذاب كثيرة جداً، فإن من ادعى النبوة
وكان صادقاً؛ فهو من أفضل خلق الله وأكملهم في العلم والدين، فإنه لا أحد أفضل من
رسل الله وأنبيائه صلوات الله عليهم وسلامه ...
وإن كان المدعي للنبوة
كاذباً فهو من أكفر خلق الله وشرهم
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ
افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ
وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ۗ
(93) سورة الأنعام
.. ولما كان هذا من أعلى الدرجات وهذا من أسفل
الدركات؛ كان بينهما من الفروق والدلائل والبراهين التي تدل على صدق أحدها وكذب
الآخر ما يظهر لكل من عرف حالهما، ولهذا كانت دلائل الأنبياء وأعلامهم الدالة على
صدقهم كثيرة متنوعة، كما أن دلائل كذب المتنبئين كثيرة متنوعة".[1]
وبهذا
النوع من الدلائل آمن الرهط الأول من المسلمين بالنبي e قبل أن تظهر على يديه معجزاته الباهرة، فأول أهل الأرض إيماناً به
خديجة رضي الله عنها، استدلت لنبوة زوجها بما عرفته من كمال أخلاقه، وعظيمِ خلاله،
فقالت له وقد رجع إليها من غار حراء خائفاً: (كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك
لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).[2] فجعلت - رضي الله عنها -
من كريم خِلاله دليلاً على صدقه ونبوته.
يكفيه
في ذلك وصفُ ربهِ له ]وإنك
لعلى خلق عظيم[ (القلم: 5).
وكثير
من العقلاء رأوا في أخلاقه e دليلاً كافياً على نبوته ، كما سنرى.
كرم
النبي e
ومن
جميل صفاته e كرمُه الفياض، وجُوده
السيّال، كرمُه كرمُ رجل عافت نفسه الدنيا، حتى ما عاد يفرح بإقبالها، ولا يغتم
ولا يهتم بإدبارها، إنه أكرمُ الناس وأجودُهم، وصفه ابنُ عمهِ ابنُ عباس t فقال: (كان رسول الله e أجودَ الناس، وكان أجودَ
ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسُه
القرآن، فلرسولُ الله e أجودُ بالخير من الريح المرسلة).[3]
ومن
رام إثبات ذلك فليصخ السمع وهو شهيد:
وجاء
إليه e رجل فسأله أن يعطيه،
فقال النبي e: ((ما عندي شيء، ولكن
ابتع عليَّ، فإذا جاءني شيء قضيتُه)). فقال عمر: يا رسول الله، ما كلفك الله ما لا
تقدر عليه، فكره النبيُّ e قولَ عمر.
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق، ولا
تخش من ذي العرش إقلالاً.
فتبسم رسول الله e ، وعُرف البِشر في وجهه بقول الأنصاري، ثم قال e: ((بهذا أمرت)).[5]
فعطاؤه مع العوز وقلة ذات اليد، وهذا غاية الجود.
وجاءه
e نفرٌ من الأنصار فسألوه
فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفِد ما عنده، ثم قال: ((ما يكون عندي من خير فلن
أدخره عنكم، ومن يستعففْ يعِفُّهُ الله، ومن يستغن يغنِه الله، ومن يتصبر يصبرْه
الله، وما أعطي أحد عطاء هو خيرٌ وأوسعُ من الصبر)).[6]
وجاءته
امرأة ببردة فقالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكَها، فأخذها رسول الله e محتاجاً إليها، فخرج
إلينا، وإنها لإزاره، فجسَّها رجل من القوم فقال: يا رسول الله اُكسُنيها. قال:
((نعم)).
فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع، فطواها، ثم
أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتَها إياه، وقد عَرفْتَ أنه لا يرد
سائلاً! فقال الرجل: والله ما سألتُها إلا لتكون كفني يوم أموت.[7]
نعم،
إنه e لا يرد سائلاً، ويجود
حتى بما هو أحوج الناس إليه.
في
يوم حنين جاءه رجلٌ فسأله غنماً بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: أيْ
قومِ أسلموا، فوالله إن محمداً ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر!
