السبت، 23 يونيو 2018

قصص الثبات على الدين


فإن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بالخير والشر، ويمتحنهم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى، بالشدة بعد الرخاء، وبالرخاء بعد الشدة؛ ليظهر مبلغ شكر الشاكرين، ومدى صبر الصابرين: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ سورة الأنبياء35.
وهكذا الإيمان يحتاج إلى ابتلاء ليظهر كم ثباته: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ سورة العنكبوت2-3، إنه ليس كلمة تقال وإنما هو حقيقة وأمانة ذات أعباء، جهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال، فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا، فلا يتركون لهذه الدعوى حتى يتعرضوا للفتنة فيظهر من يثبت على الدين والإيمان، فيخرج صافياً خالص القلب، كما تفتن النار الذهب ليظهر طيب معدنه، ويتنقى من الشوائب الرديئة، وهكذا الفتنة على الإيمان أصل ثابت وسنة جارية، قال تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ سورة العنكبوت3،

إن من لوازم ومقتضيات بل أساسيات العقيدة السليمة والمنهج السوي المعتدل والسلوك القويم، أن يتبلور بشخصية قوية صلبة ثابتة راسخة شامخة، لا تهاب ولا تخشى في الله لومة لائم، لا تعرف للانهزام طعما ولا للخذلان لونا ولا للتقهقر شكلا ولا للتقلب والتلون حالا، كما حثنا الله عز وجل على التمسك بوحيه بل وبالغ في ذلك إذ قال جل وعلا ( والذين يُمَّسّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين )، وقال في موضع آخر ( فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم )، قال ابن عاشور في تفسيره ( التحرير والتنوير ) (لما هوّن الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ما يلاقيه من شدة الحرص على إيمانهم ووعده النصر عليهم فَرّع على ذلك أن أمره بالثبات على دينه وكتابِه وأن لا يخورَ عزمه في الدعوة ضجراً من تصلبهم في كفرهم ونفورهم من الحق .
والاستمساك: شدة المسك، فالسين والتاء فيه للتأكيد. والأمر به مستعمل في طلب الدوام، لأنّ الأمر بفعل لمن هو مُتلبس به لا يكون لطلب الفعل بل لمعنى آخر وهو هنا طلب الثبات على التمسك بما أوحي إليه كما دلّ عليه قوله : " إنك على صراط مستقيم

أيها الناس! أن أمر الثبات على دين الله لهو الفارق بين الحق والباطل.. وبين المحق والمبطل.. وبين العز والذل.. وبين المكرمة والإهانة.. وبين النصر والخذيلة، فمن ثبته الله انتصر، ومن لم يثبته الله سبحانه وتعالى خذل: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ))[آل عمران:146-147],



يوسف عليه الصلاة والسلام مكر به إخوانه مكراً كباراً، ولكن قابل ذلك المكر كله في مواضع كثيرة بالثبات على الحق وعلى الهدى وحتى صار أيضاً أميناً على خزائن الملك، بعد أن صار عند إنسان عبارة عن رجل قد بيع مباع، وبعد حين يرفعه الله سبحانه وتعالى وتراوده تلك المرأة على نفسه فيثبت على الهدى، معاذ الله قال الله عز وجل: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا))[يوسف:24-26], الآيات, وهو يقول: ((مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ))[يوسف:23], ويثبت مرة أخرى حين يدخل السجن ويؤمر بإخراجه من السجن، ولكن قبل أن تبرأ ساحته وقبل أن يعلم الناس أنه بريء من تلك التهم التي حصلت عن طريق النسوة، فيأبى حتى تأتي براءته، وحتى تعترف تلك المرأة أنها هي راودته عن نفسه: ((الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ))[يوسف:51-52].


سحَرةُ موسى كانوا يرجُون نَوال فرعونَ، ويحلُمون بقربه؛ كما دوَّن لنا القرآن الكريم حالَهم هذا بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الأعراف: 113، 114].

بيد أنهم لمَّا لاح لهم الحقُ وانجلى، تركوا ما ألْـفَوا عليه آباءَهم، وأصبحوا في حالةٍ إيمانية نادرة؛ بل إنَّهم تَرَقَّوا إلى مرتبةٍ مِن الفناء في سبيل الله عز وجل؛ بحيث تتطاول لها أعناقُ المؤمنين، وأضْحَوا في لحظاتٍ قليلةٍ في سِلك أوليائه بعدما كانوا في خانة أعدائه، وأصبحوا أنيسَ الحق وتِرْبَه بعد أن كانوا غريمه وخصمه، فها هو فرعون الطاغية لما يرى أوبتهم إلى الحق، يبدأ بتهديدهم بكل ما أوتي من جبروت وطغيان؛ علَّهم يعودون إلى ضلالهم القديم، ويقول لهم كما جاء في سورة طه: ﴿ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى [طه: 71]، ولكن تهديده هذا لم يجد منهم آذانًا مصغيةً؛ بل زادهم إصرارًا وتمسُّكًا بالحق الذي دخل شَغاف قلوبِهم ووجدوا حلاوته، وصعَقوا فرعون بقولهم: ﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: 72، 73].


