الآية
|
الترتيب في السورة
|
الترتيب في القرآن الكريم
|
| 1 | 1 | |
| 2 | 2 | |
| 3 | 3 | |
| 4 | 4 | |
| 5 | 5 | |
| 6 | 6 | |
| 7 | 7 | |
| 8 | 8 | |
| 9 | 9 | |
| 10 | 10 | |
| 11 | 11 | |
| 1 | 12 | |
| 2 | 13 | |
| 3 | 14 | |
| 4 | 15 | |
| 5 | 16 | |
| 6 | 17 | |
| 7 | 18 | |
| 1 | 19 | |
| 2 | 20 | |
| 3 | 21 | |
| 4 | 22 | |
| 5 | 23 | |
| 6 | 24 | |
| 7 | 25 | |
| 8 | 26 | |
| 9 | 27 | |
| 10 | 28 | |
| 1 | 29 | |
| 2 | 30 | |
| 3 | 31 | |
| 4 | 32 | |
| 5 | 33 | |
| 6 | 34 | |
| 7 | 35 | |
| 8 | 36 | |
| 9 | 37 | |
| 10 | 38 | |
| 11 | 39 | |
| 12 | 40 | |
| 13 | 41 | |
| 14 | 42 | |
| 15 | 43 | |
| 16 | 44 | |
| 1 | 45 | |
| 2 | 46 | |
| 3 | 47 | |
| 4 | 48 | |
| 5 | 49 | |
| 6 | 50 | |
| 1 | 51 | |
| 2 | 52 | |
| 3 | 53 | |
| 4 | 54 | |
| 5 | 55 | |
| 6 | 56 | |
| 1 | 57 | |
| 1 | 58 | |
| 2 | 59 | |
| 3 | 60 | |
| 1 | 61 | |
| 2 | 62 | |
| 3 | 63 | |
| 4 | 64 | |
| 5 | 65 | |
| 6 | 66 | |
| 7 | 67 | |
| 1 | 68 | |
| 1 | 69 | |
| 1 | 70 | |
| 2 | 71 | |
| 3 | 72 | |
| 4 | 73 | |
| 5 | 74 | |
| 1 | 75 | |
| 1 | 76 | |
| 2 | 77 | |
| 3 | 78 | |
| 1 | 79 | |
| 1 | 80 | |
| 2 | 81 | |
| 3 | 82 | |
| 1 | 83 | |
| 2 | 84 | |
| 3 | 85 | |
| 1 | 86 | |
| 1 | 87 | |
| 1 | 88 | |
| 1 | 89 |
السبت، 9 نوفمبر 2019
نداء "يا أيها الذين آمنوا" في القرآن الكريم
الإبتلاء في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقصة وفاته
مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -:
في صبيحة يوم الاثنين التاسع من ربيع الأول، لأول
عام من حادثة الفيل، الموافق للعشرين من أبريل من سنة 571 م ولد نبي الرحمة والرسول الكريم وخاتم النبيين وأشرف المرسلين وأكرم
الخلق: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة
بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن
إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وذكرت بعض الروايات أن أمه آمنة بنت وهب لم تجد في
حملها ما تجده النساء عادة من ألم وضعف، بل كان حملا سهلا يسيرا مباركا، كما روي
أنها سمعت هاتفا يهتف بها قائلاً:
"إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع على الأرض فقولي: إني أعيذه
بالواحد من شر كل حاسد، وسميه محمدا".
عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم أنهم قالوا : يا رسول
الله ، أخبرنا عن نفسك. قال : ( دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورأت أمي حين
حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام ) . رواه ابن إسحاق
بسنده ( 1/166 سيرة ابن هشام ) ومن طريقه أخرجه الطبري في تفسيره ( 1/566) ،
والحاكم في مستدركه ( 2/600) وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي ،
وانظر السلسلة الصحيحة (1545) .
