رمضان شهر الانتصارات (خطبة)
مقالات متعلقة
تاريخ الإضافة: 27/1/2022 ميلادي - 24/6/1443 هجري
الزيارات: 10555
رمضان شهر الانتصارات
إن الحمد لله، نحمده
ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله
فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فأحبتي في الله كم لله عز
وجل علينا من نعم ظاهرة وباطنة أسبغها علينا، وكم لله عز وجل من خير وفضل أفاض به
علينا، واختص به أمة الإسلام دون غيرها من الأمم، ولو يعلم الناس ما عند الله عز
وجل في شهر رمضان من الرحمات والبركات والخيرات، ما فرَّط المفرِّطون، وقصَّر
المقصرون، وغفل عن ذكره الغافلون، فالله عز وجل قد أودع شهر رمضان الكثير من
الأسرار والكنوز التي جعلت هذا الشهر المبارك شامة العام وتاج الشهور ودُرَّة
الزمان، فكما أن شهر رمضان هو شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن، والصدقة والإطعام
والعبادات الكثيرة، فإن شهر رمضان أيضًا هو شهر الانتصارات، شهر العزة والكرامة؛
فربنا عز وجل جعل شهر رمضان شهر ميلاد الأمة الإسلامية، حين أضاء وحيُ السماء
ظلمات الأرض، وبدد نور الهداية ظلمات الشرك والجاهلية والخرافة، فكان رمضان عهدًا
جديدًا استقبلت به البشرية خير رسل الله وآخر رسالات السماء، فكان رمضان نقطة
تحوُّل في مسيرة البشرية بنزول القرآن؛ كان انتصارًا للنور على الظلام، والحق على
الباطل، والتوحيد على الشرك، والطهارة والنقاء على الفحش والعَهْر، فقد وقعت فيه
العديد من الأحداث العظام والمواقف الجسام التي مثلت تحولًا كبيرًا في حياة الأمة،
فمعاني الانتصارات وأبجديات العزة وأصول الكرامة، قد تجسدت في شهر رمضان الكريم.
فإلى القلب الذي يفكِّر
خاشعًا بين يدي ملك السماوات والأرض، وينفطر كمدًا على نكبات المسلمين، وإلى العين
التي تسيل دمعًا من خشية الله، ودمًا على أحوال المسلمين ومآسيهم، وإلى الجوارح
التي تصوم ابتغاء رضوان الله، وتشتاق أن ينتصر الإسلام، إلى هؤلاء جميعًا نهدي لهم
هذه المشاهد والمواقف الكبرى في معاني الانتصار.
في شهر رمضان حقق
المسلمون عدة انتصارات كانت بمثابة المحطة الفارقة والنقطة الفاصلة في حياة الأمة
الإسلامية، وأُولى هذه الانتصارات كانت يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يوم بدر،
في العام الثاني من الهجرة، عندما التقت الفئة المؤمنة جند الرحمن، مع جند الشيطان
الفئة الكافرة، وقد تراءت الفئتان من أول صدام بين الحق والباطل والإيمان
والكفران، ويتنزل نصر الله عز وجل على المؤمنين، ليكون أعظم انتصارات الإسلام.
ومن روعة الانتصار أيها
المسلمون وعظمة المشهد، أنزل الله عز وجل في الواقعة قرآنًا يتلى إلى يوم
الدين في سورة الأنفال التي نزلت معظم آياتها في شأن غزوة بدر، وقد سماها المولى
عز وجل يوم الفرقان؛ لأنها كانت فرقانًا بين عهد الاستضعاف والقلى وتسلُّط
الأعداء، إلى عهد القوة والانتشار والنصر على الأعداء، واستحق أهل بدر صك المغفرة
والعتق من النيران الذي أصدره رب البرية على لسان رسول البشرية: "لعل الله
اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم..."؛
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ
أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ
رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى
إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ
رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا
جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا
النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 123 - 126].
وفي رمضان من العام
الثامن من الهجرة كانت محطة فارقة ونقطة فاصلة في حياة الأمة، عندما فتحت جيوش
الصحابة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم مكة، وأعلنوا سقوط عاصمة الشرك
والاستكبار الجاهلي التي طالَما استغل المشركون منزلتها وفضلها في التحريض ضد
الإسلام والمسلمين، وأعلنوا تحرير بلد الله الحرام من أدران الشرك والأوثان، لتبدأ
مرحلة جديدة في حياة الأمة اتحدت فيها بلاد الحرمين، الأصل والمهجر، وأعلن عن قيام
الدولة الإسلامية على حدود جديدة.
أيها المسلمون، عندما قاد
المعتصم العباسي جيشًا جرارًا أوله من منابت الزيتون وآخره على أبواب عمورية، وذلك
في رمضان سنة 223هـ، بعد أن تجبر طاغية الروم توفيل بن ميخائيل، واستغل انشغال
المسلمون بقتال بابك الخرمي في فارس، وهجم بمائة ألف صليبي على حدود الدولة
الإسلامية، وأوقع بأهل زبطرة في الأناضول مذبحة مروعة، فقتل الكبير والصغير، فجدع
الأنوف وسمل العيون، واستاق الحرائر، حتى إن امرأة هاشمية صاحت بعد أن لطمها كلب
رومي فقالت: "وامعتصماه"، وطارت الأخبار للخليفة المعتصم وهو في إيوان
قصره، فلما طرقت الصرخة الحزينة مسامع الأسد "المعتصم العباسي" أسرع
مهرولًا في قصره وهو يقول مثل الإعصار: "النفير النفير"، وقد خرج بكل ما
لديه من جيوش، وأقسم ليهدمنَّ أعزَّ مدينة عند الرومان، وقد كتب وصيته ولبس كفنه
وتحنَّط، وقسَّم ماله: ثلثًا لأهله، وثلثًا للمجاهدين، وثلثًا لمنافع المسلمين،
ولم يهدأ له بال ولم يستقر له حال حتى أناخ بساحة عمورية بأكثر من مائة ألف مجاهد
من ثلاث جهات، ودخل عمورية في السادس من رمضان سنة 223هـ، فهدمها بالكلية، وتركها
قاعًا صفصفًا، وأدَّب أعداء الأمة تأديبًا هائلًا، ارتدعوا به فترة طويلة،
واستعادت الأمة كرامتها.
وكان رمضان منطلَقًا
بالأمة إلى العالمية؛ حيث خرجوا من حدود الجزيرة العربية إلى العالمية، حيث حملوا
رايات التوحيد إلى قلب العالم، وذلك مبكرًا جدًّا عندما فتح المسلمون جزيرة رودوس
سنة 53هـ، ثم فتحوا الأندلس في معركة وادي لكة الشهيرة سنة 92 هـ، وأصبح غرب
القارة الأوروبية مسلمًا يتردد الأذان في جنباته، ثم فتح المسلمون جزيرة صقلية سنة
212هـ، عندما قاد القائد الفقيه المحدث أسد بن الفرات جيوش المسلمين لمعركة سهل
بلاطة في التاسع من رمضان سنة 212هـ؛ ليفتح أكبر جزر البحر المتوسط، ويصبح
المسلمون على بعد خمسة أميال فقط من إيطاليا، ثم واصل المسلمون انطلاقهم إلى
العالمية لنشر التوحيد بين ربوع المعمورة، وفتح العثمانيون - بقيادة سليمان
القانوني - بلجراد عاصمة الصرب في رمضان سنة 927هـ، وأصبحت بلجراد مدينة إسلامية،
وانتشرت فيها المساجد، حتى بلغ تعدادها 250 مسجدًا قام الصرب بإحراقها جميعًا بعد
سقوط الدولة العثمانية.
أيها المسلمون، وانتصر المسلمون بقيادة سيف الدين قطز على جحافل
التتار في الخامس والعشرين من رمضان سنة 658هـ، وقضوا على أسطورة التتار الجيش
الذي لا يهزم، وكانت تلك الأسطورة قد روعت الناس في كل مكان؛ حيث بلغ من شدة خوفهم
ورعبهم من التتار أن الجندي التتري الواحد يدخل السرداب وفيه مائة رجل، فيقتلهم
جميعًا وحده بعد أن قتلهم الخوف والفزع من لقاء التتار.
وفي 10 رمضان 1363هـ (6
أكتوبر 1973م)، عبر الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف، وألحق الهزيمة
بالقوات الصهيونية، في يوم من أيام العرب الخالدة التي سطرها التاريخ في أنصع صفحاته
بأحرف من نور، ففي هذا اليوم وقف التاريخ يسجل مواقف أبطال حرب أكتوبر الذين
تدفَّقوا كالسيل العرم يستردون أرضهم، ويستعيدون كرامتهم ومجدهم؛ فهم الذين دافعوا
عن أرضهم وكافحوا في سبيل تطهيرها وإعزازها، فبعد أن احتل اليهود سيناء الحبيبة
والجولان والضفة والقدس وغزة في 5 يونيو 1967م، أخذوا يتغنون بأسطورة جيشهم الذي
لا يقهر، لكن مصر نجحت بفضل الله في إعادة بناء جيشها وجهزته بالعتاد وخيرة جنود
الأرض، وبالتخطيط الجيد مع أشقائها العرب وبإرادة صلبة قوية وإيمان قوي عظيم وبخطة
دقيقة محكمة فاجأت إسرائيل والعالم كله الساعة الثانية بعد الظهر، وانطلقت أكثر من
220 طائرة تدك خط بارليف الحصين ومطارات العدو ومراكز سيطرته، وفي نفس الوقت سقطت
أكثر من عشرة آلاف وخمسمائة دانة مدفعية، وتعالت صيحات: الله أكبر، وتَم عبور
القناة واقتحام حصون العدو وتحطيمها واندحر العدو، وهزم شرَّ هزيمة، ورجعت أرض
سيناء كاملة بعد ذلك نتيجة لهذه الحرب المجيدة، في هذا الشهر العظيم، شهر عزة
المسلمين والذلة لأعداء الحق أعداء الدين.
معشر الصائمين، إن المتأمل في أسباب إنزال الله نصره لعباده، يجد
أنها فضل من الله أفاضه على أوليائه حين انتصروا على نفوسهم؛ فكانوا مؤهلين
لتنزُّل النصر عليهم: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ ﴾ [الحج:40].
المتأمَّل في التاريخ
الإسلامي وما نقله أهل السير والمغازي ليلتمس جلبًا أن شهر رمضان المبارك هو شهر
الانتصارات العظيمة للإسلام والمسلمين، فمعركة بدر الكبرى وقعت في رمضان وفتح مكة
في رمضان.
إن ما نأخذه في حياتنا
الرُّوحية من غزوة بدر أن السالك إلى الله لا بُدَّ أن يجعل رمضان فرقانًا في
حياته، يترقَّى بروحه إلى المقامات العليَّة، وما نستفيده من فتح مكة أن رمضان
محطة للتَّجليَّات الربَّانية وللفتح الإيماني، ففي رمضان يكون الانتصار على
النفوس أقوى ما يكون أن ينتصر المسلم على نفسه التي بين جنبيه، وهي أعدى أعدائه،
وذلك بمخالفتها وتعويدها على الطاعات واجتناب المنهيات؛ قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ [الشمس 7-10].
ويقول سبحانه: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ
الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا
مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: 37-41].
أقول ما تسمعون وأستغفر
الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاة
وسلامًا على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فيا أيها المسلمون، يقول
سُفْيان الثوري: "ما عَالَجْتُ شيئًا أشد عليَّ من نفسي"، فالصّائم
بمجاهدته نفسه بتركه ما لَذَّ وطاب من أنواع الطعام والكف عن شهوته، ينتصر على
نفسه كما جاء في الحديث الذي يرويه البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: "حُفَّت
الجنّة بالمكاره، وحُفَّت النَّار بالشَّهوات"، لذا اشتمل رمضان على كلِّ
أسباب الانتصار على النفس، انتصار على الرياء وملاحظة الخلق بتصفية العمل للخالق،
فرمضان شهر الإخلاص بلا منازع، وقد توفرت كل عوامل النجاح للمؤمن فيه على كل دواعي
الرياء وأسبابه، وتنمية عنصر المراقبة والتجرد لله عز وجل لديه، فامتناع الصائم عن
الطعام والشراب والشهوات المادية والمعنوية طيلة يومه، استجابة لأمر ربه هو عين
الإخلاص، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((يقول
الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي))؛ (رواه
البخاري).
وعن أبي هريرة رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له
ما تقدم من ذنبه))، ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه))،
((من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه))؛ (رواه البخاري
ومسلم).
إن تحقيق هذا النوع من
الانتصار هو الأساس الذي تنبني عليه كلُّ الانتصارات الأخرى، فإن تربى العبد على
الاستحضار الدائم لعامل المراقبة هذا، وذلك بعدم جعل الله أهون الناظرين إليه،
وتجنُّب ما لا يرضيه من فعل أو قولٍ أو خلقٍ، أو سلوك سرًّا أو علانية، فيكن بذلك
قد تجاوز عتبة الانتصار الأول والمهم في مدرسة الصيام ليصحبه صحبة دائمة لازمة
طيلة العام.
ومن مظاهر الانتصار على
النفس عدم الغضب؛ كما جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم قوله صلى الله عليه
وسلم: "فإن سابه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم"؛ أي يقولها بلسان
مقاله، ويقولها بلسان حاله بأن يتخلَّق بخُلق الصوم.