حلم
النبي e
ومن
عظيم أخلاقه وجميل خلاله e؛ عفوه عمن ظلمه، وحِلمه على من جهل عليه، وذلك أن لا حظَّ لنفسه
في نفسه. ((وما انتقم رسول الله e لنفسه إلا أن تُنتهك حرمة الله فينتقم لله بها)).[9]
وعن
أنس بن مالك t قال: لم يكن النبي e سباباً ولا فحاشاً ولا
لعاناً. كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ((ما له؟ ترِبَ جبينُه)).[10]
ولما
سئلت أمُ المؤمنين عائشةُ عن خلق رسول الله e؛ قالت: ((لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق، ولا
يجزي بالسيئة السيئةَ، ولكن يعفو ويصفح).[11]
وهذه
الصفة من صفاته e مذكورة في الكتب قبل الإسلام، ففي البخاري من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: (والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في
القرآن .. ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن
يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا
الله. ويفتح بها أعيُناً عُمياً، وآذاناً صُماً، وقُلوباً غُلفاً).[12]
إنه
يمتثل أمر ربه وهو يقول له: } فاصفح الصفح الجميل {(الحجر: 85).
قصة الأعرابي الذي أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- في وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاه فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا - قَالَ - وَتَفَرَّقَ النَّاسُ في الوادي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ - قَالَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « إِنَّ رَجُلاً أتاني وَأَنَا نَائِم،ٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلاَّ وَالسَّيْفُ صَلْتًا في يَدِهِ، فَقَالَ لي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ في الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ. قَالَ فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ». ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- (1).
وفي مسند الإمام أحمد:
فَقَالَ الرجل للنبي - صلى الله عليه وسلم-: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ «اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ». فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِه،ِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: « مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟». قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ». قَالَ: لاَ، وَلَكِنِّى أُعَاهِدُكَ أَنْ لاَ أُقَاتِلَكَ، وَلاَ أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ - قَالَ-: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ (2).
الأعرابي
الذي جبَذه: (صحيح البخاري) عن أنس بن مالك، قال: ثم كنت أمشي مع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - وعليه بُرُد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبَذه بردائه
جبذةً شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثَّرت
بها حاشية البُرد من شدة جبْذته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك،
فالتفتَ إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ضحِك، ثم أمر له بعطاءٍ.
يقول أبو هريرة: فلما سمعنا قولَ الأعرابي أقبلنا إليه سراعاً، فالتفت إلينا رسول الله e فقال: ((عزمتُ على من سمع كلامي أن لا يبرح مقامَه حتى آذن له)).
يقول أبو هريرة: فلما سمعنا قولَ الأعرابي أقبلنا إليه سراعاً، فالتفت إلينا رسول الله e فقال: ((عزمتُ على من سمع كلامي أن لا يبرح مقامَه حتى آذن له)).
ثم قال رسول الله e لرجل من القوم: ((يا فلان، احمل له على بعير شعيراً، وعلى بعير
تمراً)). ثم قال رسول الله e لأصحابه: ((انصرفوا)).[13]
} فبما رحمةٍ من الله لنت
لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في
الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين{ (آل عمران: 159).
فلم
يقابل رسول الله إساءة الرجل بمثلها، بل عفا عنه وصفح، ثم أحسن إليه، فرد خيراً
مما أخذ، وهو في كل ذلك يمتثل أمر ربه ومولاه } والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين { (آل عمران: 134).
وأعظم
من ذلك موقفه مع أهل مكة، بعدما أُخرج منها وهي أحب البلاد إليه، وجاء النصر من
الله تعالى، وأعزه سبحانه بفتحها، قام فيهم قائلاً: ( ما تقولون أني فاعل بكم
؟ )قالوا : خيراً ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ، فقال: ( أقول كما قال أخي يوسف
) : { لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللَّه لكم وهو أرحم الراحمين
} (يوسف:92)، ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) رواهالبيهقي .
وهكذا
فإن هذا الصفح وذلكم الحلم، إنما هما بعض أخلاق النبوة التي كساها الله نبيه
وحبيبه e لتكون شاهداً آخر على
نبوته ورسالته.[14]
زهد
النبي e
وإن
من دلائل نبوته e زهادته في الدنيا وإعراضه عنها ترقباً لجزاء الله في الآخرة، ولو
كان دعياً يفتري الكذب لما فرط في دنيا يفتري ابتغاء الكسب فيها، فإعراضُه e عن الدنيا وزهدُه في
متاعها دليل نبوته ورسالته.
