الأحد، 26 مارس 2023

شرح الحديث السابع عشر من الأربعين النووية

عن أبي يَعْلَى شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ، عن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:

{إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ}. رواه مسلم

قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء)) من جملة الإحسان عند قتل المسلم في القصاص أن يتفقد آلة القصاص، ولا يقتل بآلة كالّة، وكذلك يحد الشفرة عند الذبح، و يريح البهيمة، و لا يقطع منها شيء حتى تموت، و لا يحد السكين قبالتها، وأن يعرض عليها الماء قبل الذبح، ولا يذبح اللبون، ولا ذات الولد، حتى يستغني عن اللبن. وإن لا يستقصي في الحلب، ويقلم أظفاره عند الحلب، قالوا: ولا يذبح واحدة قدّام أخرى.

ولفظ الكتابة يقتضي الوجوب عند أكثر الفقهاء والأصوليين خلافًا لبعضم وإنما استعمال لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتم إما شرعا كقوله تعالى ‏{‏إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا‏}‏ النساء، وقوله ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ‏}‏ البقرة ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ‏}‏ البقرة أو فيما هو واقع قدرا لا محالة كقوله ‏{‏كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي‏}‏ المجادلة، وقوله ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ‏}‏ الأنبياء، وقوله ‏{‏أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ‏}‏ المجادلة وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قيام شهر رمضان إني خشيت أن يكتب عليكم وقال أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب على وقال كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة وحينئذ فهذا الحديث نص في وجوب الإحسان وقد أمر الله تعالى به فقال ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ‏}‏ النحل وقال ‏{‏أَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ البقرة وهذا الأمر بالإحسان تارة يكون للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة والإحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قراه على ما سبق ذكره وتارة يكون للندب كصدقة التطوع ونحوها وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال لكن إحسان كل شيء بحسبه فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة الإتيان بها على وجه كمال واجباتها فهذا القدر من الإحسان فيها واجب وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب والإحسان في ترك الحرمات الانتهاء عنها وترك ظاهرها وباطنها كما قال تعالى ‏{‏وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ‏}‏ الأنعام فهذا القدر من الإحسان فيها واجب وأما الإحسان في الصبر على المقدورات فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم القيام بواجبات الولاية كلها والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها من غير زيادة في التعذيب فإنه إيلام لا حاجة إليه وهذا النوع هو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ولعله ذكره على سبيل المثال أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة والقتلة والذبحة بالكسر أي الهيئة والمعني أحسنوا هيئة الذبح وهيئة القتل وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق.


وخرج البخاري من حديث عبدالله بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المثلة‏‏


وخرج الإمام أحمد من حديث يعلى بن مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى لا تمثلوا بعبادي‏‏


وخرج أيضًا من حديث رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مثل بذي روح ثم لم يتب مثل الله به يوم القيامة واعلم أن القتل المباح يقع على وجهين أحدهما قصاص فلا يجوز التمثيل فيه بالمقتص منه بل يقتل كما قتل فإن كان قد مثل بالمقتول فهل يمثل به كما فعل أم لا يقتل إلا بالسيف فيه قولان مشهوران للعلماء أحدهما أنه يفعل به كما فعل وهو قول مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه‏‏.


وفي الصحيحين عن أن قال خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة فرماها يهودي بحجر فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها رمق فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلان قتلك فرفعت رأسها فقال لها في الثالثة فلان قتلك فخفضت رأسها فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين.

في الصحيحين من حديث أنس أن أناسا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها فافعلوا ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام واستاقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في آثرهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا‏‏.

ففي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تصبر البهائم وفيهما أيضًا عن ابن عمر أنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها فقال ابن عمر من فعل هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا‏‏.

وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد الشفار وأن توارى عن البهائم وقال إذا ذبح أحدكم فليجهز يعني فليسرع الذبح وقد ورد الأمر بالرفق بالذبيحة عند ذبحها‏‏


وخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وهو يجر شاة بأذنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دع أذنها وخذ بسالفتها والسالفة مقدم العنق‏‏.