ومن مظاهر الانتصار على
النفس: عدم الطمع في البيع والشراء، وكما جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه
وسلم: "إنَّ الله عزَّ وجلَّ يُحبُّ سمحَ البيع وسمح الشراء، وسمح
القضاء"، فعلى التجار أن يتَّقوا الله في هذا الشهر الفضيل بعدم رفع الأسعار،
بل عليهم أن يرفعوا أسعار طاعتهم بالرَّحمة والسَّماحة في البيع والشراء.
وانتصار على سوء الخلق،
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ
يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ.
إِنِّي صَائِمٌ"؛ رواه البخاري ومسلم.
وانتصار بالاجتماع وعدم
التفرق، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ،
وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ"؛ رواه
الترمذي، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وصححه الألباني.
وانتصار على الشح والبخل
والأثرة، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي
رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ
فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ
المُرْسَلَةِ"؛ رواه البخاري ومسلم.
فليتأسَّ المؤمن به صلى
الله عليه وسلم ويعلنها حربًا لا هوادة فيها على كل ما له علاقة بالشح والبخل،
فالفلاح الذي هو غايته ومبتغاه في الدنيا والآخرة، لا يمكن أن يحوزه إلا إذا نجح
في معركته مع الشح؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التغابن:
16].
وانتصار على الشهوات، فالصَّوْم عبَادَة تكف النَّفس عَن شهواتها، وتُخرجها
عَن شَبَه الْبَهَائِم إِلَى شبه الْمَلَائِكَة المقربين، فَإِن النَّفس إِذا خليت
ودواعي شهواتها التحقت بعالم الْبَهَائِم، فَإِذا كفت شهواتها لله، ضيقت مجاري
الشَّيْطَان، وَصَارَت قريبَة من الله بترك عَادَتهَا وشهواتها محبَّة لَهُ
وإيثارًا لمرضاته وتقربًا إِلَيْهِ، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال
لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة
فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)؛
(مسلم).
قال الحافظ ابن حجر:
مقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح، واستشكل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة،
وذلك مما يثير الشهوة، لكن ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده،
سكن ذلك والله أعلم؛ (فتح الباري).
قال الحليمي: الصوم يقمع
الشهوة فيسهل الكف عن الحرام.
يقول الرسول صلى الله عليه
وسلم: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ،
يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي"؛ (رواه البخاري
ومسلم)، فالصوم من أعظم العبادات التي تعين المسلم على الانتصار على شهواته،
وانتصار على الشياطين بالتصفيد وتضييق مجاريهم بالصيام، يقول الرسول صلى الله عليه
وسلم: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ
أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ"؛ رواه مسلم.
وانتصار على اللسان
وآفاته، عندما نسمع أو نقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ لَمْ يَدَعْ
قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ
طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"؛ رواه البخاري.
وحديث أبي هريرة رضي الله
عنه، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما
الصيام من اللغو والرفث))؛ (ابن حبان وابن خزيمة).
نُدرك أهمية هذا النوع من
الانتصار في شهر رمضان، فمن لم يستطع أن ينتصر في معركته مع لسانه - خاصة وهو صائم
- لا يُمكنه أن ينتصر في معركته مع شيطانه وشهواته، بل إن الانهزام أمام اللسان
وآفاته يؤدي بصاحبه إلى الإفلاس؛ قال ابن القيم: إن العبد ليأتي يوم القيامة
بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدَمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال،
فيجد لسانه قد هدَمها من كثرة ذكر الله).
وقال بعض السلف: أهون
الصيام ترك الشراب والطعام.
وعن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ
قلبُهُ، ولا يستقيمُ قلبُهُ حتى يستقيمَ لسانُـهُ))؛ (رواه أحمد وحسنه الألباني).
وقال جابر بن عبدالله في نصيحة غالية للصائمين: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك
عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم
صومك ويوم فطرك سواءً؛ (لطائف المعارف).
وانتصار بالاعتزاز
بالإسلام، وخلع رِبقة التقليد المهين؛ يقول الرسول صلى الله
عليه وسلم: "فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ
أَكْلَةُ السَّحَرِ"؛ رواه مسلم.
أسأل الله أن ينفعَنا بما
نقول وبما نسمع، وأن ينصُرنا على أعدائنا، إنه نعم المولي ونعم النصير.
وأقم الصلاة.
رمضان شهر الانتصارات
ملخص المقال
المتأمل في أحداث شهر رمضان عبر التاريخ الإسلامي
سيجد أمورا عجيبة، فما هي هذه الأمور؟ ولماذا شهر رمضان شهر الانتصارات؟
المتأمل في أحداث شهر رمضان عبر التاريخ الإسلامي سيجد
أمورًا عجيبة، هذه الأمور ليست مصادفة، وكل شيء عند الله عز وجل بمقدار، سيجد أن
المسلمين ينتقلون كثيرًا من مرحلة إلى مرحلة أخرى في شهر رمضان، من ضعف إلى قوة،
ومن ذلٍّ إلى عزَّة.
ارتبط شهر رمضان بالجهاد بشكل لافت للنظر، حتى آيات الصيام في سورة
البقرة -بدايةً من قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] إلى آخر الآيات- تنتهي في ربع من القرآن، ثم
يبتدئ ربع جديد، وثاني آية فيه تتحدَّث عن الجهاد والقتال، وهي آيات كثيرة تحضُّ
على الجهاد، يقول ربنا عز وجل: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ
مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى
يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ
الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ
حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ
عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 190-193].
آيات تحضُّ على الجهاد
والقتال بشدَّة، والعلاقة واضحة بينها وبين آيات الصيام؛ فالإعداد للجهاد هو إعداد
للنفس، إعداد للجسد، إعداد للأمة كلها.. العلاقة بين الصيام والجهاد وثيقة جدًّا؛
فالتاريخ الإسلامي يؤكد هذا الارتباط، ومن ذلك ما يلي:
أول خروج للمسلمين لقتال مشركي قريش كان في رمضان، وليس المقصود هنا غزوة بدر، فقبْل بدر خرج جيش
إسلامي لأول مرة لقتال المشركين بعد الإذن بالقتال وكان في رمضان سنة 1هـ، ولم يكن
صيام رمضان قد فُرض بعد، وكانت هذه هي سرية حمزة بن عبد المطلب عمِّ رسول الله،
وكانت السرية في مكان يُعرف باسم (سَيف البحر). إذن أول مرَّة يرفع المسلمون
سيوفهم للدفاع عن حقوقهم وأنفسهم كانت في رمضان، ولم يحدث قتال في هذه المرَّة؛
فقد حجز بينهم أحد حلفاء الفريقين، كان اسمه مجدي بن عمرو الجهني.
