الخميس، 19 أكتوبر 2017

آيات وأحاديث في فضل بر الوالدين وتحريم العقوق

هما أمن الناس عليك
في حياة كل منا أناس أصحاب فضل علينا ، فضل في قضاء حوائجنا أو توظيفنا أو في حل مشكلة نواجهها أو في تعليمنا شيء تجهله ، أو تحذيرنا من خطر نغفل عنه ... وسيبقى والدك و والدتك أمن الناس عليك ، لأنهما كانا سببا في وجودك في هذه الدنيا ، الله هو الذي خلقك وصورك وأرادك وجودك فصرت بشراً ، فالحمد والشكر له أولا وآخرا ، ولكن من كان سببا فله فضل ويستحق شكراً ، فالوالد والوالدة هما أمن الناس عليك ، فهما كانا سببا في وجودك ، حملتك أمك في بطنها تسعة أشهر كأصعب ما يكون ، ثم ولدت بألم لها شديد ، ثم قاما على رعايتك حين كنت لا تملك من أمرك شيئاً ، وصبروا في تنشئتك صبرا كبيرا ، لا يعلم مداه إلا من جرب أن يكون وابدأ ، ونشأت ضعيفاً تحتاج إلى تحمل طوال الوقت ، رضيعا تأخذ اللبن من جسد أمك ومن صحتها ، وأماطوا عنك الأذى والقذر كل يوم ، وصبروا على ذلك كثيراً ، ثم ربوك وعلموك الكلام ، وأفهموك كيف تعيش ، ولو أنهما كانا مؤمنين فعلموك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلموك القرآن و ربوك علي محبة الله وتقواه وطاعته ، فتلك أعظم نعمة منهما عليك.
لن تقدر على توفيتهما حقهما
وأعلم أن
فأنت مهما فعلت لن تقدر على وفائهما حقهما ،

10- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يجزي ولدٌ والدَهُ إلا أنْ يجدُه مملوكًا فيَشترِيه فيُعتقُه " (رواه أحمد).
47- عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه شهد ابن عمر ورجل يماني يطوف البيت حمل أمه وراء ظهره يقول إني لها بعيرها المذلل إن ذعرت ركابها لم أذعر ثم قال يا ابن عمر أتراني جزيتها قال لا ولا بزفرة واحدة ثم طاف ابن عمر فأتى المقام فصلى ركعتين ثم قال يا ابن أبي موسى إتن كل ركعتين تكفران ما أمامهما " (صححه الألباني).

53- عن جد عمرو بن شعيب رضي الله عنه أنَّ أعرابِيًّا أتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إنَّ لي مالًا ووَلَدًا، وإنَّ والِدي يُريدُ أنْ يَجتاحَ مالي، قال: " أنتَ ومالُكَ لِوالِدِكَ، إنَّ أولادَكم مِن أطيَبِ كَسْبِكم فكُلوا مِن كَسْبِ أولادِكم " (رواه أحمد).

وجوب شكرهما
 ربّنا جلّ جلاله رفعَ الأمر بالإحسان إلى الوالدين إلى مستوى عبادته ، إذًا هو من الأهَمِيَّة بِمَكان ، الله سبحانه وتعالى هو الذي أوْجَدَكَ ولم تَكُنْ شيئًا مَذْكورًا ، أوْجَدَكَ عن طريق هذا الأب وتلك الأمّ ، إذًا قال تعالى :
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة لقمان : 14]