أبو بكر الصديق وجيش أسامة رضي الله عنهم:
بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ومبايعة المسلمون الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بدأت محنة جديدة وامتحان صعب، إذ ظهر مدعي النبوة، وارتد من ارتد من جزيرة العرب، وظهور مانعي الزكاة، وكان عليه الصلاة والسلام قد جهز جيش بقيادة أسامة رضي الله عنه لغزو الروم، حيث اقترح بعض الصحابة بأن يبقى الجيش في المدينة لخوفهم من القضاء عليه وبالتالي تستباح المدينة إلا أن أبا بكر خالف ذلك وأمر بإمضاء بعث أسامة، وقال: لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر صاحب كتاب العواصم من القواصم ( أن أبا بكر رضي الله عنه قال لأسامة: انفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : كيف ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك ! ؟ فقال : لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة ، ما رددت جيش أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ).
فكان لهذا الموقف الراسخ الثابت الأثر الطيب والفتوحات بعد ذلك، مع أن غالبية الصحابة رأوا خلاف هذا، فتأمل.
").أ.هـ.


وكعب رضي الله عنه لما تخلف عن غزوة تبوك
فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ : أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرًا ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَمَا خَلَّفَكَ ؟ قُلْتُ : وَاللَّهِ لَوْ بَيْنَ يَدَيَّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرَكَ جَلَسْتُ لَخَرَجْتُ مِنْ سَخَطِهِ عَلَيَّ بِعُذْرٍ لَقَدْ أُوتِيتُ جَدَلا وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَنِّي إِنْ أُخْبِرْكَ الْيَوْمَ بِقَوْلٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ وَهُوَ حَقٌّ فَإِنِّي أَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ ، وَإِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثًا تَرْضَى عَنِّي فِيهِ وَهُوَ كَذِبٌ ، أَوْشَكَ اللَّهُ أَنْ يُطْلِعَكَ عَلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَيْسَرُ وَلا أَخَفُّ حَاذًا مِنِّي حَيْثُ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ .
وقوطع هو ومن معه من الرجلين المؤمنين الآخرين، كانا كبيرين فقعدا في بيتهما يبكيان، وكان كعب أشب القوم فخرج يطوف بالأسواق، فتنكرت له نفسه وتنكرت الأرض والبلد والناس فما هي بالتي يعرف، لم يكلمه أحد ولا حتى رد السلام، في هذه اللحظات العصيبة يتقدم نبطي من أنباط الشام دخل المدينة، وكان هؤلاء الكفار قد سمعوا بما حصل لهذا المسلم من المقاطعة، فأرادوا انتهاز الفرصة، وأعداء الإسلام يريدون دائماً انتهاز الفرص في ضرب أهل الإسلام، فإذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على  كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك فقلت لما قرأتها وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم   لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار إلى قوله وكونوا مع الصادقين   فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال تبارك وتعالى   سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إلى قوله فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين   - ص 1609 - قال كعب وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله   وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)ا   وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه 


حدثنا شرحبيل بن مسلم ، قال : أتى أبو مسلم الخولاني المدينة وقد قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- واستخلف أبو بكر . 

فحدثنا شرحبيل : أن الأسود تنبأ باليمن ، فبعث إلى أبي مسلم فأتاه بنار عظيمة ، ثم إنه ألقى أبا مسلم فيها ، فلم تضره ، فقيل للأسود : إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتبعك . فأمره بالرحيل فقدم المدينة ، فأناخ راحلته ، ودخل المسجد يصلي ، فبصر به عمر -رضي الله عنه- ، فقام [ ص: 9 ] إليه ، فقال : ممن الرجل؟ قال : من اليمن . قال : ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار؟ قال : ذاك عبد الله بن ثوب . قال : نشدتك بالله ، أنت هو؟ قال : اللهم نعم . فاعتنقه عمر وبكى ، ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصديق

فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من صنع به كما صنع بإبراهيم الخليل . رواه عبد الوهاب بن نجدة ، وهو ثقة ، عن إسماعيللكن شرحبيل أرسل الحكاية

ويروى عن مالك بن دينار ، أن كعبا رأى أبا مسلم الخولاني ، فقال : من هذا؟ قالواأبو مسلم ، فقال : هذا حكيم هذه الأمة

 علق أبو مسلم سوطا في المسجد ، فكان يقول : أنا أولى بالسوط من البهائم ، فإذا فتر ، مشق ساقيه سوطا أو سوطين . قال : وكان يقول : لو رأيت الجنة عيانا أو النار عيانا ما كان عندي مستزاد

ل التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني: "أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا؟ كلا، والله لنزاحمنهم عليه زحاماً حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالاً".



 ثم حذَّر الله تعالى من التولِّي وعدم الاستجابة لأمره حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: 38]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144].

 ثم حذَّرنا الله تعالى كذلك من مغبَّة النكث والتخاذُل حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 10].


ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ))[الحج:11]

 ثالثًا: بعض موانع الثبات: عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأَكَلة إلى قصعتِها)) فقال قائل: ومن قلَّةٍ نحن يومئذ؟! قال: ((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ الله في قلوبكم الوهن))، فقال قائل: يا رسولَ الله، وما الوَهَنُ؟ قال: ((حبُّ الدنيا، وكراهيةُ الموت))؛ رواه أبو داود، وأحمد.

أيها الناس! إن أعظم خسارة على العبد هو الانحراف عن الجادة وعدم الثبات على الحق والهدى، ولو نظرت في حال المرتدين لرأيت أنهم من هذا الصنف، كل من ارتد عن دين الله كان يعبد الله على حرف فلم يطمئن لهذا الدين، وربما أصيب بفتنة فانقلب على وجهه، وهكذا شأن المنافقين الاعتقاديين لو نظرت في شأنهم وما ذكر الله عنهم علمت أنهم من هذا الصنف، صنف الذين لم يصبروا ولم يثبتوا، بعد أن رأوا الحق فخالجتهم أنفسهم بالردى، وأوقعتهم في خلاف الهدى، لم يصبروا على متابعة الحق ولم يروضوا أنفسهم على الطاعة: ((وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا))[النساء:142], فصار حالهم كما ذكر الله: ((مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا))[النساء:143],

 ، ولم يثبت على الحق فإنه سيكون مضرب المثل في الانحراف والفتنه: ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا))[الأعراف:175], أي: لم يثبت عليها: ((فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ))[الأعراف:175-176],
وأصحاب السبت لم يثبتوا أمام سمك، أمام مأكل ومطعم، فصاروا ملعونين، ومسخوا قردة وخنازير: ورد ذكر قصة أصحاب السبت في سورة البقرة، كما ورد ذكرها بتفصيل أكثر في سورة الأعرف الآيات 163-166.

قال الله تعالى، في سورة "الأعراف": "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ .

وقال تعالى في سورة "البقرة": وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ".

وقال تعالى في سورة "النساء":" أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا".

القصة:
أبطال هذه الحادثة، جماعة من اليهود، كانوا يسكنون في قرية ساحلية، اختلف المفسّرون في اسمها، ودار حولها جدل كثير، أما القرآن الكريم، فلا يذكر الاسم ويكتفي بعرض القصة لأخذ العبرة منها.

وكان اليهود لا يعملون يوم السبت، وإنما يتفرغون فيه لعبادة الله. فقد فرض الله عليهم عدم الانشغال بأمور الدنيا يوم السبت بعد أن طلبوا منه سبحانه أن يخصص لهم يومًا للراحة والعبادة، لا عمل فيه سوى التقرب لله بأنواع العبادات المختلفة.

وجرت سنّة الله في خلقه، وحان موعد الاختبار والابتلاء؛ اختبار لمدى صبرهم واتباعهم لشرع الله، وابتلاء يخرجون بعده أقوى عزمًا، وأشد إرادة، تتربى نفوسهم فيه على ترك الجشع والطمع، والصمود أمام المغريات.

لقد ابتلاهم الله عز وجل، بأن جعل الحيتان تأتي يوم السبت للساحل، وتتراءى لأهل القرية، بحيث يسهل صيدها، ثم تبتعد بقية أيام الأسبوع.

فانهارت عزائم فرقة من القوم، واحتالوا الحيل –على شيمة اليهود- وبدأوا بالصيد يوم السبت، لم يصطادوا السمك مباشرة، وإنما أقاموا الحواجز والحفر، فإذا قدمت الحيتان حاصروها يوم السبت، ثم اصطادوها يوم الأحد، كان هذا الاحتيال بمثابة صيد، وهو محرّم عليهم.