بيئة النبي - صلى الله عليه وسلم - ونشأته:
وكانت الجزيرة العربية في ذلك الوقت قد انتشرت
فيها عبادة الأصنام والأوثان، والإيمان بالخرافات والجهالات، كما انتشرت الأخلاف
الوضيعة والعادات السيئة والتقاليد القبيحة مثل: الزنى، وشرب الخمر، والتجرؤ على
القتل وسفك الدماء، وقتل الأبناء ووأد البنات - أي دفنهن حيات - خوفا من الفقر أو
العار.
كما كان يسود التعصب القبلي الشديد الذي يدفع
صاحبه إلى مناصرة أهل قبيلته بالحق أو البطل، والتفاخر بالأحساب والأنساب، والحرص
على الشرف والمكانة والسمعة الذي كان كثيرا ما يفضي إلى حروب ومعارك بين القبائل
تستمر سنوات طويلات، وتسفك فيها الدماء رخيصة، على الرغم من تفاهة الأسباب التي اشتعلت
بسببها تلك الحروب.
ورغم نشأة النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم
- في هذه الأجواء الجاهلية إلا أنه منذ صغره لم يتلوث بأي من هذه الوثنيات
والعادات المنحرفة، ولم ينخرط مع أهل قبيلته في غيهم وظلمهم، بل حفظه الله من
الوقوع في أن من ذلك منذ نعومة أظفاره.
وينتسب النص الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم -
إلى أسرة عريقة ذات نسب عظيم عند العرب، فقد كان أجداده من أشراف العرب وأحسنهم
سيرة.
وقد ولد - صلى الله عليه وسلم - يتيمًا ، فقد توفي
والده عبد الله أثناء حمل أمه آمنة بنت وهب فيه.
نعم إخوتاه، مات أبوه، فلم يره، وآه ثم آه ممن مات
أبوه، فعاش يتيماً، يزهد فيه الناس ويتوارون عنه، حتى المرضعات اللاتي يأتين من
البادية كلهن زهدن فيه لَمَّا علمن يتمه، ولم تأخذه إلاَّ حليمة مرغمة إذ لم تجد
غيره، وكم هو قاس على قلب طفل صغير أن يُحرم من كلمة "أبي" مثل أقرانه،
وأن يُحرم من عطف الأب وحنانه.
وكان من عادة العرب أن يدفعوا أولادهم عند ولادتهم
إلى مرضعات يعشن في البادية؛ لكي يبعدوهم عن الأمراض المنتشرة في الحواضر، ولتقوى
أجسادهم، وليتقنوا لغة العرب الفصيحة في مهدهم.
ولذلك دفعت آمنة بنت وهب وليدها محمد - صلى الله عليه
وسلم - إلى مرضعة من بني سعد تسمى حليمة.
وقد رأت حليمة العجائب من بركة هذا الطفل المبارك
محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث زاد اللبن في صدرها، وزاد الكلأ في مراعي
أغنامها، وزادت الأغنام سمنًا ولحمًا ولبنًا، وتبدلت حياة حليمة من جفاف وفقر
ومشقة ومعاناة إلى خير وفير وبركة عجيبة، فعلمت أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم -
كونه ليس مثل كل الأطفال، بل هو طفل مبارك، واستيقنت أنه شخص سيكون له شأن كبير،
فكانت حريصة كل الحرص عليه وعلى وجوده معها، وكانت شديدة المحبة له[5].
ولكن لا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يتعرض النبي
الكريم صلى الله عليه وسلم لنوعٍ آخَر أشد وأقسى من اليتم، ولكن هذه المرة يفقد
أمه آمنة، فتموت أمه وهو طفل لم يتجاوز السادسة من عمره، نعم، تموت نبع الحنان
ومصدره في هذه الحياة ليبقى طفلاً وحيداً في هذه الدنيا بغير أب أو أم.
ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد؛ بل يموت جده
لأبيه عبد المطلب، وكان أرأف الناس بحفيده صلى الله عليه وسلم إذ انتقل معه في
بيته ليعيش في كنفه ورعايته، ولكن الموت لم يمهله، فيموت وعمره الشريف صلى الله
عليه وسلم ثمانية أعوام.
فينتقل إلى عمه أبي طالب ليعيش معه، ولكن كان أبو
طالب كثير العيال، قليل المال رغم حسبه ونسبه ومكانته في قومه، فينهض رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو صبي يرعى الغنم ليخفف من عبء عمه أبي طالب.
وفي صغره كان النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - يعمل في رعي الأغنام، فرعى الغنم وهو صبي صغير، وقد أخبر أصحابه رضي الله عنهم، بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) رواه البخاري، (1/418)، (ح2306).
ثم اتجه للعمل في التجارة حين شب، وأبدى مهارة كبيرة في العمل التجاري، وعرف عنه الصدق والأمانة وكرم الأخلاق وحسن السيرة والعقل الراجح والحكمة البالغة.
العناية الإلهية قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم -:
وكان نبي الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ينأى
بنفسه عن كل خصال الجاهلية القبيحة، فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل من الذبائح التي
تذبح للأصنام، ولم يكن يحضر أي عيد أو احتفال يقام للأوثان، بل كان معروفًا عنه
كراهيته الشديدة لعبادة الأصنام وتعظيمها، حتى أنه كان لا يحب مجرد سماع الحلف
باللات والعزى وهما صنمان مشهوران كان العرب يعظمونهما ويعبدونهما ويكثرون الحلف
بهما.
ولم يكن نبي الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم -
يشارك شباب قريش في حفلات السمر واللهو ومجالس الغناء والعزف والخمر، وكان يستنكر
الزنى واللهو مع النساء.
و كان الله - سبحانه - يحرسه ويرعاه على الدوام ؛ فذات يوم فكر
أن يلهو كما يلهو الشباب ، فطلب من صاحب له أن يحرس اغنامه ، حتى ينزل مكة ويشارك
الشباب في لهوهم ، وعندما وصل إليها وجد حفل زواج ، فوقف عنده ، فسلط الله عليه
النوم ، ولم يستيقظ إلا في صباح اليوم التالي .
وكان الرسول العظيم محمد - صلى الله عليه وسلم -
يمتاز في قومه بالأخلاق الصالحة، حتى أنه كان أعظمهم مروءة، وأحسنهم خلقًا،
وأكثرهم حلمًا.
فاشتهر عنه مساعدة المحتاجين، وإعانة المبتلين،
وإكرام الضيوف، والإحسان إلى الجيران، والوفاء بالعهد، وعفة اللسان، وكان قمة في
الأمانة والصدق حتى عرف بين قومه بـ
"الصادق الأمين"
بعثته ولقائه بجبريل
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ
الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ
فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ
إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ
التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ
وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا
حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ
اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ
مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ
فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ
أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي
الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ
الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ
فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي
فَقَالَتْ خَدِيجَةُ كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ
لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي
الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ
حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى
ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ
بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا
قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا
النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا
لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ
بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ
نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ
الْوَحْيُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ وَهُوَ
يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي
إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ
الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ فَرُعِبْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فأَنْزَل
اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ} إلى قوله
{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}، والرُّجْزُ: الأوثانُ، ثُمَّ تَتَابَع بعدَ ذلك الوَحْيُ
على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وحَمِيَ، أي: اشتَدَّ وكَثُرَ نُزولُه
وازدادَ.
أذية قريش له ولمن تبعه
يبدأ الأذى من قِبل الكفار، فيُوصَف ما جاء به
الرسول صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور والضياء والشفاء والرحمة، يُوصَف بأنه
شِعر أو سحر أو كهانة، فيُتَّهَم بأنه صلى الله عليه وسلم، مجنون وشاعر
وساحر وكاهن، ويأتي الاتهام بالسحر، ومثلُه في سياق العجز والهروب من العقل: ﴿ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا
لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ [الصافات:
36]، وبينما يتهمه المشركون بهذه التهم ينفيها عنه رب العالمين: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي
لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ [يس: 69]، ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ
تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ
يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الطور: 30، 33]، ويستمر مسلسل التعريض والسخرية به
صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾[الزخرف:
31]، فيشكك في استحقاقه لرسالة ربه سبحانه وتعالى.