الأمر بالبر
• وجاء في " التوقيف " للمناوي رحمه الله: البِرُّ بالكسر أي: التوسُّع في فعل الخير، والفعل المُرضِي، الذي هو في تزكية النَّفس... يقال: بَرَّ العبدُ ربَّه. أي: توسَّع في طاعته... وبِرُّ الوالد: التَّوسع في الإحسان إليه، وتحرِّي محابِّه، وتوقِّي مكارهِه، والرِّفقُ به، وضدُّه: العقوق. ويستعمل البِرُّ في الصِّدق؛ لكونه بعض الخير المتوسَّع فيه.
وبالوالدين إحسانا
قال تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ) البقرة 83 والإحسان نهاية البر , فيدخل فيه جميع ما يحب من الرعاية والعناية , وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين حتى قرن تعالى الأمر بالإحسان إليهما بعبادته التي هي توحيده والبراءة عن الشرك اهتماما به وتعظيما له (2) وقال تعالى ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) النساء 36 فأوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمهما في سلكها بقوله ( وبالوالدين إحسانا ) وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )الإسراء 23- 24
ووصينا الإنسان بوالديه
قال تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) العنكبوت 8 قيل نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كما روى الترمذي : قال سعد أنزلت في أربع آيات فذكر قصة , وقالت أم سعد أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر قال فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي.. ... ) (6) وقال جل ذكره ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) الأحقاف 15-16 وقال أيضا ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) لقمان 14- 15
23- عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: " أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسع: لا تُشرِك بالله شيئًا وإن قُطِّعتَ أو حُرِّقتَ. ولا تتركُنَّ الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومن تركها متعمِّدًا برئت منه الذمة. ولا تشربنَّ الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر. وأَطِعْ والديك وإن أمراك أن تَخرجَ من دنياك فاخرُجْ لهما. ولا تنازعنَّ ولاةَ الأمر وإن رأيت أنك أنت. ولا تَفرُرْ من الزحف وإن هلكتَ وفرَّ أصحابك. وأَنفِقْ من طولك على أهلك، ولا تَرفَعْ عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله عز وجل " (رواه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني).

فضل البر
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
( دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة قلت من هذا ؟ فقالوا : حارثة بن النعمان ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كذلكم البر كذلكم البر [ وكان أبر الناس بأمه ] ) (1)

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: ( الصلاة على وقتها) قال: ثم أي؟ قال: ( بر الوالدين ) قال ثم أي؟ قال: ( الجهاد في سبيل الله ) (7)

 أيها الأخوة الكرام ؛ في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله قال :
((أحب الأعمال إلى الله سبحانه الصلاة على وقتها ، ثم بر الوالدين ، ثم الجهاد في سبيل الله ))
[البخاري عن عبد الله]
 أيها الأخوة الكرام ؛ خِتامُ هذا الموضوع ، هذا الحديث الشريف رواه أحمد :
((من سرَّه أن يُمَدَّ له من عُمره ، ويُزاد له في رزقه فليبرّ والديه))
[أحمد عَنْ أنس بن مالكٍ]

5- قال تعالى: "﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ﴾ (مريم 30 - 33).

25- عن معاوية بن جاهمة السلمي رضي الله عنه أنَّ جاهِمةَ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أردتُ أن أغزوَ وقد جئتُ أستشيرُكَ؟ فقالَ: هل لَكَ مِن أمٍّ؟ قالَ: نعَم، قالَ: فالزَمها فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها " (رواه النسائي).

31- عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتاه فقال إنَّ لي امرأةً وإنَّ أمي تأمرني بطلاقِها فقال سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول: الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنةِ فإن شئتَ فأَضِعْ ذلك البابَ أوِ احفَظْه (صححه الألباني).

32- عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَن سَرَّه أن يُمَدَّ لهُ في عُمرِه، ويُزادَ في رِزقِه؛ فَلْيبرَّ وَالدَيهِ، ولْيصِلْ رَحِمَه " (قال الألباني: حسن لغيره).