وتمر الأيام ويأتي شهر رمضان سنة 2هـ، ويحدث في هذا الشهر حدث هائل من أهم الأحداث في
تاريخ الأرض، ليس في تاريخ المسلمين فقط، ألا وهو غزوة بدر الكبرى في 17 رمضان سنة 2هـ، وقد انتهت بالنصر
الباهر للمسلمين، وهي أول صدام حقيقي بين المسلمين وبين مشركي قريش، وكانت قريش
تحمل لواء الكفر في الجزيرة العربية.
وكل شيء في حياة رسول الله r محسوب؛ فليس فيه أمر
صدفة، ليس فيه قولنا: من
الممكن أن يكون هذا الحدث في رمضان، ومن الممكن في غير رمضان. فإن الأمر مقصود،
فمقصود أن يكون أول لقاء حقيقي مع المشركين في بدر، مقصود ومحسوب، والحِكَم كثيرة
جدًّا؛ قد نعلم بعضها وقد نجهل بعضها! ولكن في النهاية هذا شيء محسوب.
لماذا تكون أول غزوة في رمضان؟ لماذا أول صدام حقيقي مع المشركين
يكون في رمضان؟ لماذا هذا الانتصار الباهر الهائل يكون في رمضان؟ لماذا لا يكون في
أي شهر؟!
أعتبر هذا رسمًا لسياسة الأمة وتخطيطًا لمستقبلها، فأُمَّة لديها شهر
تستطيع أن تُغَيِّر فيه نفسها تمامًا، أن تبني نفسها، أن تنتقل من مرحلة إلى
مرحلة؛ يقول ربنا سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ...}. وأنتم ماذا؟ {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123].
لقد تغير المسلمون تمامًا بعد موقعة بدر، فبعد بدر أصبحت للمسلمين دولة معترف بها،
أصبحت لهم شوكة قوية ومكانة ووضع مستقر؛ انتقل المسلمون إلى مرحلة جديدة، العالم
كله سمع عن هذه الدولة، اليهود رعبوا، والمشركون انهزموا، والمنافقون ظهروا.
تغير هائل بدأ يحدث في
الأرض في كل شيء؛ بدر ليست كأي غزوة، فهي غيَّرت مجرى التاريخ؛ لذلك سماها ربنا عز
وجل يوم الفرقان، وربطها بشهر رمضان من أجل أن نتفكر دائمًا في هذا الشهر، فمَنْ
مِنَ المسلمين لا يعرف أنها كانت فيه؟! حُفِرَت في وجدان كل صغير وكبير، وفي وجدان
كل رجل وامرأة، يجب أن نتذكر علاقتها برمضان دائمًا.
ولكن لماذا غزوة بدر
خاصة؟ لماذا يطغى ذكر غزوة بدر على ذكر أي غزوة أخرى من غزوات الرسول r؟!
لأن في بدر وُضِعَتْ كل
قواعد بناء الأمة الإسلامية؛ في غزوة بدر عرف المسلمون أن النصر من عند الله وليس
بالعدد ولا العدة، فلا يصلح لأمة بعيدة عن ربها، وبعيدة عن دينها أن تنتصر؛
واقرءوا سورة الأنفال التي تتحدث عن غزوة بدر: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10]. كيف يمكن لعدد مثل
313 أو 314 أن يغلبوا ألفًا؛ هذا العدد القليل معه 70 جملاً، والعدد الكبير معه
700 جمل، هذا العدد القليل معه فرسان، والعدد الكبير معه مائة فرس، العدد القليل
خارج بسلاح المسافر، والعدد الكبير خارج بسلاح الجيوش.
كيف؟! كيف يمكن لهذا
العدد القليل في كل المقاييس المادية أن يغلب هذا العدد الكبير؟!
هذا ليس له إلا أمر واحد،
ألا وهو أن الله عز وجل هو الذي نصر المؤمنين، نصر الضعفاء القلَّة الأذلة؛ كما
عبَّر -سبحانه- في كتابه الكريم، انتصروا بأسلحة غير تقليدية تمامًا، لم ينتصروا
بأسلحة دمار شامل، أو صواريخ باليستية، أو أقمار صناعية، انتصروا بالمطر والنعاس،
وبالرعب في قلوب الكافرين، وبالتوفيق في الرأي، وبضعف الرأي عند الأعداء، وانتصروا
بالملائكة؛ الملائكة نزلت تحارب مع المؤمنين في بدر، أفضل الملائكة، وجبريل -عليه
السلام- على رأس الملائكة: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}
[الأنفال: 10]، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال:
17].
راجعوا غزوة بدر؛ ففيها
زُرِعَ الأمل في نفوس المسلمين إلى يوم القيامة؛ ما دام الله معك فالنصر -لا شك-
حليفك، قواعد وأسس وأصول وُضِعَتْ في غزوة بدر.
وعلينا بوحدة الصف
لننتصر، قال ربنا سبحانه: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}
[الأنفال: 46]، هذه القاعدة وُضعت في بدر.
والتضحية بكل شيء؛ بالنفس
والمال، وبالوقت والجهد ليتم النصر، هذه القاعدة وضعت -أيضًا- في بدر.
والإعداد قدر المستطاع
لمواجهة الأعداء، قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ
قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ
وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، هذه القاعدة -أيضًا- وضعت في بدر.
وطاعة الرسول r في كل
أمر؛ {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}
[الأنفال: 24]، قاعدة وضعت -أيضًا- في بدر.
كل قواعد بناء الأمة الإسلامية وُضعت في بدر، كل هذه القواعد نتعلمها
في رمضان، نقترب من الله -سبحانه وتعالى- الذي بيده النصر
في رمضان، نزيد من أواصر المودة والأخوة بين المسلمين، وهي قاعدة من أهم القواعد
التي تبني الأمة الإسلامية، تضحِّي بمالك وجهدك ووقتك في رمضان، تقوِّي صحتك وبدنك
ولياقتك في رمضان.. وبإيجاز يكون الجهاد والإعداد له في رمضان.
وكم نخسر عندما نفقد هذه
المعاني، ويمر الشهر علينا من غير أن نعرف قيمته في الجهاد في سبيل الله والنصر!
أما في سنة 8هـ فكان الموعد مع حدث من أهم أحداث التاريخ، إنه فتح مكة، اللقاء الأخير والفيصل مع مشركي قريش؛ فقد خرج
الرسول r وجيش المؤمنين من المدينة المنورة قاصدًا مكة في 10 رمضان سنة
8هـ، وفتحها في 21 رمضان.
والموقف في فتح مكة مختلف عن بدر؛ ففي غزوة بدر كان الخروج في رمضان على غير
اختيار المؤمنين؛ لأن القافلة المشركة بقيادة أبي سفيان جاءت في ذلك التوقيت
فخرجوا لها، لكن الخروج في فتح مكة كان بتخطيط وتدبير من رسول الله r ومن
المؤمنين، كان من الممكن أن يُؤَخِّروا الخروج 3 أسابيع فقط ليخرجوا في شوال بعد
انتهاء رمضان، كان من الممكن أن يقول بعضهم: نستفيد بالصيام والقيام وقراءة
القرآن، ونُؤَخِّر الجهاد 3 أسابيع فقط.. لكن كل هذا لم يحدث.
تأمل منهم مَنْ قلد، ومنهم من لم يقلد الرسول r في
هذه النقطة؛ الأمر على الجواز، فبلغه أن أناسًا صاموا، يا تُرى ماذا قال؟ قال:
"أُولَئِكَ الْعُصَاةُ"[1].
أولئك العصاة مع أنه في
الأيام الأخرى كان يسمح لمن أراد أن يفطر فليفطر، ومن أراد الصوم فليصُمْ، لكن في
هذه المرة الأمر مختلف؛ فهم ذاهبون إلى مكة للجهاد، والجهاد يحتاج إلى قوة وجلد.
لم يُؤَخِّر الجهاد بل
أفطر؛ لأن الجهاد متعين الآن، أما الصيام فيمكن قضاؤه بعد ذلك، ولكن الجهاد لا
يُؤَخَّر؛ الجهاد ذروة سنام الإسلام، لذلك أفطر الرسول r في
هذا اليوم، لأن الرسول كان مسافرًا سفرًا طويلاً جدًّا في الصحراء في رمضان، فكان
الصيام صعبًا جدًّا.
وضعت كذلك في فتح مكة
مئات القواعد لبناء الأمة الإسلامية؛ ففتح مكة كان في رمضان، وكل رمضان نتذكر فتح
مكة، نتذكر صدفة أن أول صدام حقيقي مع مشركي قريش كان في رمضان في غزوة بدر، وآخر
صدام مع المشركين كان -أيضًا- في رمضان في فتح مكة، هل يُعقل أن تكون صدفة؟! قال
سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].
هذا الشهر تتغير فيه
أحوال الأمة بشكل رائع؛ علامات في منتهى الوضوح، في هذا الشهر الكريم الرسول r هدم
صنم هبل، ومعه أكثر من 360 صنمًا بداخل الكعبة المشرفة، وهذه الأصنام ظلت داخل
الكعبة 21 سنة، بداية من نزول البعثة على الرسول عليه الصلاة والسلام، وبالتأكيد
ظلت هذه الأصنام سنين طويلة قبل البعثة موجودة، في كل هذه الشهور السابقة والسنوات
السابقة ربنا -سبحانه وتعالى- يختار أن هذه الأصنام تُدَمَّر وتكسر وتقع في شهر
رمضان.
في الشهر نفسه بعث الرسول
خالد بن الوليد ليهدم صنم العزى، فهدمها.
في الشهر نفسه بعث عمرو
بن العاص ليهدم صنم سواع، فهدمه.
في الشهر نفسه بعث سعد بن
زيد ليهدم صنم مناف، فهدمه.
ما هذا؟ أمعقول كل هذا في
شهر واحد؟ في شهر رمضان تقع كل هذه الأصنام؟ أمعقول أنها صدفة؟
هذا شهر إعزاز الإسلام،
وتمكين الدين، ونصر المؤمنين، رمضان شهر الإنقاذ والنجدة والنصر والعزة، فلا يصح
ألا يعلم المسلمون هذه المعاني، ويظنون أنه شهر الأعمال الفنية الجديدة، والدورات
الرياضية، والخيم الرمضانية، ليس هذا هو رمضان الذي يريده ربنا سبحانه.
أما في سنة 13هـ فحدث في منتهى الأهمية، إذ استطاع المسلمون في موقعة البويب بقيادة البطل الإسلامي الفذ
المثنى بن الحارثة، وكان عدد المسلمين في هذه الموقعة 8 آلاف فقط، والفرس
مائة ألف بقيادة (مهران) وهو من أعظم قُوَّاد الفرس، وتم اللقاء في الأسبوع الأخير
من شهر رمضان سنة 13هـ، ودارت موقعة من أشدِّ مواقع المسلمين، أمر فيها المثنى
جنوده أن يُفطروا؛ ليتقوَّوا على قتال عدوهم، اقتدى بفعل الرسول r في
فتح مكة، وثبت المسلمون ثباتًا عجيبًا، وأبلى المثنى وبقية الجيش بلاءًً حسنًا،
وتنزَّلت رحمات الله وبركاته على الجيش الصابر، فانتصر المسلمون انتصارًا
رمضانيًّا هائلاً.
تُرى كم من الفرس قُتل في
هذه الموقعة؟!
فني الجيش الفارسي بكامله في هذه الموقعة، تجاوز القتلى 90 ألف فارسي
من أصل مائة ألف، هزيمة مروعة للجيش الفارسي بعد شهر واحد من هزيمة المسلمين في
موقعة الجسر. ولنفكر ونتدبَّر كيف لثمانية آلاف أن يهزموا
أكثر من 90 ألفًا، وفي عُدة أضعف من عدتهم، وفي عقر دارهم، كيف يحدث هذا؟ لن تعرف
تفسيرها أبدًا إلاَّ أن تقول: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17]. هذا هو التفسير الوحيد لهذه الموقعة، التي لا تُنْسَى
في التاريخ الإسلامي.
وتمرُّ الأيام ويأتي رمضان جديد على المسلمين سنة 53هـ، تفتح فيه جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط،
فقد أرسل إليها أمير المؤمنين الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-
أحد التابعين الأبرار لفتحها، وهو جنادة بن أبي أمية الأَزْدِي من قبيلة الأزد
اليمنية، ولم يؤخِّر المسلمون القتال إلى ما بعد رمضان مع الصعوبة الشديدة لقتال
البحر، وفي الحديث عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أن رسول الله r قال:
"غَزْوَةٌ فِي الْبَحْرِ خَيْرٌ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ فِي الْبَرِّ، وَمَنْ
أَجَازَ الْبَحْرَ فَكَأَنَّمَا أَجَازَ الأَوْدِيَةَ كُلَّهَا..."[2]. فلم يُؤَخِّروا الجهاد؛ لأن الجهاد لا يُؤَخَّر،
والمسلمون في جهاد دائم؛ لذلك لم ينتظروا انتهاء رمضان، بل مَنَّ الله عليهم بفتح
الجزيرة في رمضان سنة 53هـ.
ويتسلسل بنا التاريخ لنصل إلى رمضان سنة 91هـ، ليفتح المسلمون أولى
صفحاتهم في سِفْر الأندلس الضخم، في رمضان سنة 91هـ
تنزل الفرقة الاستكشافية المسلمة التي أرسلها موسى بن نصير -رحمه الله- بقيادة
طريف بن مالك رحمه الله؛ لاستكشاف الأندلس.
وفي رمضان سنة 92هـ يلتقي المسلمون -وهم 12 ألف رجل- بقيادة طارق بن
زياد رحمه الله بمائة ألف إسباني
صليبي بقيادة رودريك -أو في الروايات العربية يسمونه لوذريق- معركة هائلة داخل أرض
الإسبان وفي عقر دارهم، والفارق هائل في العدد، ومع ذلك انتصر المسلمون فيها، وقد
استمرت ثمانية أيام متصلة؛ ليبدأ المسلمون قصة طويلة في الأندلس استمرت أكثر من
800 سنة، هذا الانتصار الباهر كان في رمضان سنة 92هـ، وراجعوا ذلك في فتح الأندلس
أو موقعة وادي برباط، فهي معجزة عسكرية بكل المقاييس، تغيَّر على إثرها كل تاريخ
المنطقة في شمال إفريقيا وفي غرب أوربا، بل تاريخ أوربا كله.
أما عن جهاد صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- فحدث ولا حرج؛ إذ ما كان يُفَرِّق بين رمضان وبين أي شهر من شهور
السنة، كل الشهور عنده جهاد، ليست هناك راحة، فما أن انتهى من حطين وفتح بيت
المقدس اتجه مباشرة إلى حصار صور في 9 رمضان سنة 583هـ.
معارك متصلة في كل شهر
إلى أن حرَّر -رحمه الله- صفد في رمضان سنة 584هـ، بعد سنة من حطين، وعندما كان
بعض الوزراء يعرضون عليه تأجيل القتال بعد شهر الصوم، كان -رحمه الله- يرفض ويصر
على الجهاد.
وفي 25 رمضان سنة 658هـ حدثت الموقعة التي هزَّت الأرض بكاملها موقعة عين جالوت، وفيها كان الانتصار الإسلامي الباهر بقيادة سيف
الدين قطز -رحمه الله- على جحافل التتار، وكانت جيوش التتار تنتصر على جيوش
المسلمين انتصارات متتالية بلا هزائم ولسنوات عديدة، مذابح من أبشع مذابح التاريخ،
إبادة لكل ما هو حضاري، تدمير لكل شيء في البلاد الإسلامية، من أول يوم دخل فيه
التتار في أرض المسلمين سنة 616هـ وإلى هذه السنة سنة 658هـ؛ 42 سنة متصلة وصل
المسلمون فيها إلى أدنى درجات الذل والهوان، ثم تغيَّر الوضع، وعادت الكرامة
والعزة للمسلمين مرة أخرى في رمضان سنة 658هـ، وليس كأي انتصار؛ لقد فني جيش
التتار بكامله.
وبعد، فإننا نلاحظ شيئًا عجيبًا جدًّا بعد هذه الرحلة التاريخية
في رمضان!
فقد انتصر المسلمون تقريبًا على كل الفرق المعادية للإسلام في شهر
رمضان، انتصرنا على المشركين
في بدر وفتح مكة، انتصرنا على الفرس عُبَّاد النار في البُوَيْب، انتصرنا على
الصليبيين في وادي برباط في الأندلس، وأيام صلاح الدين في فتح صفد، وانتصرنا على
التتار في عين جالوت، وكذلك حرب التحرير العظيمة التي حدثت في 10 رمضان سنة 1393هـ، التي اشتهرت بحرب 6
أكتوبر سنة 1973م، فتحررت سيناء، وهو انتصار مجيد؛ فالحواجز التي عبرها
الجيش المصري تدخل في عداد المعجزات العسكرية، والروح الإيمانية كانت مرتفعة جدًّا
عند الجيش وعند الشعب، فكانت النزعة والتربية الإسلامية في الجيش ملموسة وواضحة،
ونداء (الله أكبر) كان يخرج من قلب كل مسلم، والوحدة الإسلامية كانت في أبهى
صورها.
كل هذا دفع إلى النصر،
وللأسف عندما بدأ الشعب يتغير وبدأت كلمة (أنا) تعلو بديلاً عن كلمة الله عز وجل،
وبدأت مقولة: (أنا فعلت)، بدلاً من (الله فعل). لَمَّا حدث هذا حدثت الثغرة، وبدأ
التأزُّم في الموقف، لكن على كل حال كان نصر رمضان سنة 1393هـ نصرًا باهرًا، كان
دفعة قوية ليس لمصر وسوريا فقط، بل لشعوب مسلمة كثيرة على وجه الأرض.
إذن لا يوجد عدوٌّ من أعداء الإسلام إلاَّ وحاربناه وانتصرنا عليه في
رمضان؛ سواء كانوا مشركين أو
صليبيين أو تتارًا أو فرسًا أو يهودًا، ولا يأتي رمضان إلاَّ ونتذكر هذه
الانتصارات، وهذه نعمة عظيمة مَنَّ الله عز وجل بها علينا؛ لنظلَّ نتذكر الجهاد
والانتصار إلى يوم القيامة.
[1] مسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في
شهر رمضان... (1114) عن جابر بن عبد الله، والترمذي (710)، والنسائي (2263)، وابن
حبان (2706).
[2] ابن ماجه (4154)، والحاكم (2634) وقال: هذا
حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني، انظر: صحيح
الجامع (4154).
رمضان
شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات
الحمد
لله الملك العلام، القدوس السلام، ذي الطول والإنعام، والعزة والإكرام، نحمده أن
هدانا للإسلام، وبيّن لنا الحلال والحرام، وشرفنا بالصيام والقيام، ونصلي ونسلم
على مسك الختام، وخير من صلى وصام، وطاف بالبيت الحرام، وجاهد الكفار في شهر
الصيام، وعلى آله وصحبه الأعلام، مصابيح الظلام، خير هذه الأمة على الدوام، وعلى
التابعين لهم بإحسان والتزام.
أما
بعد:
فإنَّ
أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدي محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها،
وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها
المسلمون: إننا نعيش في شهر من أفضل الشهور، أيامه من خير الأيام، فيها قراءة
للقرآن، وذكر لله الكريم الرحمن، وبذل للصدقات، لياليه من أفضل الليالي، فيها قيام
وتضرع إلى الله.
وفي
أول ليلة من لياليه ينادي منادٍ يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وفيه
تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد الشياطين، وفي الجنة باب يقال له:
الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، وهو فرصة سانحة للتوبة من العصيان، والعودة إلى
الملك الديان، ومضاعفة الحسنات، وتكفير للسيئات، فالحذر الحذر من التعامي
والتواني، والبدار البدار بالتوبة قبل فوات الأوان.
يا ذا
الذي ما كفاه الذنب في رجب
حتى عصى ربه في شهـر شعبان
لقـد أظلك شهر الصوم بعدهـما
فلا تصيره أيضاً شهــر عصيانِ
واتلُ القرآن وسـبح فيه مجتهــداً
فإنه شهـــر تسبيح وقــرآن
كم
كنت تعرف ممن صـام في سلف من بين أهـل
وجـيران وإخـوان
أفناهُمُ
المـوت واستبقـاك بعدهمـو
حياً فما أقرب القاصي مـن الداني
وفي
رمضان أنزل القرآن، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ
حميد، لا تنقضي عجائبه، ولا يبلى من كثرة الترداد، إن تمسكنا به فزنا
وسعدنا، وإن فرطنا فيه خبنا وشقينا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين"1.
وقال -تعالى-: )شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ
الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ إلى قوله وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(البقرة(185).
ولكن
هناك أمر غفل عنه الناس في رمضان ألا وهو عدم استشعارهم أن رمضان شهر الصبر
والمصابرة، والجهاد والمجاهدة، والفتوحات والانتصارات، فنجد الكثير من المسلمين
إذا دخل رمضان اتخذوه فرصة للراحة، فتجدهم يقضون ليلهم في السهر الذي قد يكون
أحياناً على ما يغضب الله من النظر إلى فضائيات الشر وتدمير الفضيلة، أو
النظر إلى الصور الخليعة، وقراءة المجلات الهابطة، أو اللعب بتلك الألعاب التي
فيها القمار وما أشبه ذلك، ويقضون نهارهم في النوم وتضييع الصلوات، وإهدار
الأوقات، وربما استدل بعض المغفلين على جواز فعله ذلك بقوله: "نوم الصائم
عبادة!!" أيكون -بالله عليكم- تضييع الصلوات عبادة، كيف انقلبت الموازين؟ كيف
صار بعض الناس يعتقد أنه يعبد الله بما حرم الله؟! إن هذا لهو العجب العجاب، ونسي
أو تناسى هؤلاء أن رمضان شهر الجهاد والمجاهدة، والصبر والمصابرة، والفتوحات
والانتصارات، وأن في رمضان كانت كثيرٌ من المعارك الشهيرة بين المسلمين والكفار،
ففي رمضان كانت غزوة بدر الكبرى التي فرق الله بها بين الحق والباطل؛ كما قال -عز
وجل-: )وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ
الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأنفال(41).
قال
عروة بن الزبير في قول الله: )يَوْمَ الْفُرْقَانِ( يوم
فرّق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله، وكان رأس
المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان،
وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون ما
بين الألف والتسع مائة، فهزم الله يومئذ المشركين، وقتل منهم زيادة على سبعين،
وأسر منهم2. ففي هذه المعركة كما سمعتم نصر الله
المسلمين قليلي العدد والعدة على الكافرين كثيري العدد والعدة، قال الله
-تعالى-: )وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ
أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( آل
عمران(123).
أيها
الصائمون: وفي رمضان من السنة الثامنة من الهجرة كان فتح مكة الذي بشر الله به
محمداً وقال -ممتناً عليه-: )إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن
ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا
مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا( الفتح
(1- 3)، ففتح الله لرسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- القلوب بنزول القرآن
في رمضان، وفتح له مكة التوحيد بالجهاد في رمضان، وفي هذه الغزوة انتصر الإيمان،
وعلا القرآن، وفاز حزب الرحمن، ودحر الطغيان، وكسرت الأوثان، وخاب حزب الشيطان.
وفي
رمضان أيضاً كانت معركة عين جالوت التي أعز الله فيها المسلمين بقيادة الملك
المظفر قطز، وأخزى التتر الملحدين بقيادة هولاكو المغولي، وكسر شوكتهم، ولم تقم
لهم بعدها قائمة. وذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان عام (658هـ).3
وفي
رمضان يوم السبت للأول من رمضان من عام (702هـ) كانت موقعة شقحب، واستمرت إلى
اليوم الثاني بين التتار والجيوش الإسلامية، وشارك فيها شيخ الإسلام ابن تيمية،
وكانت الغلبة فيها للمسلمين. قال ابن كثير -رحمه الله-: وحرّض -أي ابن تيمية-
السلطان على القتال وبشّره بالنصر، وجعل يحلف له بالله إن شاء الله تحقيقاً لا
تعليقاً. وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وأفطر هو أيضاً، وكان يدور على
الأطلاب 4 والأمراء، فيأكل من شيء معه في يده،
ليعلمهم أن إفطارهم ليتقووا على القتال أفضل، فيأكل الناس"5.
إخواني
في الله: ونحن نسمع عن جهاد المسلمين في رمضان، وما حققوه من انتصارات عظيمة،
وفتوحات باهرة، نرى كثيراً من المسلمين اليوم قد وهنت نفوسهم، وضعفت عزائمهم، وخارت
قواهم، وغرس حب الدنيا وكراهية الموت في قلوبهم، فهم يسرحون ويمرحون، ويتابعون
المسلسلات والملهيات في شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات التي حققها أسلافنا
وأجدادنا.
ونرى
البعض منهم يقضي نهاره في النوم والكسل، وليله في الإفراط في تناول الطعام
والشراب، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات، والسهر على المحرمات. ونرى فئة أخرى فهمت أو
ظنت أن رمضان فرصة للإكثار من العمل للدنيا، واللهث وراء جمع حطامها الفاني، فنرى
الأسواق في رمضان مزدحمة، والباعة أصواتهم بالتهريج مبحوحة، والنساء إلى الأسواق
متوجهات، وللرجال مزاحمات، ولأطفالهن مضيعات، ولأزواجهن وخالقهن مسخطات، ومع هذا
كله نريد ونتمنى -أيها المسلمون- من الله نصراً، ويتساءل البعض منا لماذا لم
ينصرنا الله، ولماذا سلط الله علينا أحقر خلقه من اليهود والنصارى؟ ولماذا صرنا في
مؤخرة الركب بعد أن كنّا في المقدمة؟ ولماذا ولماذا؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابة.
وللإجابة عنها نقول: إن الله قد وعدنا بالنصر والتمكين، وهو لا يخلف الميعاد، وهو
أصدق القائلين، وأحكم الحاكمين،
قال
-تعالى-: )وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ( الروم
(6).
وقال: )وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ( الروم(47).
وقال: )وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا
الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ
الْغَالِبُونَ( الصافات (171 –
173).
وقال: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ( النــور(55).
ولكن
النصر لن يكون حتى ننصر دين الله، فنمتثل أوامر الله، ونجتنب نواهيه، ونحرم حرامه،
ونحل حلاله، ونفرده بالعبادة والطاعة، ونتحاكم إليه في كل شؤون حياتنا، حينها
ينصرنا الله،
)إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ( محمد(7). )وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ( الحج(40). )
إِنَّا
لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
يَقُومُ الْأَشْهَادُ( غافر(51). ولذلك
لما قام الصحابة بنصرة هذا الدين، وإعلاء كلمة التوحيد، وقاموا بمقتضياتها
وشروطها، وحافظوا على فرائض الله، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا في
سبيل الله، وطبقوا شرع الله في أرضه، وحكموا بين الناس بالعدل.. نصرهم الله على
عدوه وعدوهم، ومكنهم في الأرض واستخلفهم فيها، فلم يأتِ هذا النصر بالأماني، وإنما
تحقق بالقيام بنصرة الدين.. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا
وانصرنا على القوم الكافرين..
الخطبة
الثانية:
الحمد
الله الذي أبدع الموجودات بجمال الخلقة والتركيب، وجعلها تذكرة ودليلاً على كمال
الحكمة والقدرة والشأن العجيب، سبحانه من إله حكيم، وخالق عليم، ورازق كريم، يؤتي
ملكه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، والصلاة والسلام على النبي الرحيم، الهادي
إلى صراط الله المستقيم، الذي أضاء الله بدعوته ورسالته ظلمات الجهل والشرك
العقيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد:
عباد
الله: إن كان النصر قد تأخر لتأخرنا عن ديننا، فإنه لا محالة سيتحقق في واقع
الحياة -إن شاء الله- فإنه قريب الوقوع؛
قال
-تعالى-: )أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ
وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء
وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ
مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ( البقرة(214).
وعن
تميم الداري قال سمعت رسول الله يقول: "ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك
الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل. عزاً يُعِزُ
الله به الإسلام، وذُلاً يُذِلُ الله به الكفر". وكان تميم الداري يقول: قد عرفتُ ذلك في
أَهل بيتي لقد أصاب مَنْ أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب مَنْ كان منهم
كافراً الذل والصغار والجزية6.
وعن
خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بُرْدة له في ظل الكعبة، قلنا
له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يُحْفَرُ لـه في الأرض فيجعل
فيه فيجاءُ بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط
بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتمَّن
هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه،
ولكنكم تستعجلون"7.
أيها
المسلمون: إنَّ منزلة الجهاد في الإسلام عالية، ولهذا كانت مرتبة الشهداء الثالثة
بعد مرتبة النبوة والصديقية، قال الله -تعالى-: )وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ
أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء
وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا( النساء(69).
بل
إن منزلة الجهاد في الإسلام بمنزلة السنام من الجمل، والسنام هو أعلى وأرفع جزء من
الجمل؛ فعن معاذ بن جبل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه
الجهاد"8.
والجهاد
في سبيل الله لا يعدله شيء؛ فعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: دلني
على عمل يعدل الجهاد؟ قال: "لا أجده" قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا
تفتر وتصوم ولا تفطر"؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟!9.
وقال
-تعالى-: )وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى
الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا( النساء (95 –
96)
وعن
أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في
سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه
الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، -أُراه- فوق عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار
الجنة"10.
ولكن
وللأسف الشديد لقد شوهت صورة الجهاد، وحيكت للقضاء عليه مؤامرات عديدة، فوصف من
يقومون به بأنهم إرهابيون، ومتشددون، ومتطرفون، وأن الجهاد كان في حقبة من الزمان،
وفي عهد التسلط والكهنوت، وأما اليوم فقد أصبح العالم كالقرية الواحدة، وأصبح
العدل منشراً!!، فلا داعي للقتال، ويكفينا السلام.. وعلى الدنيا السلام!! هؤلاء
المنافقون الذين يتنازلون عن أهم مبادئ دينهم في حين نجد الغرب الكافر يغزوهم في
عقر دارهم، دمر المدن والقرى، وقتل الأطفال والنساء، وهتك الأعراض، وانتشرت بسببه
الأمراض، ونهبوا خيرات المسلمين، ونجد الرويبضة يستسلمون لهم ويسلمون الأمور، ثم
يعودون على مبادئ دينهم بالسلب والثلب، ولا يكون الجهاد عندهم جهاداً إلا إذا وافق
مصالحهم السياسية والاقتصادية!.
عباد
الله: إن الجهاد باب واسع، فيكون تارة بالسنان، وهو المقصود الأول، ويكون باللسان،
وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلمة حق عند سلطان جائر. ويكون بالمال؛
فعن زيد بن خالد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من جهَّز غازيًا فقد غزا، ومن خَلَف غازيًا في أهله
فقد غزا"11.
وقال -تعالى-: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ
عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ( الصف (10 – 11).
ولكن
مع هذا التشويه لا تزال هناك طائفة من هذه الأمة فيها الخير، تقوم بهذا الواجب
الذي ضيع، يجاهدون في سبيل الله، ويدافعون عن المقدسات والحرمات، ويناصرون
المستضعفين، فنراهم على أرض فلسطين، ومسرى سيد الأولين والآخرين، وأولى القبلتين،
يقاتلون اليهود بالحجارة والإيمان، وفي غيرها من بلاد المسلمين، ولكنهم بحاجة ماسة
منّا إلى مد يد العون والمساعدة والمجاهدة بالمال على أقل تقدير، وأن ندعو لهم
بالنصر والتمكين. اللهم ولِّ علينا خيارنا، واصرف عنا الأشرار. اللهم اجعل ولايتنا
فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان. اللهم
أعد علينا رمضان أعواماً عديدة، وأزمنة مديدة، وقد تحقق للمسلمين كلما يصبون إليه
من النصر والتمكين. والحمد لله رب العالمين..
1 – رواه مسلم وابن
ماجه وأحمد من حديث عمر بن الخطاب.
2 – رواه الطبري
في تفسيره (10/9)، وانظر تفصيل الحديث عن الغزوة في سيرة ابن هشام (2/606 – 633).
3 – انظر تفاصيل
المعركة في البداية والنهاية (17/403) ط التركي.
4 – الأطلاب جمع طلب،
وهو لفظ كردي، معناه الأمير الذي يقود مائتي فارس في ميدان القتال، ويطلق أيضاً
على قائد المائة أو السبعين، ثم عـدل مـدلوله فأصـبح يطلق على الكتيبة من الجيش،
انظر حاشية البداية والنهاية (18/28).
5 – انظر تفاصيل
الوقعة في البداية والنهاية (18/26) ط التركي.
6 – رواه الإمام
أحمد وهو صحيح.
7 – رواه
البخاري.
8 – رواه الترمذي
وابن ماجه وأحمد وصححه الألباني في إرواء الغليل رقم (413).
9 – رواه
البخاري ومسلم.
10 – رواه
البخاري.
11 – رواه البخاري
ومسلم.