فانقسم أهل القرية لثلاث فرق:
فرقة عاصية: تصطاد بالحيلة.
وفرقة لا تعصي الله: وتقف موقفًا إيجابيًا مما يحدث، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحذّر المخالفين من غضب الله.
وفرقة ثالثة، سلبية: لا تعصي الله لكنها لا تنهى عن المكر.

وكانت الفرقة الثالثة، تتجادل مع الفرقة الناهية عن المنكر وتقول لهم: ما فائدة نصحكم لهؤلاء العصاة؟ إنهم لن يتوقفوا عن احتيالهم، وسيصبهم من الله عذاب أليم بسبب أفعالهم، فلا جدوى من تحذيرهم؛ بعدما كتب الله عليهم الهلاك لانتهاكهم حرماته.

وبصرامة المؤمن الذي يعرف واجباته، كان الناهون عن المكر يجيبون: إننا نقوم بواجبنا في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، لنرضي الله سبحانه، ولا تكون علينا حجة يوم القيامة، وربما تفيد هذه الكلمات، فيعودون إلى رشدهم، ويتركون عصيانهم.

بعدما استكبر العصاة المحتالوا، ولم تجد كلمات المؤمنين نفعًا معهم، جاء أمر الله، وحل بالعصاة العذاب.

لقد عذّب الله العصاة وأنجى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أما الفرقة الثالثة، التي لم تعص الله لكنها لم تنه عن المنكر، فقد سكت النصّ القرآني عنها.

لقد كان العذاب شديدًا؛ لقد مسخهم الله، وحوّلهم لقردة عقابًا لهم لإمعانهم في المعصية.

وتحكي بعض الروايات أن الناهون أصبحوا ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فتعجبوا وذهبوا لينظروا ما الأمر، فوجدوا المعتدين وقد أصبحوا قردة.

فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم.

الروايات في هذا الشأن كثيرة، ولم تصح الكثير من الأحاديث عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" في شأنها؛ لذا نتوقف هنا دون الخوض في مصير القردة، وكيف عاشوا حياتهم بعد خسفهم.
, ما استطاعوا أن يثبتوا أمام أكلة، أمام صيد سمك؛ فلهذا من لا يثبت على كتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يحصل على خير، من ثبت على الحق هدي وأعزة الله،

فَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الأَسْبَابِ الإِيمَانُ الصَّادِقُ باللهِ تَعَالَى، وَالاعْتِصَامُ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالتَّمَسُّكُ بِهِمَا عِلْمًا وَعَمَلاً؛ فَإِنَّهُمَا النُّورُ وَالضِّيَاءُ اللَّذَينِ يُهْتَدَى بِهِمَا فِي الظُّلُمَاتِ، وَيُرْجَعُ إِلَيهِمَا عِنْدَ المُلمَّاتِ، وَيُعْتَصَمُ بِهِمَا وَقْتَ الفِتَنِ، مِصْدَاق مَا كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُذَكِّرُ أُمَّتَهُ بِهِ قَائِلاً: "تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَينِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" رواه مالكٌ والحاكمُ بسندٍ حسنٍ.
وَلَقَدْ كَانَ مِنَ الحِكَمِ العَظِيمَةِ التِي نَزَلَ بِهَا القُرْآنُ مُفَرَّقًا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- التَّثْبِيتُ عَلَى الحَقِّ؛ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزِّلَ عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) [الفرقان:32]، (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل:102].
وَمِنْ وَسَائِلِ الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى كَثْرَةُ العِبَادَةِ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالمُدَاوَمَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَو قَلَّتْ، وَالاقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ، وَالحَذَرُ مِنَ المَعَاصِي وَالمُبْتَدَعَاتِ، وَالاسْتِجَابَةُ للهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَالانْتِهَاءُ عَمَّا نَهَيَا عَنْهُ، وَالعَمَلُ بِمَا يُوعَظُ بِهِ المَرْءُ مِنْ خِلاَلِ آيَاتِ القُرْآنِ وَنُصُوصِ السُّنَّةِ؛

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَكْثَرَ دُعَاءِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ"، فَقَالَتْ لَهُ زَوجُهُ أُمُّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهُ لَيسَ آدَمِيٌّ إِلاَّ وَقَلْبُهُ بَينَ أُصْبُعَينِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ؛ فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ" رواه الترمذيُّ وأحمدُ وسندُهُ حسنٌ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق