العاقل من حاسب نفسه
ما من إنسان عاقل فقيه منتبه لأمر نفسه حريص على ما ينفعها حذر مما يضرها، إلا وهو يعلم ماذا يريد وكيف يصل إلى مراده ويسير في حياته طبقاً لهذه الكيفية، ولكن مشاغل الإنسان في الحياة كثيرة من عمل وزوجة وأولاد وصلة رحم وانشغال بالطعام والشراب والترفيه عن نفسه بين الفينة والأخرى تجعلى يغفل عن غايته ومراده.
فقد روى مسلم عن أبي عثمان النهدي عن حنظلة الأسيدي قال: وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وما ذاك؟." قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده؛ إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات."
فكل منا محتاج بين الحين والآخر إلى مجلس يتذكر الآخرة والجنة والنار فيعود الإيمان والخشوع إلى قلبه، ومن تلك المجالس التي يحتاجها الإنسان مجلس يقف فيها كل منا وقفة يحاسب فيها نفسه ويجدد فيها عزمه على السير الجاد إلى مراده، ولا غرو أن تكون أيها المؤمن كذلك، لك مع نفسك وقفات، لتنظر في حالك الذي أنت عليه ومآلك الذي أنت صائر إليه ، تستذكر أن الله خلقك وصورك لغاية واحدة، وهي عبادته سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه الذي قد أعطاك من النعم والفضل والكرم من مال وصحة وعافية وأهل وقوة وحسب وتوفيق، لتحبه فوق كل محبة وتشكره وتكون وليا من أوليائه، ثم تنظر في حالك وأقوالك وأفعالك، هل يحبها الله أم لا، هي رضي عملك أم رده إليك لتأتي به يوم القيامة تحمله على ظهرك ذنوباً وأثقالاً.
*أهوال الحساب يوم القيامة
أيها العبد المؤمن حاسب نفسك، قبل يوم الحساب، يوم القيامة من أسمائه يوم الحساب لأن كل عبد يحاسب فيه على عمله، قال الله: إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) (ص)
قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْت بِرَبِّي وَرَبّكُمْ مِنْ كُلّ مُتَكَبِّر لَا يُؤْمِن بِيَوْمِ الْحِسَاب }
وسماه الله يوم الحسرة، لأن أكثر الناس عند الحساب يجدون أنفسهم خاسرين قد خسروا حياتهم في لهو ولعب وغفلة عن ربهم فتصبهم الحسرة، قال الله : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) (مريم)
وهو يوم عظيم، أهواله شديدة، يأت الناس حفاة عراة، لا ينظر بعضهم إلى بعض من هول الموقف يومئذ، تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً.
وكل إنسان يقول نفسي نفسي، ويذهب الناس إلى آدم ثم الأنبياء يسألونهم أن يسألوا الله أن يبدأ الحساب، فكل يعتذر عن نفسه، ثم يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسجد تحت عرش الرحمن ويحمد الله بمحامد لم يحمده أحد بها من قبل، فيبدأ الحساب، والحساب يومها بمثقال الذرة،
قال الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]
لا يدع الله شاردة ولا واردة ، تأتي يوم القيامة ، وتحمل ذنوبك، عندما كنت في الدنيا كانت الملكان عن يمينك وشمالك يكتبان الحسنات والسيئات.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) (سورة ق)
إذا كنت نسيت عملك فإن الله لم ينسى ، إذا كنت غفلت عن ذنوب وأعمالك فهي محفوظة وستحاسب عليها.
ويوضع هذا كله في كتاب واحد ، ثم تتطاير الصحف يوم القيامة ، وكل إنسان يأتيه كتابه في يده ، ستأخذ الكتاب بيدك كل حسب عمله ، فمن أوتي كتابه بيمينه فحسابه يسير، قال الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14) بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) (سورة الإنشقاق)
ومن أوتي كتابه بشماله من وراء ظهره، لأن المؤمن يأتيه كتابه عن يمينه فيعلم أن الله قد رضي عنه فيستلمه بيمينه، أما أهل العصيان والمنافقين والكافرين فيأتيهم الكتاب عن شمائلهم فيعلمون أنهم من أهل النار، يا رب سلم، فيبعد يده عن الكتاب حتى يضعها وراء ظهره ، فيأتيه الكتاب وراء ظهره ويستلم الكتاب رغماً عنه ، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، فإذا نوقش الحساب عذب، والناس تعرض أعمالهم يوم القيامة على الله، فأما المؤمن فيقر بعمله.
