الأحد، 8 يوليو 2018

كن ذا أثر

كثيراً ما تمعنت الفكر في أفضل ما يصنعه الإنسان في حياته ، ليموت حين يموت وهو غير نادم علي المسار الذي اتخذه في حياته ، ليرى أن حياته كانت ذا أثر طيب في هذه الدنيا ، عندما تفجأه منيته أمامه فينظر خلف ظهره ليري حياته فيسعد بها ، ويستبشر بها خيراً فيما يجده أمامه. 

لا شك أن الحياة القائمة علي طاعة الله هي خير ما يصنعه الإنسان ليسعد بعمله عند موته ، ولكن لا أتكلم عن حسن سيرة العبد في نفسه ، بل أتكلم عن أثره في الدنيا أيضاً ، أن يخرج الإنسان من الدنيا فيجد أنه قد خلف وراءه أثراً طيباً ، ومنهجاً حسناً وشيئاً ينفع الله به الناس. 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ : مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " .

وخير ما يتركه الإنسان من أثر هو أن يكون للناس  "أسوة" يُقتدي بها ، أن يكون تطبيقاً عملياً لخير منهج ، أن يكون مثالاً حياً لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فإن أثر رجل في مائة رجل أعظم من كلام مائة رجل في رجل ، و حاجة الناس إلى القدوة أحياناً تكون أشد من الطعام والشراب ، فكم من إنسان يتمني أن يكون لله طائعاً تقيا ولا يجد من يعينه ، ولا يجد مثالاً عملياً يتأسي به ، لا يجد إلا الفساد والمفسدين ، فعندما تكون مثالاً قوياً حكيماً مطبقاً لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، لا شك أن هذا يترك في الناس أثراً عظيماً طيباً قد يبقى في ذريتهم من بعدهم ، فتكون لك مثل أجرهم وأجور ذريتهم من بعدهم وكل ذلك في ميزان حسناتك.

وأنت لا تحتاج إلى إفتعال القدوة أو أن تتكلفها ، فيكفيك أن تكون ربانياً قرآنياً ، أن تكون عابداً لله سبحانه تقياً بعيداً عن كل ما حرم الله ، مجتهداً في العبادات قدر استطاعتك ، داعياً إلى الله آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، أن تكون زاهداً في الدنيا كريماً عفواً ، ذو خلق حسن واصلا لرحمك مصلحاً بين الناس ، مخلصاً لله في كل ذلك. 

قد لا يكون الإنسان قادراً علي أن يكون قدوة لغيره ولكنه ذو مال ، فيستطيع أن يتصدق بصدقة جارية ، كأن يوقف مسجداً أو ربح تجارة لله سبحانه ، وهذا أثر عظيم قد يستمر بعده لكنه أقل من سابقه. 

قد يكون الأثر الذي يتركه الإنسان علم ينتفع به ، قد يكون هذا العلم خطب أو دروس أو كتب أو فيديوهات أو دروس صوتية أو غيرها من وسائل نقل العلم ، والعلم الأقرب والأنفع والأفضل هو العلم الذي يوصل إلى الله ويقرب من الجنة ، ولكن غيرها من العلوم لا بأس بها أن تكون أثرا يتركه الإنسان إن صحت النية لله. 

وقد يكون الأثر هو ولد صالح يحسن الوالد تربيته وأدبه فيصبح تقياً حسن الخلق بار بوالده فيدعو له بعد موته ، وأرى أن هذا أقل أثر قد يتركه الإنسان بعده ، هذا من حيث الأصل ، ولكن قد يبارك الله في المفضول فيصير بفضل الله أشد أثراً مما هو أفضل منه. 

أما أن يموت الإنسان ولم يترك بعده أثر في الناس ولا صدقة جارية ولا علم ينتفع به ولا حتي ولد صالح يدعو له ، فهذا يكون حياته في الدنيا وموته سواء ، قد يختم له بخير ويكون من أهل الجنة ، ولكن لم ينتفع بحياته أحد ، ويتوقف عمله وينقطع بانقطاع حياته. 

فاللهم اجعل لنا خير أثر في الدنيا واجعل عملنا هذا خالصاً لوجهك واكتب لنا به عندك أجراً.