وأول
ما نلحظه أنه e ما كان يطلب أجراً على
نبوته من أحد، بل كان يقول بمثل ما قال إخوانُه الأنبياء من قبل: } قل ما أسألكم عليه من
أجرٍ وما أنا من المتكلفين { (ص: 86).
واستغناء
الأنبياء عن أجر الناس وجزائهم دليل على نبوتهم، وأنهم يرقبون الأجر من الله، ولذا
لما دعا مؤمن آل ياسين قومه للإيمان بأنبياء الله قال لهم: } قال يا قوم اتبعوا
المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون { (يـس: 20-21).
ودعونا
نتأمل بعض صنيعه e وبعضَ ما أنزل الله إليه ، ثم ننظر هل هذا صنيعُ دعي كذاب، أم هو
أدبُ النبوة وعبق الرسالة؟
كان
حال النبي صلى الله عليه وسلم على الغاية في التواضع للخلق ، والعبودية لله رب
العالمين ، روى أحمد (7160) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : " جَلَسَ
جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ إِلَى
السَّمَاءِ ، فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : ( إِنَّ هَذَا
الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَ ، قَبْلَ السَّاعَةِ )، فَلَمَّا
نَزَلَ قَالَ : ( يَا مُحَمَّدُ ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ : أَفَمَلِكًا
نَبِيًّا يَجْعَلُكَ ، أَوْ عَبْدًا رَسُولًا ؟ ) ،، قَالَ جِبْرِيلُ: تَوَاضَعْ
لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ. قَالَ: ( بَلْ عَبْدًا رَسُولًا ) " .
قال محققو مسند أحمد : " إسناده صحيح على شرط الشيخين " .
وكان يجلس على الأرض ، ويأكل على الأرض .
قال محققو مسند أحمد : " إسناده صحيح على شرط الشيخين " .
وكان يجلس على الأرض ، ويأكل على الأرض .
وإذا
تأملنا حياة النبي e، ونظرنا كيف كان يعيش r في بيته، فإنا راؤون عجباً، فلكم بقي عليه الصلاة والسلام طاوياً
على الجوع ، لا يجد ما يأكله، وهو رسولُ الله وصفوتُه من خلقه، يقول أبو هريرة:
(ما شبع آل محمد e من طعام ثلاثة أيام حتى قبض).[15]
ورآه
عمر t يتلوى من الجوع، فما يجد
رديء التمر يسد به جَوعَتَه ، ثم رأى t ما أصاب الناس من الدنيا فقال: (لقد رأيتُ رسول الله e يظل اليوم يلْتَوي، ما
يجد دَقَلاً يملأ به بطنه).[16]
والدقل: هو التمر الرديء.
وحين
يجد النبي e طعاماً فإنما يجد خبز
الشعير فحسب، يقول ابن عباس حاكياً حال ابن عمه e: (كان رسول الله e يبيت الليالي المتتابعةَ طاوياً، وأهلُه لا يجدون عشاء، وكان
أكثرُ خبزِهم خبز الشعير).[17]
ومع ذلك فما كان يجد ما يشبعه منه.
وتحكي
أم المؤمنين عائشة لابن أختها عروة حال بيوتات النبي r، فتقول: (ابنَ أختي، إنْ كنا لننظرُ إلى الهلال ثم الهلال، ثلاثةَ
أهلَّةٍ في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله e نار).
فسألها
عروة: يا خالةُ، ما كان يُعيشُكم؟ قالت: (الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان
لرسول الله e جيران من الأنصار كانت
لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله e من ألبانهم، فيسقينا).[18]
وفي
مرة أخرى يطرق باب النبي e ضيف، فلا يجد عليه الصلاة والسلام ما يضيفه، فيرسل إلى بيوته يسأل
نساءه، فلا يجد عندهن شيئاً سوى الماء، فلم يجد رسول الله بُداً من الطلب من
أصحابه أن يضيِّفوه.[19]
وإذا
تساءلنا عن أثاث بيت النبي e ، فإنه e ما كان يعيش إلا كسائر لأصحابه، أما وساده e فتصفه أم المؤمنين عائشة
وتقول: (كان وسادة رسول الله e التي يتكئ عليها من أدَم [جلد مدبوغ]، حشوها ليف).[20]
وأما
فراشه فحصير يترك أثراً في جنبه، يقول ابن مسعود: نام رسول الله e على حصير، فقام وقد
أثَّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وِطاء [فراشاً] فقال: ((ما لي
وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها)).[21]
ودخل
عليه عمر t، فرآه مضطجعاً على حصير
قد أثر في جنبه، وألقى ببصره في خزانة رسول الله e، فإذا فيها قبضةٌ من شعير، نحو الصاع ، وقبضة أخرى من ورق الشجر
في ناحية الغرفة.
قال عمر: فابتدرتْ عيناي بالبكاء. فقال e: ((ما يبكيك يا ابن
الخطاب؟)) قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه
خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى! وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنتَ رسولُ
الله وصفوتُه، وهذه خزانتك!
فقال:
((يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة، ولهم الدنيا؟)) قلت: بلى.[22]
ودخلت
امرأة أنصارية بيته e ، فرأت فراشه مثنية، فانطلقت، فبعثت بفراش فيه صوف إلى بيت النبي e، فلما رآه قال:
((رُدِّيه يا عائشة، فوالله لو شئتُ لأجرى الله عليّ جبال الذهب والفضة)). قالت
عائشة: فرددته.[23]
يجيب
عمرو بن الحارث أخو أمِ المؤمنين جويرية فيقول: (ما ترك رسول الله e عند موته درهماً ولا
ديناراً ولا عبداً ولا أمَة ولا شيئاً؛ إلا بغلتَه البيضاء وسلاحَه، وأرضاً جعلها
صدقة).[24]
تواضع
النبي e
ولقائل
أن يقول: إن كثيرين قد يزهدون بالمال في سبيل الرفعة عند الناس، فما أعظمها من لذة
أن يشير الناس إليه ببنانهم ، وأن يستبقوا إلى إجلال الزاهد وخدمته، فيكون له في
ذلك ما يدعوه على الصبر على الحرمان والفاقة.
وهذا
كله صحيح، فتلك نفوس رتعت بالكبر، وأحبت من الدنيا العلو فيها.
أما
النبي r فقد جمع إلى الزهد
التواضع للناس، ولم يمنعه من ذلك جلالة قدره عند الله ورفعة مكانته عند مولاه وعند
المسلمين.
ولنفتح هذ ا السفر الخالد، ونقرأ فيه ما يحكيه لنا أبو
رفاعة، فقد دخل المسجد والنبي e يخطب، فقال: يا رسول الله، رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري
ما دينه.
قال
أبو رفاعة: فأقبل عليّ رسول الله e، وترك خطبته، حتى انتهى إلي، فأُتي بكرسي حسِبتُ قوائمَه حديداً
قال: فقعد عليه رسول الله e، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها.[26]
روى الطبراني في "
الكبير" (12494) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَيَأْكُلُ عَلَى
الْأَرْضِ ، وَيَعْتَقِلُ الشَّاةَ ، [أي : يمسكها ليحلبها] وَيُجِيبُ دَعْوَةَ
الْمَمْلُوكِ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ ) وصححه الألباني في " الصحيحة "
(2125) .
وروى البغوي في " شرح السنة " (11/ 287) عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُلْ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ ، مُتَّكِئًا ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكَ ، فَأَصْغَى بِرَأْسِهِ حَتَّى كَادَ أَنْ تُصِيبَ جَبْهَتُهُ الأَرْضَ ، قَالَ: (لَا ، بَلْ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ ) وصححه الألباني في "الصحيحة" (544) .
وروى البغوي في " شرح السنة " (11/ 287) عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُلْ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ ، مُتَّكِئًا ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكَ ، فَأَصْغَى بِرَأْسِهِ حَتَّى كَادَ أَنْ تُصِيبَ جَبْهَتُهُ الأَرْضَ ، قَالَ: (لَا ، بَلْ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ ) وصححه الألباني في "الصحيحة" (544) .