عن ابن عمَر رضي اللَّه عنهما قالَ: سمِعتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: "يُدْنَى المُؤْمِنُ يَومَ القِيَامَةِ مِنُ رَبِّهِ حتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيهِ، فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِه، فيقولُ: أَتَعرفُ ذنبَ كَذا؟ أَتَعرفُ ذَنبَ كَذَا؟ فيقول: رَبِّ أَعْرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي قَد سَتَرتُهَا عَلَيكَ في الدُّنيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَومَ، فَيُعطَى صَحِيفَةَ حسَنَاته "متفقٌ عَلَيهِ.
وهذا يسمى عرض أو حساب يسير، يبين الله فيه لعبده فضله عليه وإكرامه له وعفوه عنه لما كان منه من إيمان وعمل صالح في الدنيا فيعفو الله عن ذنوبه، وليس فيه كثير جدال ونقاش ،
أما أهل النار، فحين ينظر في كتابه يتعجب
وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) (سورة الكهف)
فيناقشون الحساب، ومن نوقش الحساب عذب.
عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ قَالَتْ قُلْتُ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا قَالَ ذَلِكِ الْعَرْضُ ولكن من نوقش الحساب عذب.
وال كافر أو المنافق يجادل ويقول لم أفعل أو فعلت ولم أقصد أو فعلت وقصدت وكنت مضطراً، فيحاسبه الله على الصغيرة والكبيرة ويعامله بعدله لا بفضله.
قال الله تعالى: يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15) (سورة القيامة)
يأتي الإنسان عند الحساب بمعاذير وحجج واهية يبرر بها سوء عمله، يظن نفسه سيخدع الله، والله لا يخدعه أحد.
رو الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: "هل تدرون مم أضحك". قال: قلنا الله ورسوله أعلم. قال: "من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فأني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام قال فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل"
قال الله سبحانه: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) (سورة يس)
ألم أقل لكم أنه الله لا يخدعه أحد ولا يمكر عليه أحد.
فمن أراد أن يخفف عنه الحساب يومئذ فليكن ممن يحاسب نفسه في الحياة الدنيا كما قال عمر بن الخطاب. عن الفاروق كما عند الترمذي : )) حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا((.
*لا تطمئن إلى نفسك
إن أكثر ما يجعل الإنسان يغفل عن محاسبة نفسه ، أنه لا ينظر إلى عيوبها ، يري نفسه لا يخطئ ، وإن أخطأ برر لنفسه الخطأ بالظروف والأحوال والإضطرار والحاجة ، والزمن الذي نعيش فيه ، وغيرها من التبريرات التي يخادعون بها الله ، وهو لا يخدع إلا نفسه ، إذا صلى صلاة واحدة ظن نفسه وليا من أولياء الله وكأنه صار حقاً على الله أن يدخله الجنة، وينسى ذنوبه التي بلغت عنان السماء، ولا يرى أن عبادته وعمله وأعماله الصالحة إنما هي محض توفيق من الله يحتاج إلى شكر.
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) (سورة يونس)
ثم إن كل واحد منا لو نظر في عبادته لما رضيها لله ، عندما صليت هل كنت مستحضرات لعظمة الله فكنت خاشعا كما يريد الله ، عندما صمت ألم تقع في ذنب أثناء صومك ، المال الذي تصدقت به ، كل كانت نيتك خالصة لله سبحانه ، وهكذا في كل قول وعمل ستجد فيه تقصيراً بلا شك ، لذلك كانت السنة الاستغفار بعد العبادة ، فقد ثبت في صحيح مسلم: (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً ))
وفي الحج قال الله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ البقرة (199)
استغفار من ماذا؟ من أي تقصير فيها.
وإذا حسبنا جدلاً أنك استطعت القيام بأمر الله كما ينبغي، ومكثت علي عبادة راكعا ساجدا لله سبحانه منذ أن خلقك وإلى أن تموت لما أوفيت الله حقه في نعمه وفضله عليك. الآية الثامنة عشر من سورة النحل وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)﴾
الشاهد هو أن تعلم أنك مذنب مقصر في حق ربك ، وكلنا المتكلم والسامع أصحاب ذنوب ومعاصي، لذلك وجب عليك أن تحاسب نفسك، وأن تتبع أخلاقك وعملك وعاداتك وأقوالك وهمساتك وسكناتك، لترى هل قريبة من مرضاة الله وشرعه أم هي بعيدة عنها.
*الله يأمرك بمحاسبة نفسك
والله سبحانه يأمرك أيها العبد الصالح أن تحاسب نفسك ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) سورة الحشر.
عن الحسن في قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2] قال: "لاتلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتـي؟ ماذا أردت بـأكلتـي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والعاجز يمضي قدماً لا يحاسب نفسه"
فالمؤمن دائم المحاسبة لنفسه على كل قول وفعل ، بل وهلى كل خاطرة ، فلا يفكر في معصية.
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استحيوا من الله حق الحياء. قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك استحيا من الله حق الحياء".
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) (سورة الطور)
يقول تعالى ذكره: قال بعضهم لبعض: إنا أيها القوم كنا في أهلنا في الدنيا مُشفقين خائفين من عذاب الله وجلين أن يعذبنا ربنا اليوم .
*السلف يحاسبون أنفسهم
كان السلف رحمهم الله تعالى كثيري العمل ومع ذلك كانوا أخشى ما يكونون لله سبحانه ، ويخافون على أنفسهم .
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : سمعت عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يوما وخرجت معه حتى دخل حائطا فسمعته يقول – وبيني وبينه جدار «عمر !! أمير المؤمنين !! بخ بخ، والله بُنَيَّ الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك» (الزهد للإمام أحمد) .
وقال عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: لو تعلمون بعيوبي ما تبعني منكم رجلان؛ ولوددت أني دعيت عبد الله بن روثة وأن الله غفر لي ذنباً من ذنوبي.
وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال : كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه : (يا حنيف ! ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟) (ذم الهوى)
وسئل عمر بن عبد العزيز –رحمه الله-: يا أمير المؤمنين، كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بطينًا، ملوثًا في الخطايا، أتمنى على الله الأماني.!
ولما احتضر سفيان الثوري :دخل عليه أبو الأشهب، وحماد بن سلمة، فقال له حماد: «يا أبا عبد الله، أليس قد أمنت مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فقال: يا أبا سلمة، أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي والله، إنى لأرجو لك ذلك».
*كيف تحاسب نفسك
*انظر إلى نعم الله عليك
تذكر أن الله خلقك من عدم وصورك فأحسن صورتك جعلك بشراً سوياً، وسخر لك أبوان قاما على رعايتك حتى كبرت وصرت قوياً قادراً على تحمل أعباء نفسك ، وإذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فانظر إلى حال الناس ، وما من إنسان إلا وهو صاحب بلاء ، منهم من حرم نعمة البصر وأعطاك أنت البصر ، ومنهم من حرم السمع وأنت تسمع ما تشاء ، أعطاك نعمة العافية ، وغيرك في المستشفيات يتلوى من الألم أيا كان موضعه ، أنت تأكل ما تشتهي وغيرك لا يستطيع ذلك ، أعطاك أولادا وحرم غيرك ، أعطاك زوجة طاعة وغيرك لا يقدر على الزواج ، وفقك إلى وظيفة تكسب منها مالا حلالا وغيرك لا يجد عملا ، وفقك إلى معرفته والإيمان به وبرسوله وهداك إلى الإسلام ، وغيرك يعيش في ظلمات الكفر والشرك وتلعب به الأهواء والشبهات ، وكل لحظة تتمتع فيها بهذه النعم فأنت تتقلب في فضل الله عليك.
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
*التوحيد والإخلاص
قف مع نفسك وقفة لتراجع التوحيد في قلبك ، هل أنت موحد حقاً كما يريد الله سبحانه ، كلنا ولد مسلما نشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ولكن لابد أن يوافق القول العمل ، بحيث ألا تقع في الشرك الأكبر أو تقترب منه مثل دعاء لغير الله أو إستغاثة بغيره أو طلب الشفاعة من المقبورين أو الطواف بقبورهم أو التمسح بها أو طلب الشفاعة من غير الله أو الإستعانة بالسحر أو بالجن أو تعقد أن أحدا بيده تسير الكون غير الله أو بغض شيء من دين الله ، اجعل كلمة الشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله سراج يضيء قلبك ، بأن تعتقد إعتقادا جازما أنه لا يحدث في الكون إلا بقدر الله، وأن يكون يقينك في الله أشد من يقينك في الأسباب فتتوكل على الله وتستعن به لأنه لا يملك النفع والضر إلا الله ، وإذا جاءك الأمر في كتب الله أو سنة رسوله: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) (سورة النور)
وحاسب نفسك كي لا تقع في شرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من حلف بغير الله فقد أشرك ـ وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وإنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال لرجل قال له ما شاء الله وما شئت: أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده ـ وهذا اللفظ أخف من غيره من الألفاظ... ومن أنواعه: الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره، وحمد غيره على ما أعطى، والغنية بذلك عن حمده سبحانه، والذم والسخط على ما لم يقسمه، ولم يجر به القدر، وإضافة نعمه إلى غيره. اهـ.
*طاعة الله فيما أمر
ومن محاسبة النفس ، أن تنظر أيها المؤمن في أعمال البر التي أمرك الله بها ، هل يراك الله حيث أمر ، حين ينادي للصلاة هل تسرع إليها وتستجيب للنداء وتحب لقاء الله ، هل عندما أمرك الله بإخراج الزكاة كنت لها مؤديا تعرف وقتها وتخرج قدرها ، هل أوسع الله عليك في الرزق فلم تحج ، أمرك ببر والديك وأن تكون لهما ذليلاً لهما فهل أنت كذلك ، أمرك بصلة الرحم فهل تصلها ، أمرك أن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ، أمرك بقراءة القرآن وتدبره ، أمرك أن تقيم بيتك على طاعته ومحبته .... وهكذا في الأوامر كلها ، لا تتكاسل عن طاعة الله.
*الإنتهاء عن كل محرم
ومن محاسبة النفس ، أن تقيم نفسك على مقتضى الشرع ، ما هي الذنوب التي تقع منك كثيراً فكل تلك ذنوب ستحاسب عليها يوم القيامة ، واعلم أنه لا شيء في الدنيا يستحق أن تعصى له من أجل إرضائه أو من أجل تحصيله ، لا تعص الله إرضاءا لوالد ولا ولد ولا زوجة ولا صديق ، فليكن الله سبحانه أحب إليه من كل أحد واحرص على إرضائه وإن سخط كل الناس عليك لا تكذب ولا تغتاب ولا تغفل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرضاءا لله.
فَلَيْتَكَ تَحْلُو، وَالحَيَاة ُ مَرِيرَة ٌ، وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الّذي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ
إذا صَحَّ منك الودّ فالكُلُّ هَيِّنٌ وكُلُّ الذي فَوقَ التُّرابِ تُرابِ
واعلم أنه لا متعة في الدنيا تستحق أن تعصى الله من أجل تحصيلها كإطلاق البصر إلى النساء في الطرقات والتلفاز، أو شرب السجائر والمخدرات أو السرقة من أجل تحصيل متع الدنيا أو الغيبة والنميمة، فكل تلك أمور دنيئة، والمؤمن لا يقرب السيئات ولا الدناءات.
*أخلاقك مع الناس
حاسب نفسك في تعاملك مع الناس، فإن ظلم الناس جرم عظيم ، وقد ذكرنا قبل ذلك أن الظلم ثلاثة أنواع منها ظلم لا يترك، أي لا يغفر حتى يعفو عنك المظلوم ، وفي يوم القيامة حين لا يكون دينار ولا درهم والتعامل بالحسنات والسيئات ، لا أظن أن يترك أحد لك حسنة ، فالكل يقول نفسي نفسي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه:
(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
راجع تعاملاتك هل تؤذي أحداً بكلامك أو بفعل ، مثل أن تظلم زوجتك أو أولادك وأنت لا تدري ، تظلمهم بالقسوة عليهم أو بالتدليل الزائد لهم، فكل ذلك ظلم لهم ، هل تعمل في مكان وتؤذي زملاءك ومرؤوسيك ، هل تؤذي الناس في الطرقات بسيارتك ، هل تؤذي جيرانك بصوتك المرتفع ، وتؤذي جيرانك الذي يسكنون في الطابق السفلي لك ، هل تكثر من الشتم والسب واللعن لمن حولك ، هل تأكل أموال الناس ظلماً ، كيف حالك مع صلة رحمك ، هل لا تزال قاطعا لهم واقعا في أعراضهم .
*التوبة والإستغفار
ومن محاسبتك لنفسك أن يثمر كل ما قلنا عن إستغفار وتوبة إلى الله من ذنوبك وتقصيرك ، استغفر كثيراً من ذنوبك وتقصيرك ، واعزم على السير إلى الله بالمنهج الذي جاء به النبي محمد ص لا تخرج عنه قدر أنملة ، وإن وقعت في ذنب أو سيئة وهذا واقع غالباً ، قم واستغفر وجدد التوبة ، وهكذا لا تمل من الإستغفار والتوبة مهما بلغت ذنوبك أو تكررن منك ، قم وتب واستغفر سريعا ، إن من عجائب الآيات التي نقرؤوها في كتاب الله قوله سبحانه وهو يصف المتقين : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (135) (آل عمران ، وإن كان للناس عنك حق فتحلل منهم الآن واطلب عفوهم عن ظلمك لهم الآن.