ومن هذه الآداب التي تدل على عظمة هذا الدين أنه حث على راحة الحيوان المذبوح قدر المستطاع، فيستحب أن يحد الذابح شفرته قبل الذبح ويكره الذبح بآلة كالّة لما في ذلك من تعذيب للحيوان، كما يكره أن تحد السكين أمام الذبيحة، ويكره أن تذبح الذبيحة أمام أخرى، كما يندب تقديم الماء للحيوان قبل ذبحه، ويندب إمرار السكين على الذبيحة برفق ذهابا وإيابا، فهذا من الإحسان الذي أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم . جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: آداب ينبغي مراعاتها عند الذبح: 

أ – أن يكون بآلة حديد حادة كالسكين والسيف الحادين لا بغير الحديد; لأن ذلك مخالف للإراحة المطلوبة في قوله صلى الله عليه وسلم (وليرح ذبيحته) . ب – التذفيف في القطع – وهو الإسراع – لأن فيه إراحة للذبيحة . 

ج – أن يكون الذابح مستقبل القبلة ، والذبيحة موجهة إلى القبلة بمذبحها لا بوجهها إذ هي جهة الرغبة إلى طاعة الله عز شأنه ; ولأن ابن عمر – رضي الله عنهما – كان يكره أن يأكل ذبيحة لغير القبلة. ولا مخالف له من الصحابة ، وصح ذلك عن ابن سيرين وجابر بن زيد . 

د- إحداد الشفرة قبل إضجاع الشاة ونحوها، صرح بذلك الحنفية، والمالكية والشافعية، واتفقوا على كراهة أن يحد الذابح الشفرة بين يدي الذبيحة، وهي مهيأة للذبح لما أخرجه الحاكم عن ابن عباس – رضي الله عنهما- (أن رجلا أضجع شاة يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أتريد أن تميتها موتات ؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها) ولا تحرُم الذبيحة بترك شيء من مستحبات الذبح، أو فعل شيء من مكروهاته; لأن النهي المستفاد من الحديث ليس لمعنى في المنهي عنه بل لمعنى في غيره، وهو ما يلحق الحيوان من زيادة ألم لا حاجة إليها  فلا يوجب الفساد . 

هـ – أن تضجع الذبيحة على شقها الأيسر برفق . قال النووي: جاءت الأحاديث بالإضجاع وأجمع عليه المسلمون، واتفق العلماء على أن إضجاع الذبيحة يكون على جانبها الأيسر لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها باليسار، وقاس الجمهور على الكبش جميع المذبوحات التي تحتاج فيها إلى الإضجاع . 

و- سوق الذبيحة إلى المذبح برفق، صرح بذلك الشافعية . 

ز- عرض الماء على الذبيحة قبل ذبحها ، صرح بذلك الشافعية أيضا . 

ح – وإذا كانت الذبيحة قربة من القربات كالأضحية يكبر الذابح ثلاثا قبل التسمية وثلاثا بعدها، ثم يقول: اللهم هذا منك وإليك فتقبله مني، صرح بذلك الشافعية . 

ط – كون الذبح باليد اليمنى، صرح بذلك المالكية والشافعية . 

ي – عدم المبالغة في القطع حتى يبلغ الذابح النخاع أو يبين رأس الذبيحة حال ذبحها وكذا بعد الذبح قبل أن تبرد وكذا سلخها قبل أن تبرد لما في كل ذلك من زيادة إيلام لا حاجة إليها . ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبيحة أن تفرس) . وقال ابن الأثير في ” النهاية معنى أن تفرس هو كسر رقبة الذبيحة قبل أن تبرد” فإن نخع أو سلخ قبل أن تبرد لم تحرم الذبيحة لوجود التذكية بشرائطها . وصرح المالكية والشافعية والحنابلة بكراهة قطع عضو منها، أو إلقائها في النار بعد تمام ذبحها، وقبل خروج روحها . وصرح الشافعية أيضا بكراهة تحريكها ونقلها قبل خروج روحها . وقال القاضي من الحنابلة : يحرم كسر عنقها حتى تبرد، وقطع عضو منها قبل أن تبرد .