وحين
تلاحقه e نظرات الإعجاب من
أصحابه، فتنساب على ألسنتهم عبارات الثناء الممزوجة بالحب، حينها كان r ينهاهم عن إطرائه
والمبالغة في مدحه، فما فتئ لسانه يقول: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم ،
فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه)).[27]
ودخل
عليه رجل فقال: يا سيدَنا وابنَ سيدِنا، ويا خيرَنا وابنَ خيرِنا. فقال رسول الله e: ((يا أيها الناس عليكم
بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بنُ عبدِ الله، عبدُ الله ورسولُه،
والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل )).[28]
وحين
انطلق الصحابة إلى غزوة بدر، كانوا يتعاقبون، كلُّ ثلاثةِ نفرٍ على بعير، وكان
صاحبا النبي e في الركوب عليٌّ وأبو لبابة.
قال
ابن مسعود: وكان إذا كانت عُقْبَة النبي e [أي إذا انتهت مرحلة النبي في الركوب] قالا له: اركب حتى نمشي
عنك. فيقول لهما e: ((ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكُما)). [29]
وحين
شرع الصحابة في حفر الخندق لم يركن النبي r إلى منزلته بين أصحابه، ولم يترفع النبي e عن العمل معهم في الحفرِ
ونقلِ التراب، يقول البراء بن مالك: كان النبي e ينقل معنا التراب يوم الأحزاب.
وكان
r يمقت كل مظاهر الكِبْر
والتميز عن الناس، ومنه كراهيته أن يقوم له أصحابُه، فقد كان يكره ذلك ويمنعهم
منه، يقول أنس: (ما كان شخصٌ أحبَّ إليهم من رسول الله e ، وكانوا إذا رأوه لم
يقوموا؛ لِما يعلمون من كراهيته لذلك).[30]
ورغم
ازدحام وقته وشرف منزلته؛ فإنه e ما كان يأنف من كثير مما يأنف منه دهماء الناس، فضلاً عن أكابرهم،
فما كان r يجد حرجاً أن يمشي في
حاجة الضعفاء ويسعى في قضاء أمورهم ، يقول عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان رسول
الله e يكثِر الذكر، ويُقِل
اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصِّر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين،
فيقضيَ له الحاجة).[31]
لكن
تواضعه e ما كان ليمنع هيبته في
صدور الناس وهم يقفون بين يديه e، فقد أتاه رجل، فكلمه، فجعل الرجل ترْعَد فرائصُه، فقال له e: ((هون عليك، فإني لست
بملكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ تأكل القديد)) [اللحم المجفف]. [32]
وتواضعه
e ليس خلقاً يتزين به أمام
الناس، بل هو خُلَّة شريفة لم تفارقه حتى وهو في بيته وبين أهله، فقد سُئلت عائشة:
ما كان e يصنع في بيته؟ قالت:
(كان يكون في مهنة أهله - تعني: خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)،
وفي رواية لأحمد: (كان بشراً من البشر، يَفْلي ثوبه، ويحلِب شاته، ويخدِمُ نفسَه).[33]
تعبده
لربه وخوفه منه
وإن
من دلائل نبوته وأمارات صدقه e ما رأينا من تعبده لله تعالى وخشيته منه، ولو كان دعياً لما تعبد
لله، ولما أتعب نفسه، ولا ألزمها ضروب العبادة التي قرحت رجليه، بل لكان صنع ما
يصنعه سائر الأدعياء من مقارفة الشهوات واستحلال المحرمات ، فكل ما اشتهى الدعي
أمراً صيره ديناً وشرعة.
ومن
ذلك ما فعله مسيلمة الكذاب، فقد أحل لأتباعه الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة ،
فتكاليف الشريعة لا يطيقها الأدعياء، لذا سرعان ما يتخلصون منها.