ويحزن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أنه
على الحق، وأنه يدعو إلى الهدى والنور، فيُواجَه بهذا السيل من التهم والافتراءات،
فينزل القرآن مرة أخرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثَبِّتًا له ومؤيدًا
وآمرًا له صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يقول الكافرون: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي
يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ
اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ
كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى
أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ
نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ
كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا
فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ
اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأنعام:
33 - 35].
وكان المشركون يشتمون ويسبون النبي صلى الله عليه
وسلم فكانوا يُسمونه مُذمَّمًا بدلاً من اسمه "مُحَمَّد"، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَلَا
تَعْجَبُونَ كيف يَصْرِفُ اللَّهُ عنِّي شَتْمَ قريشٍ وَلَعْنَهُمْ، يَشْتِمُونَ
مُذَمَّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ!).
ومن باب السخرية كان المشركون يسألون النبي صلى
الله عليه وسلم المعجزات على سبيل التعجيز والاستهزاء حينما يفاجَؤُون بالدلائل
والمعجزات؛ فعن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: "انْشَقَّ الْقَمَرُ على
عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنِ على هذا الْجبلِ
وعلى هَذَا الْجبلِ، فقالوا: سحرَنَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ
سَحَرَنَا، فَمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ"
ومن صور الإيذاء محاولة خنق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فبينما كان صلى الله عليه وسلم يصلي، إذ أقبل عقبة بن أبي مُعَيط، فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ منكبه، ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟!".
ظل صلى الله عليه وسلم صابرًا
محتسبًا، لم تَثْنِهِ الشدائد عن دعوته، ولم تصرفه الإغراءات عن منهجه، وظلت
كلماته التي خاطب بها عمه أبا طالب حين ناقشه أمْرَ العدول عن دعوته، تُصِمُّ آذان
كل عدو؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم فيما روي عنه: ((والله يا عَمِّ، لو وضعوا
الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته، حتى يُظْهِرَه
الله، أو أهْلِكَ دونه)).
و يري النبي صلى الله عليه وسلم
أصحابه يعذبون أشد العذاب ، يضربون ويهانون وكل هذا ينزل على قلب النبي صلى الله
عليه وسلم يعتصر ألما ، وهو لا يملك لهم شيئاز
حصاره في شعب أبي طالب
أبرموا فيه أنه على أهل مكة بكاملها في علاقتهم
مع بني عبد مناف ما يلي: أن لا يناكحوهم -لا يزوّجونهم- ولا يتزوجون منهم، وأن لا
يبايعوهم، لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم، وأن لا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا
يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، وأن لا يقبلوا من بني هاشم وبني المطلب صلحًا أبدًا،
ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسْلموا رسول الله لهم للقتل.
لقد استجابت كلُّ قبائل قريش للأمر، وعلَّقت
الصحيفة في جوف الكعبة، وقد
تقاسموا بآلهتهم على الوفاء بها، وبالفعل بدأ تنفيذ هذا الحصار الرهيب في أول ليلة
من ليالي المحرَّم في السنة السابعة من البعثة[6]، وقد دخل بنو هاشم
وبنو المطلب، مؤمنهم وكافرهم، إلى شعب أبي طالب وتجمَّعُوا فيه، ومعهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم وذلك ليكونوا جميعًا حوله لحمايته من أهل مكة.
وبدأت مرحلة جديدة من المعاناة والألم، ولونٌ
جديد من ألوان الابتلاء، تلك التي عاشها المسلمون في رحلة الدعوة الإسلامية، فقد
قُطِع الطعام بالكلية عن المحاصرين، فلا بيع ولا شراء، حتى الطعام الذي كان يدخل
مكة من خارجها وكان يذهب بنو هاشم لشرائه، كان القرشيون يزيدون عليهم في السعر حتى
لا يستطيعوا شراءه؛ ومن ثَمَّ يشتريه القرشيون دون بني هاشم، وقد بلغ الجهد
بالمحاصرين حتى كان يُسمع أصوات النساء والصبيان يصرخون من شدَّة وألم الجوع، وحتى
اضطرُّوا إلى التقوُّت بأوراق الشجر؛ بل إلى أكل الجلود.
رحلة الطائف
ولم يتوقف الإيذاء عند هذا الحد، فلما يئس رسول
الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة خرج باحثًا عن ملاذ جديد للدعوة الإسلامية،
فوقع اختياره على الطائف، فقرَّر النبِيُّ صلى الله عليه وسلم أن يَخرج بالدَّعوة
من مكة إلى الطائف؛ لعلَّه يجد بينهم من يؤمن بهذه الرِّسالة الخالدة، ويطلب
النُّصْرة والعونَ من أهلها، ويَرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عندِ الله
تعالى، فلم يجد من يؤويه أو ينصره، فآذوه مع ذلك أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله
قومه، وكان معه زيد بن حارثة مولاه، فأقام بينهم عشرة أيام لا يَدَعُ أحدًا من
أشرافهم إلا جاءه وكلَّمَه، فقالوا:اخرج من بلدنا، وأَغْرَوا به سفهاءهم، فجعلوا
يرمونه بالحجارة حتى دَمِيَت قدماه، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصيب في رأسه،
فانصرف راجعًا إلى مكة محزونًا، وفي مرجعه ذاك دعا بالدعاء المشهور، دعاء الطائف:
((اللَّهمَّ إليك أشكو ضَعْف قوَّتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على النَّاس، يا أرحم
الرَّاحمين، أنتَ ربُّ المستضعَفِين وأنت ربِّي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ
يتجهَّمني؟ أم إلى عدوٍّ ملَّكْتَه أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي،
ولكنَّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الَّذي أشرقَتْ له الظُّلمات، وصلحَ
عليه أمر الدُّنيا والآخرة مِن أن تُنْزِل بي غضبك، أو يحلَّ عليَّ سخطك، لك
العُتْبَى حتَّى ترضى، ولا حول ولا قوَّة إلا بك)).
وحين أوذي الرسول صلى الله عليه وسلم وسالت الدماء من قدميه الشريفتين، وأصابه من الهم والحزن ما جعله ينْطَلِقُ عَلَى وَجْهِه ولم يَسْتَفِقْ إِلا وجبريل عليه السلام قائم عنده يقول له: إن شئت يا محمد أن أُطْبِق عليهم الأخشبين، فأتى الجواب منه عليه السلام بالعفو عنهم قائلاً: ((أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى وحده لا يشركُ به شيئًا)).
هجرته
ويخرج النبي صلي الله عليه وسلم
مكرها بعد أن أخرجه الله من بين الكفار الذين كان يقفون عند بابه ، فلما كان علي
أطراف مكة فإذا به عليه
الصلاة والسلام يخاطب مكة: ((والله إني أعلم أنك خيرُ أرضِ الله وأحبُّها إلى
الله، ولولا أنِّ أهلَكِ أخرجوني منك ما خرجتُ)).
﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٤٠].
﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٤٠].
ما تعرض له من أذي في أحد
وفي المدينة يبدأ عهداً جديدا ًمن الصبر والتضحية ، ، وحياة فيها
الكثير من الجهد والشدة ، حتى جاع وافتقر ، وربط على بطنه الحجر ، يقول
النبي صلى الله عليه وسلم : ( قد أُخفت
في الله وما يخاف أحد ، ولقد أوذيت في الله وما يُؤذى أحد ، ولقد أتت عليّ ثلاثون
من بين يوم وليلة ومالي ول بلال طعامٌ
يأكله ذو كبد ، إلا شيء يواريه إبط بلال ) رواه الترمذي .
وما بدر وأحد والأحزاب وتبوك
وحنين وغيرها من غزواته وسراياه التي بلغت مائة غزوة وسرية ، إلا صفحات مضيئة من
صبره وجهاده صلى الله عليه وسلم ، فكان يري أهله وأصحابه يقتلون في سبيل الله
وقلبه يتألم ولكنها الرسالة والنور الذي أمر بإيصاله إلى العالمين، ولم يكن
يخرج من غزوة إلا ويدخل في أخرى ، حتى شُجَّ وجهه الشريف ، وكسرت رباعيته ، واتهم
في عرضه ، ولحقه الأذى من المنافقين وجهلة الأعراب .
المنافقون
المنافقون (آية:7): هم الذين
يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والارض
ولكن المنافقين لا يفقهون
المنافقون (آية:8): يقولون لئن رجعنا الى المدينه ليخرجن الاعز منها الاذل ولله العزه ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون
المنافقون (آية:8): يقولون لئن رجعنا الى المدينه ليخرجن الاعز منها الاذل ولله العزه ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون
أذاه المنافقون في زوجته ،
واتهموها في عرضها فبرأها الله من فوق سبع سنوات فإن الله إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه
المشركون سبح نفسه لنفسه. قال - تعالى -: (وقالوا اتخذوا الرحمن ولداً سبحانه)
والله تعالى- ذكر عائشة فقال: (لولا إذا سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا
سبحانك هذا بهتانٌ عظيم) فسبح نفسه في تنزيه عائشة كما سبح نفسه لنفسه في تنزيهه"
محاولات اليهود إغتياله
وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني النضير ليستعين بهم
على دفع دية رجلين معاهدين قتلهما خطأ عمرو بن أمية الضمري ، فجلس النبي صلى الله
عليه وسلم إلى جدار لبني النضير فهموا بإلقاء حجر عليه وقتله ، فأخبره الوحي بذلك
فانصرف عنهم مسرعا إلى المدينة ثم أمر بحصارهم.
ثم كانت حادثة السم ، بعد فتح خيبر ، فقد روى البخاري (2617) ومسلم
(2190) عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل
منها فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت أردت لأقتلك
قال ما كان الله ليسلطك على . قالوا : ألا نقتلها ؟ قال: لا . قال فما زلت أعرفها
في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
دعوته
والنبي صلى الله عليه وسلم في خضم
كل هذا البلاء والألم وهو ينزل عليه الوحي ويعلم الجاهل ويأمر بالمعروف وينهي عن
المنكر ويبلغ ما أنزله الله إليه مبتغيا الأجر من الله سبحانه ، فيدخل الناس في
دين الله أفواجا.
حجة الوداع
يقول النبي ص في أولها:
أيها الناس: اسمعوا منى أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في
موقفي هذا.
وفاته صلى الله عليه وسلم
بداية المرض:
وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11هـ،
وكان يوم الاثنين، شهِد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة في البقيع، فلما
رجع وهو في الطريق أخذه صُداع في رأسه، واتَّقدت الحرارة، حتى إنهم يَجِدون سورتها
فوق العصابة التي يَعصِب بها رأسه.
وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالناس وهو
مريض أحد عشر يومًا، وجميع أيام المرض كانت ثلاثة عشر أو أربعة عشر يومًا.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله خيَّر عبدًا بين
الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله))، قال: فبكى أبو بكر، فعجِبنا
لبكائه أن يُخبِر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عبد خُيِّر، فكان رسولُ
الله - صلى الله عليه وسلم - هو المُخيَّرَ، وكان أبو بكر أعلمَنا، فقال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: ((إن مِن أَمَنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر،
ولو كنتُ متَّخِذًا خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوَّة الإسلام ومودته،
لا يَبقين في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر))[6].
ثم ثَقُل المرض، بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد، وتروي لنا أمنا
عائشة ذلك؛ حيث قالت: ثَقُل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((أصلَّى
الناس؟))، قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ((ضعوا لي ماء في المخضَب))، قالت: ففعلنا،
فاغتسل فذهب لينوء فأُغمي عليه، ثم أفاق، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أصلى
الناس؟))، قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ((ضعوا لي ماء في المخضب))
قالت: فقعد فاغتسَل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: ((أصلى الناس؟))،
قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ((ضعوا لي ماء في المِخضَب، فقعد
فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس؟))، فقلنا: لا، هم
ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبيَّ لصلاة العشاء
الآخرة، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر بأن يُصلي بالناس، فأتاه
الرسول فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تُصلِّي بالناس، فقال
أبو بكر وكان رجلاً رقيقًا: ((يا عمر، صل بالناس))، فقال له عمر: أنت أحق بذلك،
فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد من نفسه خِفَّة
فخرج بين رجلين، أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو
بكر ذهب ليتأخَّر، فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بألا يتأخَّر قال:
((أجلِساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنبِ أبي بكر، قال فجعل أبو بكر يُصلي وهو
يأتمُّ بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس بصلاة أبي بكر، والنبي - صلى
الله عليه وسلم - قاعد[9].
وجاء في بعض ألفاظ الرواية أن أمنا عائشة - رضي
الله عنها - راجعتْه فقالت: إن أبا بكر رجل أسيف، إن يَقُم مقامك يبكي، فلا يَقدِر
على القراءة، فقال: ((مُروا أبا بكرٍ فليصلِّ))، فقلتُ مثله، فقال في الثالثة أو
الرابعة: ((إنكن صواحب يوسف، مُروا أبا بكر فليصلِّ)) فصلى[10].
آخر يوم من الحياة:
يروي لنا ذلك أنس بن مالك - رضي الله عنه - فيقول:
إن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يُصلِّي لهم لم يفجأهم
إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كشف سِترَ حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في
صفوف الصلاة، ثم تبسَّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليَصِل الصفَّ، وظنَّ أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهَمَّ
المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار
إليهم بيده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أن أتمُّوا صلاتَكم، ثم دخل
الحجرة، وأرخى السِّتر))[12]، ثم
لم يأتِ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت صلاة أخرى.
ولما ارتفع الضحى، دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - فاطمة ابنته في شكواه الذي قُبِض
فيه، فسارَّها بشيء فبكت ثم دعاها فسارَّها فضحِكتْ، قالت: فسألتها عن ذلك، فقالت:
سارَّني النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرني أنه يُقبَض في وجعه الذي تُوفِّي
فيه فبكيت، ثم سارَّني، فأخبرني أني أول أهل بيته أتبَعه فضحِكت، وبشَّر النبي -
صلى الله عليه وسلم - فاطمة قال: يا فاطمة، ألا تَرضينَ أن تكوني سيدة نساء
المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة[13].
ولما ثَقُل النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل
يتغشَّاه، فقالت فاطمة - رضي الله عنها -: واكرب أبتاه، فقال لها: ((ليس على أبيك
كرْبٌ بعد اليوم))[14]، ودعا
الحسن والحسين فقبَّلهما، وأوصى بهما خيرًا، ودعا أزواجه فوعظَهن وذكَّرهن.
وطفِق الوجع يشتدُّ ويَزيد، وقد ظهر أثر السم الذي
أكله بخيبر حتى كان يقول: ((يا عائشة، إني أجد ألمَ الطعام الذي أكلته بخيبر، فهذا
أوان انقطاع أَبْهَرِي من ذلك السم))[15].
الاحتضار:
وبدأ الاحتضار فأسندتْه عائشة إليها، وكانت تقول:
إن من نِعَم الله عليَّ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفِّي في بيتي وفي
يومي وبين سَحْري ونَحْري، وأن الله جمَع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليَّ
عبدالرحمن بن أبي بكر وبيده السواك، وأنا مُسنِدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أنْ نعم،
فتناولتُه فاشتدَّ عليه، وقلت: أُليِّنه لك؟ فأشار برأسه أنْ نَعم، فليَّنتُه
فأمرَّه وبين يديه رِكوة فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء فيمسح بها وجه، يقول:
لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، ثم نَصَب يده، فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى
قُبِض ومالت[16].
وفي رواية: وما عدا أن فرَغ من السواك حتى رفع يده أو إصبعه، وشخص
بصره نحو السقف، وتحرَّكت شفتاه، فأصغتْ إليه عائشةُ - رضي الله عنها - وهو يقول:
((مع الذين أنعمتَ عليهم من النبيين والصِّديقين والشهداء والصالحين))[17].
وفي رواية: ((اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني
بالرفيق الأعلى))[18]،
كرَّر الكلمة الأخيرة ثلاثًا، ومالت يده، ولحِق بالرفيق الأعلى، فإنا لله وإنا
إليه راجعون.
ووالله، إن لمُصابَ الأمة في رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - لا يُعادِله مصابٌ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وهذه أمنا عائشة - رضي الله عنها - تروي لنا موقفَ
التثبيت من الله تعالى للصديق - رضي الله عنه - في مقابل انخلاع القلب للفاروق عمر
- رضي الله عنه - والموقف عصيب والمُصاب عظيم، كادت القلوب أن تنخلِع، والعقول أن تَذهَل
له.
فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: أقبَل أبو بكر
على فرسه من مسكنه بالسُّنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يُكلِّم الناس حتى دخل على
عائشة، فتيمَّم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو مسجًّى ببُرْدٍ حِبَرة، فكشَف
عن وجهه، ثم أكبَّ عليه، فقبَّله، ثم بكى، فقال: بأبي أنت وأمي، طِبْتَ حيًّا
ومَيِّتًا ، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتِبت عليك، فقد متَّها،
فخرج، وعمر يكلِّم الناس، فقال: اجلس، فأبى، فقال: اجلس، فأبى، فتشهَّد أبو بكر،
فمال إليه الناس، وتركوا عمر، فقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا، فإن
محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت؛ قال الله -تعالى-: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ
قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي
اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل
عمران: 144][20].
ثم نحن نُشهِد الله أن رسوله - صلى الله عليه وسلم
- بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهِد في الله حق جهاده حتى أتاه
اليقين، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يَزيغ عنها إلا هالك، ما ترك باب
خير إلا ودلَّنا عليه، ولا باب شر إلا وحذَّرنا منه، فاللهم اجزِه عنا خير ما
جزيتَ نبيًّا عن أمته، ورسولاً عن منهجه ورسالته، اللهم واحشرنا في زمرتِه، ولا
تفرِّق بيننا وبينه حتى تُدخِلنا مدخله، آمين.. آمين.
******
من أحبه اتبعه
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ
اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل
عمران: 31].
سببها عن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة
رسوله فهو كذاب وكتاب الله يكذبه 1.
إن كنتم تحبون الله محبة الله مرتبة عالية ورتبة
سنية لا تنال بمجرد الدعوى، والصدق فيها اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع
أحواله وأقواله وأفعاله، فهي البرهان العملي على صدق دعواه وليس الأماني المعسولة.
يحببكم الله اما المحبة الله لعبده وهي
المحبوبية، فمرتبتها أجل ودرجتها ليس فوقها رتبة، ولا يُعرف كنهها لاقترانها
بأحوال الذات العلية وصفاته السنية، ثمرتها اليانعة كمال الرضى والقرب والمغفرة يغفر
لكم ذنوبكم والله غفور رحيم، ولكن تفرقت أشكالها
بحسب قرب العبد وشوقه من مولاه كما في كتب أطراف الحديث 2، إذا أحب الله عبدا: عَسّله، استعمله، ابتلاه ليسمع تضرعه،
ألصق به البلاء، نادى جبريل وأهل السماء ثم يوضع له القبول، منحه خلقا حسنا، أعطاه
الرفق، أحماه الدنيا (أي حفظه)، أغلق عليه أمور الدنيا، لم يضره ذنب، اقتناه لنفسه.
فاتّبعوني الفاء للسببية؛ أن المحبة سبب
لاتباع الرسل، والاتباع دليل على وجودها وعدمه دليل عدمها، فمن ادعى المحبة مع
مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب يكذبه كتاب الله تعالى.
إن أقوى شاهد على صدق الحب -أياً كان نوعه- هو موافقة المحب
لمحبوبه, وبدون هذه الموافقة يصير الحب دعوى كاذبة وأكبر دليل على صدق الحب لرسول
الله -صلى الله عليه وسلم- هو طاعته واتباعه, فالاتباع هو دليل المحبة الأول
وشاهدها الأمثل، وهو شرط صحة هذه المحبة، وبدونه لا تتحقق المحبة الشرعية ولا
تتصور بمعناها الصحيح.
وإذا كان الله –سبحانه- قد جعل اتباع نبيه -صلى الله عليه
وسلم- دليلاً على حبه سبحانه، فهو من باب أوفى دليل على حب النبي -صلى الله عليه
وسلم- قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (31) سورة آل عمران.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)