ما من إنسان عاقل فقيه منتبه لأمر نفسه حريص على ما ينفعها حذر مما يضرها، إلا وهو يعلم ماذا يريد وكيف يصل إلى مراده ويسير في حياته طبقاً لهذه الكيفية، ولكن مشاغل الإنسان في الحياة كثيرة من عمل وزوجة وأولاد وصلة رحم وانشغال بالطعام والشراب والترفيه عن نفسه بين الفينة والأخرى تجعلى يغفل عن غايته ومراده.
فقد روى مسلم عن أبي عثمان النهدي عن حنظلة الأسيدي قال: وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وما ذاك؟." قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده؛ إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات."
فكل منا محتاج بين الحين والآخر إلى مجلس يتذكر الآخرة والجنة والنار فيعود الإيمان والخشوع إلى قلبه، ومن تلك المجالس التي يحتاجها الإنسان مجلس يقف فيها كل منا وقفة يحاسب فيها نفسه ويجدد فيها عزمه على السير الجاد إلى مراده، ولا غرو أن تكون أيها المؤمن كذلك، لك مع نفسك وقفات، لتنظر في حالك الذي أنت عليه ومآلك الذي أنت صائر إليه ، تستذكر أن الله خلقك وصورك لغاية واحدة، وهي عبادته سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه الذي قد أعطاك من النعم والفضل والكرم من مال وصحة وعافية وأهل وقوة وحسب وتوفيق، لتحبه فوق كل محبة وتشكره وتكون وليا من أوليائه، ثم تنظر في حالك وأقوالك وأفعالك، هل يحبها الله أم لا، هي رضي عملك أم رده إليك لتأتي به يوم القيامة تحمله على ظهرك ذنوباً وأثقالاً.
*أهوال الحساب يوم القيامة
أيها العبد المؤمن حاسب نفسك، قبل يوم الحساب، يوم القيامة من أسمائه يوم الحساب لأن كل عبد يحاسب فيه على عمله، قال الله: إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) (ص)
قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْت بِرَبِّي وَرَبّكُمْ مِنْ كُلّ مُتَكَبِّر لَا يُؤْمِن بِيَوْمِ الْحِسَاب }
وسماه الله يوم الحسرة، لأن أكثر الناس عند الحساب يجدون أنفسهم خاسرين قد خسروا حياتهم في لهو ولعب وغفلة عن ربهم فتصبهم الحسرة، قال الله : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) (مريم)
وهو يوم عظيم، أهواله شديدة، يأت الناس حفاة عراة، لا ينظر بعضهم إلى بعض من هول الموقف يومئذ، تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً.
وكل إنسان يقول نفسي نفسي، ويذهب الناس إلى آدم ثم الأنبياء يسألونهم أن يسألوا الله أن يبدأ الحساب، فكل يعتذر عن نفسه، ثم يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسجد تحت عرش الرحمن ويحمد الله بمحامد لم يحمده أحد بها من قبل، فيبدأ الحساب، والحساب يومها بمثقال الذرة،
قال الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]
لا يدع الله شاردة ولا واردة ، تأتي يوم القيامة ، وتحمل ذنوبك، عندما كنت في الدنيا كانت الملكان عن يمينك وشمالك يكتبان الحسنات والسيئات.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) (سورة ق)
إذا كنت نسيت عملك فإن الله لم ينسى ، إذا كنت غفلت عن ذنوب وأعمالك فهي محفوظة وستحاسب عليها.
ويوضع هذا كله في كتاب واحد ، ثم تتطاير الصحف يوم القيامة ، وكل إنسان يأتيه كتابه في يده ، ستأخذ الكتاب بيدك كل حسب عمله ، فمن أوتي كتابه بيمينه فحسابه يسير، قال الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14) بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) (سورة الإنشقاق)
ومن أوتي كتابه بشماله من وراء ظهره، لأن المؤمن يأتيه كتابه عن يمينه فيعلم أن الله قد رضي عنه فيستلمه بيمينه، أما أهل العصيان والمنافقين والكافرين فيأتيهم الكتاب عن شمائلهم فيعلمون أنهم من أهل النار، يا رب سلم، فيبعد يده عن الكتاب حتى يضعها وراء ظهره ، فيأتيه الكتاب وراء ظهره ويستلم الكتاب رغماً عنه ، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، فإذا نوقش الحساب عذب، والناس تعرض أعمالهم يوم القيامة على الله، فأما المؤمن فيقر بعمله.
عن ابن عمَر رضي اللَّه عنهما قالَ: سمِعتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول: "يُدْنَى المُؤْمِنُ يَومَ القِيَامَةِ مِنُ رَبِّهِ حتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيهِ، فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِه، فيقولُ: أَتَعرفُ ذنبَ كَذا؟ أَتَعرفُ ذَنبَ كَذَا؟ فيقول: رَبِّ أَعْرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي قَد سَتَرتُهَا عَلَيكَ في الدُّنيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَومَ، فَيُعطَى صَحِيفَةَ حسَنَاته "متفقٌ عَلَيهِ.
وهذا يسمى عرض أو حساب يسير، يبين الله فيه لعبده فضله عليه وإكرامه له وعفوه عنه لما كان منه من إيمان وعمل صالح في الدنيا فيعفو الله عن ذنوبه، وليس فيه كثير جدال ونقاش ،
أما أهل النار، فحين ينظر في كتابه يتعجب
وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) (سورة الكهف)
فيناقشون الحساب، ومن نوقش الحساب عذب.
عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ قَالَتْ قُلْتُ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا قَالَ ذَلِكِ الْعَرْضُ ولكن من نوقش الحساب عذب.
وال كافر أو المنافق يجادل ويقول لم أفعل أو فعلت ولم أقصد أو فعلت وقصدت وكنت مضطراً، فيحاسبه الله على الصغيرة والكبيرة ويعامله بعدله لا بفضله.
قال الله تعالى: يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15) (سورة القيامة)
يأتي الإنسان عند الحساب بمعاذير وحجج واهية يبرر بها سوء عمله، يظن نفسه سيخدع الله، والله لا يخدعه أحد.
رو الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: "هل تدرون مم أضحك". قال: قلنا الله ورسوله أعلم. قال: "من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فأني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام قال فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل"
قال الله سبحانه: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) (سورة يس)
ألم أقل لكم أنه الله لا يخدعه أحد ولا يمكر عليه أحد.
فمن أراد أن يخفف عنه الحساب يومئذ فليكن ممن يحاسب نفسه في الحياة الدنيا كما قال عمر بن الخطاب. عن الفاروق كما عند الترمذي : )) حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا((.
*لا تطمئن إلى نفسك
إن أكثر ما يجعل الإنسان يغفل عن محاسبة نفسه ، أنه لا ينظر إلى عيوبها ، يري نفسه لا يخطئ ، وإن أخطأ برر لنفسه الخطأ بالظروف والأحوال والإضطرار والحاجة ، والزمن الذي نعيش فيه ، وغيرها من التبريرات التي يخادعون بها الله ، وهو لا يخدع إلا نفسه ، إذا صلى صلاة واحدة ظن نفسه وليا من أولياء الله وكأنه صار حقاً على الله أن يدخله الجنة، وينسى ذنوبه التي بلغت عنان السماء، ولا يرى أن عبادته وعمله وأعماله الصالحة إنما هي محض توفيق من الله يحتاج إلى شكر.
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) (سورة يونس)
ثم إن كل واحد منا لو نظر في عبادته لما رضيها لله ، عندما صليت هل كنت مستحضرات لعظمة الله فكنت خاشعا كما يريد الله ، عندما صمت ألم تقع في ذنب أثناء صومك ، المال الذي تصدقت به ، كل كانت نيتك خالصة لله سبحانه ، وهكذا في كل قول وعمل ستجد فيه تقصيراً بلا شك ، لذلك كانت السنة الاستغفار بعد العبادة ، فقد ثبت في صحيح مسلم: (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً ))
وفي الحج قال الله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ البقرة (199)
استغفار من ماذا؟ من أي تقصير فيها.
وإذا حسبنا جدلاً أنك استطعت القيام بأمر الله كما ينبغي، ومكثت علي عبادة راكعا ساجدا لله سبحانه منذ أن خلقك وإلى أن تموت لما أوفيت الله حقه في نعمه وفضله عليك. الآية الثامنة عشر من سورة النحل وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)﴾
الشاهد هو أن تعلم أنك مذنب مقصر في حق ربك ، وكلنا المتكلم والسامع أصحاب ذنوب ومعاصي، لذلك وجب عليك أن تحاسب نفسك، وأن تتبع أخلاقك وعملك وعاداتك وأقوالك وهمساتك وسكناتك، لترى هل قريبة من مرضاة الله وشرعه أم هي بعيدة عنها.
*الله يأمرك بمحاسبة نفسك
والله سبحانه يأمرك أيها العبد الصالح أن تحاسب نفسك ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) سورة الحشر.
عن الحسن في قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2] قال: "لاتلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتـي؟ ماذا أردت بـأكلتـي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والعاجز يمضي قدماً لا يحاسب نفسه"
فالمؤمن دائم المحاسبة لنفسه على كل قول وفعل ، بل وهلى كل خاطرة ، فلا يفكر في معصية.
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استحيوا من الله حق الحياء. قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك استحيا من الله حق الحياء".
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) (سورة الطور)
يقول تعالى ذكره: قال بعضهم لبعض: إنا أيها القوم كنا في أهلنا في الدنيا مُشفقين خائفين من عذاب الله وجلين أن يعذبنا ربنا اليوم .
*السلف يحاسبون أنفسهم
كان السلف رحمهم الله تعالى كثيري العمل ومع ذلك كانوا أخشى ما يكونون لله سبحانه ، ويخافون على أنفسهم .
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : سمعت عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يوما وخرجت معه حتى دخل حائطا فسمعته يقول – وبيني وبينه جدار «عمر !! أمير المؤمنين !! بخ بخ، والله بُنَيَّ الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك» (الزهد للإمام أحمد) .
وقال عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: لو تعلمون بعيوبي ما تبعني منكم رجلان؛ ولوددت أني دعيت عبد الله بن روثة وأن الله غفر لي ذنباً من ذنوبي.
وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال : كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه : (يا حنيف ! ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟) (ذم الهوى)
وسئل عمر بن عبد العزيز –رحمه الله-: يا أمير المؤمنين، كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بطينًا، ملوثًا في الخطايا، أتمنى على الله الأماني.!
ولما احتضر سفيان الثوري :دخل عليه أبو الأشهب، وحماد بن سلمة، فقال له حماد: «يا أبا عبد الله، أليس قد أمنت مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فقال: يا أبا سلمة، أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي والله، إنى لأرجو لك ذلك».
*كيف تحاسب نفسك
*انظر إلى نعم الله عليك
تذكر أن الله خلقك من عدم وصورك فأحسن صورتك جعلك بشراً سوياً، وسخر لك أبوان قاما على رعايتك حتى كبرت وصرت قوياً قادراً على تحمل أعباء نفسك ، وإذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فانظر إلى حال الناس ، وما من إنسان إلا وهو صاحب بلاء ، منهم من حرم نعمة البصر وأعطاك أنت البصر ، ومنهم من حرم السمع وأنت تسمع ما تشاء ، أعطاك نعمة العافية ، وغيرك في المستشفيات يتلوى من الألم أيا كان موضعه ، أنت تأكل ما تشتهي وغيرك لا يستطيع ذلك ، أعطاك أولادا وحرم غيرك ، أعطاك زوجة طاعة وغيرك لا يقدر على الزواج ، وفقك إلى وظيفة تكسب منها مالا حلالا وغيرك لا يجد عملا ، وفقك إلى معرفته والإيمان به وبرسوله وهداك إلى الإسلام ، وغيرك يعيش في ظلمات الكفر والشرك وتلعب به الأهواء والشبهات ، وكل لحظة تتمتع فيها بهذه النعم فأنت تتقلب في فضل الله عليك.
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
*التوحيد والإخلاص
قف مع نفسك وقفة لتراجع التوحيد في قلبك ، هل أنت موحد حقاً كما يريد الله سبحانه ، كلنا ولد مسلما نشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ولكن لابد أن يوافق القول العمل ، بحيث ألا تقع في الشرك الأكبر أو تقترب منه مثل دعاء لغير الله أو إستغاثة بغيره أو طلب الشفاعة من المقبورين أو الطواف بقبورهم أو التمسح بها أو طلب الشفاعة من غير الله أو الإستعانة بالسحر أو بالجن أو تعقد أن أحدا بيده تسير الكون غير الله أو بغض شيء من دين الله ، اجعل كلمة الشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله سراج يضيء قلبك ، بأن تعتقد إعتقادا جازما أنه لا يحدث في الكون إلا بقدر الله، وأن يكون يقينك في الله أشد من يقينك في الأسباب فتتوكل على الله وتستعن به لأنه لا يملك النفع والضر إلا الله ، وإذا جاءك الأمر في كتب الله أو سنة رسوله: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) (سورة النور)
وحاسب نفسك كي لا تقع في شرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من حلف بغير الله فقد أشرك ـ وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وإنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال لرجل قال له ما شاء الله وما شئت: أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده ـ وهذا اللفظ أخف من غيره من الألفاظ... ومن أنواعه: الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره، وحمد غيره على ما أعطى، والغنية بذلك عن حمده سبحانه، والذم والسخط على ما لم يقسمه، ولم يجر به القدر، وإضافة نعمه إلى غيره. اهـ.
*طاعة الله فيما أمر
ومن محاسبة النفس ، أن تنظر أيها المؤمن في أعمال البر التي أمرك الله بها ، هل يراك الله حيث أمر ، حين ينادي للصلاة هل تسرع إليها وتستجيب للنداء وتحب لقاء الله ، هل عندما أمرك الله بإخراج الزكاة كنت لها مؤديا تعرف وقتها وتخرج قدرها ، هل أوسع الله عليك في الرزق فلم تحج ، أمرك ببر والديك وأن تكون لهما ذليلاً لهما فهل أنت كذلك ، أمرك بصلة الرحم فهل تصلها ، أمرك أن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ، أمرك بقراءة القرآن وتدبره ، أمرك أن تقيم بيتك على طاعته ومحبته .... وهكذا في الأوامر كلها ، لا تتكاسل عن طاعة الله.
*الإنتهاء عن كل محرم
ومن محاسبة النفس ، أن تقيم نفسك على مقتضى الشرع ، ما هي الذنوب التي تقع منك كثيراً فكل تلك ذنوب ستحاسب عليها يوم القيامة ، واعلم أنه لا شيء في الدنيا يستحق أن تعصى له من أجل إرضائه أو من أجل تحصيله ، لا تعص الله إرضاءا لوالد ولا ولد ولا زوجة ولا صديق ، فليكن الله سبحانه أحب إليه من كل أحد واحرص على إرضائه وإن سخط كل الناس عليك لا تكذب ولا تغتاب ولا تغفل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرضاءا لله.
فَلَيْتَكَ تَحْلُو، وَالحَيَاة ُ مَرِيرَة ٌ، وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الّذي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ
إذا صَحَّ منك الودّ فالكُلُّ هَيِّنٌ وكُلُّ الذي فَوقَ التُّرابِ تُرابِ
واعلم أنه لا متعة في الدنيا تستحق أن تعصى الله من أجل تحصيلها كإطلاق البصر إلى النساء في الطرقات والتلفاز، أو شرب السجائر والمخدرات أو السرقة من أجل تحصيل متع الدنيا أو الغيبة والنميمة، فكل تلك أمور دنيئة، والمؤمن لا يقرب السيئات ولا الدناءات.
*أخلاقك مع الناس
حاسب نفسك في تعاملك مع الناس، فإن ظلم الناس جرم عظيم ، وقد ذكرنا قبل ذلك أن الظلم ثلاثة أنواع منها ظلم لا يترك، أي لا يغفر حتى يعفو عنك المظلوم ، وفي يوم القيامة حين لا يكون دينار ولا درهم والتعامل بالحسنات والسيئات ، لا أظن أن يترك أحد لك حسنة ، فالكل يقول نفسي نفسي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه:
(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
راجع تعاملاتك هل تؤذي أحداً بكلامك أو بفعل ، مثل أن تظلم زوجتك أو أولادك وأنت لا تدري ، تظلمهم بالقسوة عليهم أو بالتدليل الزائد لهم، فكل ذلك ظلم لهم ، هل تعمل في مكان وتؤذي زملاءك ومرؤوسيك ، هل تؤذي الناس في الطرقات بسيارتك ، هل تؤذي جيرانك بصوتك المرتفع ، وتؤذي جيرانك الذي يسكنون في الطابق السفلي لك ، هل تكثر من الشتم والسب واللعن لمن حولك ، هل تأكل أموال الناس ظلماً ، كيف حالك مع صلة رحمك ، هل لا تزال قاطعا لهم واقعا في أعراضهم .
*التوبة والإستغفار
ومن محاسبتك لنفسك أن يثمر كل ما قلنا عن إستغفار وتوبة إلى الله من ذنوبك وتقصيرك ، استغفر كثيراً من ذنوبك وتقصيرك ، واعزم على السير إلى الله بالمنهج الذي جاء به النبي محمد ص لا تخرج عنه قدر أنملة ، وإن وقعت في ذنب أو سيئة وهذا واقع غالباً ، قم واستغفر وجدد التوبة ، وهكذا لا تمل من الإستغفار والتوبة مهما بلغت ذنوبك أو تكررن منك ، قم وتب واستغفر سريعا ، إن من عجائب الآيات التي نقرؤوها في كتاب الله قوله سبحانه وهو يصف المتقين : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (135) (آل عمران ، وإن كان للناس عنك حق فتحلل منهم الآن واطلب عفوهم عن ظلمك لهم الآن.
ما شاء الله فتح الله عليك
ردحذف