أما
النبي e فكان أعبدَ الناس لله
وأخوفَهم منه بما عرف من عظمته وقوته، يقول عليه الصلاة والسلام: ((إني لأرجو أن
أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي)).[34]
وتصف
أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وجَلَه e من ربه، فتقول: ما رأيت رسول الله e مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواتِه، وكان إذا رأى غيماً أو
ريحاً عُرف ذلك في وجهه. فقلت: يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء
أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيتَه عُرف في وجهك الكراهية! فقال e: ((يا عائشة، ما يؤمنني
أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: } هذا عارض ممطرنا { (الأحقاف: 24) )).[35]
يجيبنا
عبد الله بن عمرو، فيقول: كان رسول الله e نائماً، فوجد تمرة تحت جنبه، فأخذها فأكلها، ثم جعل يتضور من آخر
الليل، وفزع لذلك بعض أزواجه فقال: ((إني وجدت تمرة تحت جنبي، فأكلتُها، فخشيتُ أن
تكون من تمر الصدقة)).[36] إن الذي أرَّقَ النبي e خوَّفَه أن تكون التمرة
التي أكلها من تمر الصدقة التي لا تحل له.
وأما
عبادة النبي e لربه، فهي شاهد لا مراء
في صدقه، فهي مما لا يصدر عن دعي يكذب على الله ويضل الناس باسمه، وحاشاه e أن يكون دعياً، فما من
دعي يكذب على ربه ثم يجهد نفسه بالعبادة له.
تروي
لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حال النبي e في ليله، فتقول: كان النبي e يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. فقلتُ له: لم تصنع هذا يا رسول
الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال e: ((أفلا أكون عبداً شكوراً؟)). [37]
وتكرر
بكاؤه e وهو يتضرع بين يدي ربه
ومولاه عارفاً قدرَه وراجياً فضله، يقول عبد الله بن الشِّخِّير t قال: (أتيتُ رسولَ الله e وهو يصلي، ولجوفه أزيز
كأزيز المِرْجَل [أي القِدر] من البكاء).[38]
لقد
كان e كما وصفه ربه } إن ربك يعلم أنك تقوم
أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه { (المزمل:20)، فهل سمعت الدنيا عن مدع للنبوة يقوم نصف ليله يتضرع
لربه ويبكي بين يديه.
وأما
صومه e ، فكان يداوم على صيام
يومي الإثنين والخميس تقرباً إلى ربه وابتغاء رضاه، فعن أبي هريرة t أن رسول الله e قال: ((تُعرض الأعمال
يوم الإثنين والخميس، فأحِبُّ أن يعرض عملي وأنا صائم)) .[39]
ولم
يكن صيامه هذا فحسب ، بل كان e يصوم الأيام المتتابعة ، يقول أنس t: (كان رسول الله e يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه شيئاً، ويصوم حتى نظن أن لا
يفطر منه شيئاً، وكان لا تَشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا
رأيتَه).[40]
وما
كان e يُفوِّتُ على نفسه أجر
الصوم في أيام الصيف الهواجر، يبتغي في ذلك المحبة من ربه والزلفى إليه، يقول
صاحبه أبو الدرداء t: (كنا مع رسول الله e في سفر، وإن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما منا
صائم إلا رسولُ الله e وعبدُ الله بنُ رواحة).[41]
وبقي هذا حاله، لم
يتوانَ عن عبادة ربه، حتى لبى نداء ربه، وهو في كل ذلك يمتثل: } واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
{ (الحجر: 99)، ولو كان
دَعِيّاً لأراح نفسه وأحبابه من جهد القيام في الليل وتفطُرِ الأقدام، ومن الصيام
في الهواجر، لكن هيهات، كيف يريح نفسه وربه يأمره: } فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب {؟ (الشرح: 7-8).
******
من صحيح البخاري ولكنَّ
هذا الحديث وردَ في باب الوحي:
(( أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ
عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ
عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ
أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي
رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا
سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ.
فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ
عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ
أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ .
فَقَالَ أَبُو
سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا
فَقَالَ أَدْنُوهُ
مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ
ثُمَّ قَالَ
لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ
كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ
فَوَاللَّهِ لَوْلا
الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ
ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ
مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو
نَسَبٍ
قَالَ فَهَلْ قَالَ
هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ
قُلْتُ لَا
قَالَ فَهَلْ كَانَ
مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ
قُلْتُ لا
قَالَ فَأَشْرَافُ
النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ
فَقُلْتُ بَلْ
ضُعَفَاؤُهُمْ
قَالَ أَيَزِيدُونَ
أَمْ يَنْقُصُونَ
قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ
قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ
أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ
قُلْتُ لا
قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ
تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ
قُلْتُ لا
قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ
قُلْتُ لا وَنَحْنُ
مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي
كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ
قَالَ فَهَلْ
قَاتَلْتُمُوهُ
قُلْتُ نَعَمْ
قَالَ فَكَيْفَ كَانَ
قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ
مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ
قَالَ مَاذَا
يَأْمُرُكُمْ
قُلْتُ يَقُولُ
اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ
آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ
وَالصِّلَةِ
فَقَالَ
لِلتَّرْجُمَانِ
قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ
عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ
تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا
وَسَأَلْتُكَ هَلْ
قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ
أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ
قَبْلَهُ
وَسَأَلْتُكَ هَلْ
كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ
آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ
وَسَأَلْتُكَ هَلْ
كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ
أَنْ لا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ
وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ
وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ
النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمِ
اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ
وَسَأَلْتُكَ
أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ
الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ
وَسَأَلْتُكَ
أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ
أَنْ لا وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ
وَسَأَلْتُكَ هَلْ
يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ
وَسَأَلْتُكَ بِمَا
يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلا
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ
بِالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا
فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ
وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ
أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ
أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ
لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى
فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ
الرُّومِ سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ
بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ
فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ ( يَا أَهْلَ
الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لا
نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ
مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ
وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ
أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا
أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلامَ ))
[1] الجواب الصحيح (1/127-129).
[2] رواه البخاري ح (4)، ومسلم ح (160).
[3] رواه البخاري ح (6) ، مسلم ح ( 2308).
[4] رواه البخاري ح (2820).
[7] رواه البخاري ح (5810).
[11] رواه الترمذي ح (2016)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (5820).
[12] رواه البخاري ح (2125).
[13] رواه النسائي ح (4776)، وأبو داود ح (4775).
[14] يعلق المستشرق الأمريكي
واشنجتون إيرفنج في كتابه "حياة محمد" على عفو النبي r عن قريش عند فتح
مكة بقوله: "كانت تصرفات الرسول [r] في مكة تدل على أنه نبي مرسل، لا على أنه قائد مظفر، فقد أبدى
رحمة وشفقة على مواطنيه، برغم أنه أصبح في مركز قوي، ولكنه توّج نجاحه وانتصاره
بالرحمة والعفو". قالوا عن الإسلام، عماد الدين خليل ص (81).
[15] رواه البخاري ح (5374).
[16]
رواه مسلم ح (2978).
[17] رواه الترمذي ح (2360)، وابن ماجه ح (3347)، وأحمد ح (2303)، وحسنه
الألباني في صحيح ابن ماجه ح (2703).
[18] رواه البخاري ح (2567)، ومسلم ح (2972).
[20] رواه البخاري ح (6456)، ومسلم ح (2082)، اللفظ له.
[21] رواه الترمذي ح (2377)، وابن ماجه ح (4109)، وأحمد ح (3701)، وصححه
الألباني في صحيح ابن ماجه ح (3317).
[22] رواه البخاري ح (4913)، ومسلم ح (1479) ،
واللفظ له.
[23] رواه البيهقي في الشعب ح (1449)، وأحمد في الزهد ح (77)، وحسنه
الألباني في صحيح الترمذي ح (3287).
[24] رواه البخاري ح (2739).
[25] رواه أحمد ح (2719).
[26] رواه مسلم ح (876).
[28] رواه أحمد ح (12141).
[29] رواه أحمد ح (3769).
[30] رواه أحمد ح (11936)، والترمذي ح (2754)،
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[33] رواه البخاري ح (676)، وأحمد ح (25662).
[35] رواه البخاري ح (4829)، ومسلم ح (899).
[36] رواه أحمد ح (11400)، وابن ماجه (2201).
[38] رواه النسائي ح (1199)، وأبو داود ح (769)، وأحمد ح (15722)، واللفظ
له، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (1000).
[39] رواه الترمذي ح (678)، وابن ماجه ح (1730)، وصححه الألباني في صحيح
الترغيب والترهيب ح (1041).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق