الجمعة، 15 يوليو 2016

التحذير من الكسب المحرم

لقد جُبلت النفوس على حب المال، قال تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر]، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» [5].

وروى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب المال وطول العمر»[6].

قوله تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا {النساء: 5} أي تقوم بها حياتكم ومعاشكم.
وفي الحديث: نعم المال الصالح للمرء الصالح. رواه أحمد وغيره وصححه الألباني.
وكما أنه قوام الحياة إلا أنه أيضا فتنة ، يجب الإنتباه لكي لا يكون سبباً في هلاكنا.

روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وإن فتنة أمتي الْمالُ»[2]

وفتنة المال فتنتين ، فتنة في تحصيله ، وفتنة في الإنشغال به عن طاعة الله.

وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم أمتَّه من فتنة المال، فروى البخاري ومسلم من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»[7].

والذي يتأمل في أحوال الناس في هذه الأيام، وانكبابهم على كسب هذا المال بأي وسيلة كانت سواء كان في مساهمات مشبوهة، أو معاملات فيها مخالفات شرعية كالربا، والغش، وأكل أموال الناس بالباطل وغيرها، ليتذكَّر قول النبي صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال: أمن حلال أم من حرام؟»[8].

لذلك وجب التنبيه ، والتحذير من أبواب الكسب الحرام ، لأنه شؤم وبلاء على صاحبه، فبسببه يقسو القلب، وينطفئ نور الإيمان، ويحل غضب الجبار، ويمنع إجابة الدعاء ,بله إن وبال الكسب الحرام يكون على الأمة كلها.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" .

روى البخاري من حديث خولة الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة» رواه البخاري 6 / 165 – 166 .

روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله  ((لا يكسِبُ عبدٌ مالَ حرامٍ فيتصدقُ منه فيُقبلَ منه، ولا يُنفقُ منه فيُباركَ له فيه، ولا يتركه خلفَ ظهره إلا كان زادَه إلى النار. إن الله لا يمحو السيئَ بالسيئِ، ولكن يمحو السيئَ بالحسنِ، إن الخبيثَ لا يمحو الخبيثَ)).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ) وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر ، أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء ، يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " ) صحيح مسلم (1686) . 

فاللهم ارزقنا الحلال وبارك لنا فيه , وجنبنا الحرام وبغضنا فيه . 

وكل باب من أبواب كسب المال ستجد فيه الحلال وستجد فيه الحرام ، وما يشغلنا الآن هو التنبيه على أبواب الكسب الحرام لنتجنبها ، ليبارك الله لنا ويقبل أعمالنا.

الكسب الحرام قد يكون بالمنع أو الأخذ أو التراضي بين الناس.

الكسب الحرام بالمنع :

1* منع الزكاة
والزكاة ركن من أركان الإسلام ، قوله تعالى : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) . فالزكاة واجبة في المال ، فهي عبادة مالية تجب متى توفرت شروطها ، كملك النصاب ، ومرور الحول .
وهي حق للفقير على الغني ، فالزكاة ليست مال الغني بل مال الفقير ،
2- قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن : ( أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ) رواه البخاري (1395) .
فمن منعها فقد منع عن الفقراء حقوقهم وأصبح جزء من ماله حرام  عليه يعذب به يوم القيام وتمحق به بركة ماله.

قال تعالى : " وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35) " سورة التوبة .

2* منع حقوق العمال والأجراء
أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم:
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ " رواه ابن ماجهوصححه الألباني.

روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره ".

3* ومنها عدم رد الأمانات

وهذا يحدث كثيراً ، أن يستدين الرجل ، ثم لا يرد ما عليه من الدين ، أو يؤخره.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مطل الغني ظلم فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع). متفق عليه. 
كما في صحيح مسلم: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين).
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ " [ أخرجه البخاري ]


4* ومنها أكل أموال اليتامى
فإن الله سبحانه وتعالى أكد النهي عن أكل مال اليتيم ظلماً، فقال جل من قائل: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) [الإسراء: 34]. وقال: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً) [النساء: 2]. 
ثم ذكر آية مفردة في وعيد من يأكل أموال اليتامى، وحدد فيها نوع الجزاء والعقاب، فقال: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً) [النساء: 10]،

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحرِّج مال الضعيفين المرأة واليتيم" أي أوصيكم باجتنابهما رواه ابن مردويه. 

وهذا تذكير لمن يأكلون ميراث أخواتهم البنات ، احذروا ، أنتم على خطر عظيم ، وهذا مما يكثر وبخاصة في بعض بلاد القرى وأصحاب الأراضي الزراعية ، لا يعطون البنات حقوقهن ، فإن إرث الإناث مفروض في كتاب الله، كما أن إرث الذكور مفروض، قال تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) [النساء:7].
فلا يجوز لأحد أن يتعدى على حق الإناث في الإرث، ومن تعدى فهو على خطر عظيم، وقد قال تعالى بعد آيات المواريث في سورة النساء: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) [النساء:13-14].

ومن الكسب الحرام ما يكون بالأخذ عنوة أو خداعاً
1* السرقة

با هريرة رضي الله عنه يقول   افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم  - ص 1548 - أهداه له أحد بني الضباب فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد فقال الناس هنيئا له الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو بشراكين فقال هذا شيء كنت أصبته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شراك أو شراكان من نار 

2* ومنها إدعاء ما ليس لك عند القاضي ، لتقتطعه من صاحبه .

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188)    سورة البقرة



3* الخداع في البيع
عن أبي هريرة: أن رسول الله مر على صبرة طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: ((ما هذا يا صاحب الطعام؟))، قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: ((أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني))؛ رواه مسلم.

ومن رغب في بركة البيع فليصدق فيه وليبين للمشتري حقيقة السلعة وعيوبها إن كان بها عيب ولا يكتمه أو يدلس عليه فيها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في المتبايعين: فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما. رواه البخاري ومسلم.

وإن لم تفعل فإن الزائد عن قيمة السلعة التي بعتها مال حرام عليك وجب عليك رده إلى صاحبه.

4* التسول بغير حاجة
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم. متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر. رواه مسلم
ومن أنواع الكسب الحرام ما يكون بالتراضي بين الناس ، ولكنهم يتراضون على محرم
1* بيع المحرمات
مثل بيع الخمور والسجائر والمخدرات من الحشيش وغيرها ، وسائر المحرمات ، وبيع ملابس المتبرجات ، التي يعلم أنها تفتن الرجال ، وبيع ما يؤذي الناس ، وإعطاء الأجرة .

2* الرشوة
الرشوة هي ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل، كما جاء في المرقاة شرح المشكاة:  روى الإمام أحمد والأربعة وحسنه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لعن رسول الله الراشي والمرتشي في الحكم. وأخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم:الراشي والمرتشي في النار.
 ودافع المال وآخذه سواء في الذنب والعقوبة، بل يستوي معهما الرائش، وهو الذي يمشي بينهما، فقد روى الإمام أحمد عن ثوبان قال: لعن رسول الله الراشي والمرتشي والرائش.
3* هدايا العمال والموظفين
في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إليّ؟‍‍‍‍. ألا جلس في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا‍‍‍‍‍‍!! والذي نفس محمد بيده، لا نبعث أحداً منكم فيأخذ شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، فرفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه فقال: اللهم هل بلغت ثلاثاً".
ومعنى الحديث: أن من تولى ولاية وقدمت له هدية من أجل ولايته لم يجز له قبولها، لأنها كالرشوة. 

فأنت كموظف أو عامل في مكان لا يجوز لك قبول الهدايا أبداً لا قبل العمل ولا بعده ، إلا أن تأذن لك الشركة او صاحب العمل في تلك الهدية التي جاءتك بغير سؤال منك .

4* الربا
تعاطي الربا ، فالربا ممحوق البركة ، منزوع الخير ، قال تعالى : " يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ " ، الربا من أشد الرزايا على المجتمعات ، سواءً كان مع الأفراد أو البنوك أو المؤسسات ، فالربا رباً وإن اختلفت أسماؤه وهيئاته وطرق التعامل به ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " ، وقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " ، فالربا حرام بكل أشكاله ، وجميع تعاملاته ، قليله وكثيره سواء ، قَاْلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا " ، ولقد جاء التحذير من خطورة الربا أو التعامل به في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُؤْكِلَهُ ، وَكَاتِبَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ ، وَقَالَ : هُمْ سَوَاءٌ " [ أخرجه مسلم ]

، وقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي ، رَجُلًا يَسْبَحُ فِي نَهَرٍ دم ، وَيُلْقَمُ الْحِجَارَةَ ، فَسَأَلْتُ مَا هَذَا ؟ فَقِيلَ لِي : " آكِلُ الرِّبَا " [ متفق عليه ]




الخطبة الثانية
كما جاء في الحديث الذي أخرجه البزَّار - رحمه الله - في "مسنده" بإسنادٍ صحيحٍ عن حُذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنه قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هلُمُّوا إليَّ". فأقبَلوا إليه فجلَسُوا، فقال: "هذا رسولُ ربِّ العالمين جبريل نفَثَ في رُوعِي أنه لن تموتَ نفسٌ حتى تستكمِلَ رِزقَها وإن أبطأَ عليها، فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلبِ، ولا يحمِلَنَّكم استِبطاءُ الرزق أن تأخُذوه بمعصيةِ الله؛ فإن الله لا يُنالُ ما عندهُ إلا بطاعته".

ومن كان متلبسا بشيء من ذلك فليتب إلى الله سبحانه وتعالى منه ، وإن كانت للناس حقوق عنده فليتحللها منهم قبل ألا يكون دينارا ولا درهما.

واعلم أنك موقوف بين يدي الله يوم القيامة لتسأل عن هذا المال ، من أين اكتسبته وفيم أنفقته ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ : عَنْ عُمُرِهِ ، فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وعَنْ شَبَابِهِ ، فِيمَ أَبْلَاهُ ؟ وَعَنْ مَالِهِ ، مِنْ أَيْنَ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ ، مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ؟ "


الكسب الحلال
إن البحثَ عن العملِ وطلبَ المالِ الحلالِ، والسعيَ على الأهلِ والعيالِ مما أمر الله به  ، يقول الله جل وعلا: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15]،

قالَ صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدُكم أحبُلَهُ فيأتي الجبلَ، فيجيءَ بحُزمةٍ من حطبٍ على ظهرٍ، فيبيعَها فيستغنيَ بثمنِها، خيرُ له من أن يسألَ الناسَ أعطَوه أو منعُوه» (رواه أحمدُ وأصلُه في البخاري).
وروى كعبُ بنُ عجرةٍ رضي الله عنه قال: مرَّ رجلٌ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فرأى أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من جَلَدِهِ ونشاطِه ما رأوا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كانَ هذا في سبيلِ اللهِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إن كانَ خرجَ يسعى على ولدِه صغاراً فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كانَ خرجَ يسعى على أبوينِ شيخينِ كبيرينِ فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كانَ خرجَ يسعى على نفسِه يعُفّها فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كانَ خرجَ يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ» (رواه الطبرانيُ ورجالُه رجالُ الصحيحِ).
وأنا أنصح الشباب العاطلين عن العمل ، أو الشباب الذي يعيش في الإجازة الدراسية ألا يضيعوا أوقاتهم في اللهو واللعب بغير فائدة ، اعمل أي شيء تتكسب منه كسبا حلالا ، وتتعلم به أحوال الدنيا والناس ، وتعف نفسك من حلال ، ولا تقل هذا العمل سيء فإن البطالة أسوأ.




الثلاثاء، 12 يوليو 2016

كيف أجعل هذا القول أو العمل أفضل وأنفع؟

كيف أجعل هذا القول أو العمل أفضل؟ وأنفع؟ 

النظر إلى الماضي والبكاء عليه ليس مستحباً ، كما أنه مصدر للكآبة والحزن وضعف الثقة بالنفس وباب تدخل منه وساوس الشياطين .

لكن لا بأس أن تنظر إلى الماضي بين الفينة والأخرى نظرة تحليل وفهم لتتعلم وتستخرج الفوائد ، لكي لا تتكرر الأخطاء ، وتتصرف في المواقف المشابهة بشكل أفضل ، ولتستخرج الحكمة والفوائد ، ولتعرف القواعد التى تتوافق مع فهمك للحياة. 

ومن هنا تكون الخبرة ، فالخبرة ليست عمراً طويلاً ، وإنما تجارب سابقة وأخطاء ماضية لك أو لغيرك لكنك عرفتها وتعلمت منها. 

والدرجة الأعلى من اكتساب الخبرات ، هو التحسين المستمر والتطور الدائم حتى في أقل الأشياء ، بمعنى ألا تنتظر الأحداث الكبيرة لتتعلم منها ، بل تعلم واكتسب حتى من كلمة أو موقف أو دقيقة مرت عليك ، أعد النظر في كل منها واسأل نفسك هذا السؤال (كيف أقول تلك الكلمة بشكل أفضل؟ وهل كان هناك كلمة أفضل؟) ، (كيف أتصرف في ذلك الموقف بشكل أفضل إذا تكرر؟ وكيف أستفيد منه غاية الإستفادة؟) ، (الدقيقة التي مرت ، هل تم استغلالها فيما ينفع؟ وما كان الفعل الأفضل والأنسب لها؟).

هذا ما أقصده ، أن يكون هذا السؤال دائماً في ذهنك ، (هل فعلتُ الأمر الصحيح؟ وهل كان يمكن أداؤه بطريقة أفضل؟).

وإذا استمر الإنسان في طرح ذلك السؤال على نفسه دائماً ليحسن من أدائه ويقوِّم لسانه ويحقق أقصى نفع في كل المواقف والأوقات. 

وأكرر أن الهدف من طرح السؤال ليس إيذاء النفس وجلدها أنها لم تفعل الأفضل ، وليس للندم على ما فات ، بل لتتعلم ولتتطور إلى الأحسن في كل جوانب شخصيتك .

ومما يعين على ذلك أن تشجع نفسك على كل كلمة طيبة أو فعل حسن ، وتحمد الله سبحانه أن وفقك وهداك. 

والحمد لله رب العالمين 

الاثنين، 11 يوليو 2016

أثر رمضان في القلوب

ماذا بعد رمضان ؟




من فضل الله علي عباده أنه أمرهم بالتقوي ، ثم وفقهم إلي مواسم وعبادات تعينهم علي أداءها والتعود علي الحياة في ظلها. 

ومن تلك المعينات صيام شهر رمضان المبارك ، 
قال الله تعالى ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
[سورة البقرة 183]

ذلك الشهر الذي تضاعف في الحسنات وتفتح فيه أبواب الجنة ليعود الناس إلى ربهم أفواجاً طائعين راغبين فيما عند الله ، فتجد الناس صائمين في نهارهم ، تمتلئ بهم المساجد في كل الصلوات ، وتراهم عاكفين على القرآن يتلونه آناء الليل والنهار ، يقومون الليل بالتراويح والتهجد ، يدعون ربهم أن يغفر ذنوبهم ويتوب عليهم ، يبكون بكاء التائبين النادمين ، إجتهاد في الطاعة والعبادة لا مثيل له. 

ومن الطبيعي جداً بعد رمضان أن يقل الإجتهاد في العبادة ، لأن رمضان موسم عبادة وإجتهاد ، هكذا أراده الله أن يكون ، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره ، ويجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرهن. 

ولكن ليس من الطبيعي أبداً أن يعود المسلم إلى نفس حاله قبل رمضان ، أو أن يكون رمضان حدث عابر لا أثر له في القلوب والعقول ، أو أن يكون التهجد والقرآن غير ذي أثر في النفوس.

لا بد لمن ختم القرآن حقاً أن يجد لتلك الختمة هداية في قلبه ، وأن يستشعر من كان يقوم الليل أن صلاته نهته عن الفحشاء والمنكر وأمرته بالمعروف والخير ، أن يجد الصائم أثراً للصوم في كبح جماح نفسه بالبعد عن المنكرات ودفع السيئة بالحسنة وبالحرص على الطاعة.

وإذا كان الهدف والغاية من شهر رمضان هو تحقيق التقوي كان لزاماً علينا أن نقف بعد رمضان لنرى هل فعلاً تحققت التقوى في قلوبنا. 

وتتحقق التقوى في قلوبنا عندما نحافظ على الفرائض ، أن تكون بعد رمضان أكثر إلتزاماً بها ، من إقامة للصلاة وأداء للزكاة وصلة الرحم وبر الوالدين وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وحسن الخلق وغض البصر وقول الحق وإقامة العدل ، أن تجد نفسك 

وتتحقق التقوى بالابتعاد عن المعاصي من سوء خلق وقطع رحم وعقوق الوالدين وأكل أموال الناس بالباطل وظلم العباد وإيذاء الخلق وسماع الغناء وإطلاق البصر والكبر والحسد والعجب ، أن تهجرها وتتوب إلى الله منها ، أو على الأقل تفعلها بمعدل أقل ، أن تراقب الله سبحانه. 

وتكون التقوى كذلك بأن تستمر في قراءة القرآن ولو بصفحات معدودة كل يوم ، وتستمر في قيام الليل ولو ركعتين خفيفتين ، وتتمسك بأخلاق الصائمين ولو لم تكن صائماً.

فالذي استشعر لذة القرآن في رمضان وحلاوة القرب من الله في القيام وتمسك بأخلاق الصائمين ثلاثين يوماً ، لا يمكن أن يهجر تلك المتع وهذه النعم العظيمة ، فمن ذاق حلاوة الإيمان كيف له أن يستلذ بغيرها ؟!

والله إنها أمور بسيطة ، ولكنها دليل ومؤشرات على أنك خرجت من رمضان فائزاً ، بأن حققت الغاية التي من أجلها فرض الله صيام ذلك الشهر. 

والحمد لله رب العالمين