45- عن أسير بن جابر رضي الله عنه قال: " كان عمرُ بنُ الخطابِ، إذا أتى عليه أمدادُ أهلِ اليمنِ، سألهم: أفيكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ؟ حتى أتى على أٌوَيسٍ. فقال: أنت أُوَيسُ بنُ عامرٍ؟ قال: نعم. قال: من مرادٍ ثم من قَرَنٍ؟ قال: نعم. قال: فكان بك برصٌ فبرأت منه إلا موضعَ درهمٍ؟ قال: نعم. قال: لك والدةٌ؟ قال: نعم. قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ من مرادٍ، ثم من قرَنٍ. كان به برَصٌ فبرأ منه إلا موضعُ درهمٍ. له والدةٌ هو بها بَرٌّ. لو أقسم على اللهِ لأَبَرَّه. فإن استطعتَ أن يستغفرَ لك فافعلْ ". فاستغفِرْ لي. فاستغفَر له. فقال له عمرُ: أين تريد؟ قال: الكوفةُ. قال: ألا أكتب لك إلى عاملِها؟ قال: أكون في غَبراءِ الناسِ أحَبُّ إليَّ. قال: فلما كان من العامِ المُقبلِ حجَّ رجلٌ من أشرافِهم. فوافق عمرُ. فسأله عن أُوَيسٍ. قال: تركتُه رَثَّ البيتِ قليلَ المتاعِ. قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ من مرادٍ ثم من قَرَنٍ. كان به برَصٌ فبرأ منه. إلا موضعُ درهمٍ. له والدةٌ هو بها بَرٌّ. لو أقسم على اللهِ لأبَرَّه. فإن استطعتَ أن يستغفِر لك فافعلْ " فأتى أُويسًا فقال: استغفِرْ لي. قال: أنتَ أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ. فاستغفِرْ لي. قال: استغفِرْ لي. قال: أنت أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ. فاستغفِرْ لي. قال: لقيتَ عمرَ؟ قال: نعم. فاستغفِرْ له. ففطِن له الناسُ. فانطلق على وجهِه. قال أسير: وكسوتُه بُردةً. فكان كلما رآه إنسانٌ قال: من أين لأُويسٍ هذه البُردةُ؟ " (رواه مسلم).


49- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بينما ثلاثةُ نفرٍ يتمشون أخذهم المطرُ. فأووا إلى غارٍ في جبلٍ. فانحطت على فمِ غارِهم صخرةٌ من الجبلِ. فانطبقت عليهم. فقال بعضُهم لبعضٍ: انظروا أعمالًا عملتموها صالحةً للهِ، فادعوا اللهَ تعالى بها، لعل اللهَ يفرجُها عنكم. فقال أحدُهم: اللهمّ! إنه كان لي والدان شيخان كبيران. وامرأتي. ولي صِبيةٌ صِغارٌ أرعى عليهم. فإذا أرحتُ عليهم، حلبتُ فبدأتُ بوالدي فسقيتُهما قبل بَنيّ. وأنه نأى بي ذاتَ يومٍ الشجرُ. فلم آتِ حتى أمسيتُ فوجدتُهما قد ناما. فحلبتُ كما كنت أحلبُ. فجئتُ بالحلابِ. فقمت عند رؤوسِهما. أكرهُ أن أوقظَهما من نومِهما. وأكرهُ أن أسقيَ الصبيةَ قبلهما. والصبيةُ يتضاغون عند قدمي. فلم يزلْ ذلك دأبي ودأبُهم حتى طلع الفجرُ. فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك، فافرجْ لنا منه فرجةً، نرى منها السماءَ. ففرج اللهُ منه فرجةً. فرأوا منها السماءَ. وقال الآخرُ: اللهمّ! إنه كان لي ابنةُ عمٍّ أحببتُها كأشدِّ ما يحبُّ الرجالُ من النساءِ. وطلبتُ إليها نفسَها. فأبتْ حتى آتيها بمائةِ دينارٍ. فتعبتُ حتى جمعتُ مائةَ دينارٍ. فجئتُها بها. فلما وقعتُ بين رجليها. قالت يا عبدَالله! اتقِ اللهَ. ولا تفتحِ الخاتمَ إلا بحقِّه. فقمتُ عنها. فإن كنتَ تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهِك، فافرجْ لنا منها فرجةً. ففرج لهم. وقال الآخرُ: اللهم! إني كنت استأجرتُ أجيرًا بفرَقِ أرزٍ. فلما قضى عملَه قال: أعطني حقي. فعرضتُ عليه فرقَه فرغب عنه. فلم أزلْ أزرعُه حتى جمعتُ منه بقرًا ورعائها. فجاءني فقال: اتقِ اللهَ ولا تظلمني حقي. فقلت: اذهب إلى تلك البقرِ ورعائِها. فخذْها. فقال: اتقِ اللهَ ولا تستهزئْ بي فقلتُ: إني لا أستهزئُ بك. خذ ذلك البقرَ ورعائها. فأخذه فذهب به. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهِك، فافرجْ لنا ما بقي. ففرج اللهُ ما بقي. وفي روايةٍ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ انطلقَ ثلاثةُ رهطٍ ممن كان قبلكم. حتى آواهم المبيتُ إلى غارٍ. واقتص الحديثَ بمعنى حديثِ نافعٍ عن ابنِ عمرَ. غيرَ أنه قال: قال رجلٌ منهم: اللهمّ! كان لي أبوان شيخان كبيران. فكنت لا أغبقُ قبلهما أهلًا ولا مالًا. وقال: فامتنعت مني حتى ألمتْ بها سنةٌ من السنين. فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائةَ دينارٍ. وقال: فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموالُ. فارتعجت. وقال: فخرجوا من الغارِ يمشون " (رواه مسلم).
• أرحتُ عليهم: رددت الماشية من المرعى إليهم وإلى موضع مبيتها.
• يتضاغون: يصيحون ويستغيثون من الجوع.
• لا أغبق قبلهما: أي ما كنت أقدم عليهما أحدا في شرب نصيبهما عشاء من اللبن. الغبوق: شرب العشاء.
بر الوالدين مقدم في الشريعة
وعن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم ( رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما ) (9) أي غضبهما الذي لا يخالف القوانين الشرعية كما تقرر فإن قيل : ما وجه تعلق رضى اللّه عنه برضى الوالد قلنا : الجزاء من جنس العمل , فلما أرضى من أمر اللّه بإرضائه رضي اللّه عنه , فهو من قبيل لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس
البر و الإحسان للوالدين و لو لم يكونا مسلمين :
 أيها الأخوة الكرام ؛ قد يقول قائلٌ : والديّ ليس على الحق ، ليس مستقيماً ، لا يصلّي ويفعل المنكرات ، اسْتَمِع أيها الأخ الكريم إلى رأي الشرع في هذا الموضوع ، يقول العلماء : لا يختصّ بِرُّ الوالدين بأنْ يكونا مسلمين ، ففي صحيح البخاري عن أسماء قالت :
(( قدمت عليّ أمي وهي مشركة ، في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت وهي راغبة : أفأصل أمي ؟ قال : نعم صلي أمك? ))
[البخاري عن أسماء]
 تعني وهي راغبة عن الإسلام ، فبرّ الوالدين لا يختصّ بالوالدين المؤمنين المسلمين ، لأنّهما والدان همْا يسْتحقّون منك البِرّ والإحسان .
• قال ابن بطال رحمه الله: " وهذا إنما يكون في وقت قوة الإسلام وغلبه أهله للعدو، وإذا كان الجهاد من فروض الكفاية، فأما إذا قوى أهل الشرك وضعف المسلمون، فالجهاد متعين على كل نفس، ولا يجوز التخلف عنه وإن منع منه الأبوان.

• وقال ابن المنذر رحمه الله: في هذا الحديث أن النهى عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع ".
9- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: إني جئتُ أبايعك على الهجرةِ، ولقد تركت أبويَّ يبكيانِ! قال: " ارجعْ إليهما فأضحكْهما كما أبكيتَهما " (رواه النسائي)

8- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: " جاءَ رجلٌ إلى نبيِّ اللهِ فاستأذَنَهُ في الجهادِ فقالَ: أحيٌّ والداكَ؟ قال: نعَم قال: ففيهِما فجاهِدْ وقال: أقبلَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ فقالَ: أبايِعُكَ على الهجرَةِ و الجهادِ أبتَغي الأجرَ منَ اللهِ قال: فَهلْ مِن والدَيكَ أحدٌ حيٌّ؟ قالَ: نعَم بل كِلاهُما حىٌّ قال: أفتَبتَغي الأجرَ منَ اللهِ؟ قالَ: نعَم قال: فارجِعْ إلى والدَيكَ فأحسِنْ صُحبَتَهُما " (صححه الألباني).

أعظم الناس حقاً على المرأة و الرجل :
 وفي الصحيح عن أبي هريرة . . ." من أحقّ الناس بحُسن صحابتي ؟ قال : أمّك ثلاث مرات . . ." فحقُّ الأمّ ثلاثة أمثال حقّ الأب ، وسئل صلى الله عليه وسلّم من أعظم الناس حقًّا على الرجل ؟ فقال : أمّهُ ، فلما سئل : من أعظم الناس حقّا على المرأة ؟ قال : زوجها .
 وجاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم يستأذنهُ في الجهاد فقال : أحَيٌّ والدك؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهِد ، فَبِرُّ الوالدين يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله ، وهذا يذكّرني بِحَديث لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم حينما جاءتْهُ امرأة تشتكي أنّ الرجال أخذوا كلّ الخير ، فالجهاد لهم ، والأعمال الطيّبة لهم ، والدعوة إلى الله لهم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " اِعْلمي أيّتها المرأة وأعْلِمي من دونك من النّساء أنّ حُسْن تَبَعُّل المرأة زوجها يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله " دقّقوا في هذين الحديثين :" حُسْن تَبَعُّل المرأة زوجها يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله " أنْ ترْعَى بيْتَ زوْجها ، أن ترْعى زوْجها ، أنْ ترْعى أولادها ، هذا عند الله جهادُ المرأة ، وأن يبرَّ الرجل والِدَيه ؛ هذا عند الله يعْدلُ الجهاد .


كان حيوة بن شريح يقعد في حلقته يعلّم الناس ، فتقول له أمه : " قم يا حيوة ، فألق الشعير للدجاج " ، فيترك حلقته ويذهب لفعل ما أمرته أمه به .

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
6- قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾ (مريم 41 - 45).
7- قال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (العنكبوت 8).
8- قال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (لقمان 14 – 15).


تحريم العقوق
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من الكبائر شتم الرجل والديه ) قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال ( نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ) (8)
قال تعالى :
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة الإسراء : 23]

18- عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ اللَّهَ حرَّمَ عليكم عقوقَ الأمَّهاتِ، ومنعًا وَهاتِ، ووأدَ البناتِ وَكرِه لَكم: قيلَ وقالَ، وَكثرةَ السُّؤالِ، وإضاعةَ المالِ " (رواه البخاري).
، قال - صلى الله عليه وسلم - : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه، والديوث، والرجلة من النساء)).

معني العقوق
3- قال تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (الأنعام 151).

عقوبة العاق
• وكذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالوالدين خيراً وجعل عقوقهما من الكبائر فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكبائرُ: الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالديْنِ، وقتلُ النفسِ، واليمينُ الغَموسُ " (رواه البخاري).
لبراءة منهما أو التخلي عنهما : فعن انس الجهني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله تعالى عبادا لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم " قيل : من أولئك يا رسول الله ؟ قال: " متبرئ من والديه راغب عنهما ومتبرئ من ولده ورجل انعم عليه قوم فكفر بنعمتهم وتبرا منهم "

لذلك روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال :
((رغم أنف عبد أدرك والديه عند الكبر))
[مسلم عن أبي هريرة]
إذا فعلْتَ فِعْلاً أدْخَلْتَ على قلبهما الحُزن ، وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلّم عُقوق الوالدين من أكبر الكبائر ، وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال :
((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس فقال : ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور.))
[متفق عليه عن أبي بكرة ]
:عَن أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ ذُنُوبٍ يُؤَخِّرُ الله مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا الْبَغْيُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ يُعَجِّلُ لَصَّاحِبِهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْمَوْتِ"؟ وجزاكم الله خيراً.

5- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثُ دعَواتٍ مُستَجاباتٍ لا شكَّ فيهِنَّ: دعوةُ الوالدِ، ودعوةُ المَظلومِ، ودعوةُ المُسافرِ " (حسنه الألباني).

19- عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه " (رواه أحمد).

مظاهر العقوق
عُقوق الوالدين من أكبر الكبائر :
 وعن عائشة قالت :
(( لا تمش أمامه ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعه باسمه ، ولا تستسب له ))
[ البخاري عن عائشة]
 معنى تسْتَسِبَّ له أي لا تكن سببًا في سبِّه ، أي لا تفعل أعمالاً سيّئة مع الناس تدْعوهم إلى أن يسبُّوا أباك ، لا تمش أمامه ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعهُ باسمه ، ولا تسْتَسِبَّ له.
 أيها الأخوة الكرام ؛ وما دُمنا قد وصلنا إلى كلمة : ولا تسْتَسِبَّ له، فقد أكَّدَ العلماء أنّ من العقوق أن يشْتم الرجل والدَيْه ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر . .
(( من الكبائر شتْم الرجل والديه ، قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟...))
[مسلم عن عبد الله بن عمر ]
 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام ودقّقوا في هذا الحديث :
((من أحْزَنَ والِدَيْه فقد عقَّهما ))

22- عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنه قال: كان جُريجٌ يتعبَّدُ في صومعةٍ. فجاءت أمُّه. قال حميد: فوصف لنا أبو رافعٍ صفةَ أبي هريرةِ لصفةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَّه حين دعَتْه. كيف جعلتْ كفَّها فوقَ حاجبِها. ثم رفعت رأسَها إليه تدعوه. فقالت: ياجريجُ! أنا أمُّك. كلِّمْني. فصادفَتْه يصلي. فقال: اللهمَّ! أمي وصلاتي. فاختار صلاتَه. فرجعتْ ثم عادتْ في الثانيةِ. فقالت: ياجريجُ! أنا أمُّك. فكلِّمْني. قال: اللهمَّ! أمي وصلاتي. فاختار صلاتَه. فقالت: اللهمَّ! إنَّ هذا جريجٌ. وهو ابني. وإني كلمتُه فأبى أن يكلِّمَني. اللهمَّ! فلا تُمِتْه حتى تُرِيَه المومساتِ. قال: ولو دعت عليه أن يُفتَنَ لفُتِنَ. قال: وكان راعي ضأنٍ يأوي إلى دِيرِه. قال فخرجتِ امرأةٌ من القريةِ فوقع عليها الراعي. فحملت فولدت غلامًا. فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحبِ هذا الدِّيرِ. قال فجاءوا بفؤسِهم ومساحيهم. فنادوه فصادفوه يصلِّي. فلم يكلِّمْهم. قال فأخذوا يهدِمون دِيرَه. فلما رأى ذلك نزل إليهم. فقالوا له: سَلْ هذه. قال فتبسَّمَ ثم مسح رأسَ الصبيِّ فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأنِ. فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني ما هدَمْنا من دِيرِك بالذهبِ والفضةِ. قال: لا. ولكن أَعِيدوه ترابًا كما كان. ثم علاه " (رواه مسلم).

اصنع مع والديك ما تريده لنفسك
9- عن ثابت البناني قال: رأيت رجلا يضرب أباه في موضع فقيل له: ما هذا فقال الأب: خلوا عنه فإني كنت أضرب أبي في هذا الموضع فابتليت بابني يضربني في هذا الموضع.
وانظر إلى الخليل إبراهيم حين تأدب مع والده وتلطف في دعوته فقابل الأب هذا الأدب بمنتهى القسوة ، ما كان من إبراهيم إلا أن قال: ( سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) (مريم: من الآية47) ،فكان جزاؤه من جنس عمله ،رزقه الله ولدا صالحا ،إسماعيل الذي تأدب معه حين أعلمه أنه أُمر بذبحه فقال: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) (الصافات: من الآية102)


مظاهر البر
• قال الماورديُّ - رحمه الله - في كتاب " أدب الدنيا والدين ": والبِرُّ نوعان: صِلَة، ومعروف.
فأما الصلَة: فهي التَّبرع ببذل المال في الجهات المحدودة لغير عوض مطلوب، وهذا يبعث عليه سماحة النَّفس وسخاؤها، ويمنع منه شحُّها وإباؤها. قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الحشر 9).

وأما النَّوع الثَّاني من البِرِّ فهو: المعروف، ويتنوع أيضا نوعين: قولًا وعملًا.
فأما القول: فهو طيب الكلام، وحسن البِشْر، والتودُّد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق، ورِقَّة الطبع، ويجب أن يكون محدودًا كالسَّخاء؛ فإنَّه إن أسرف فيه كان مَلَقًا مذمومًا، وإن توسط واقتصد فيه كان معروفًا، وبِرًّا محمودًا.

وأمَّا العمل: فهو بذل الجاه والمساعدة بالنَّفس، والمعونة في النَّائبة، وهذا يبعث عليه حبُّ الخير للنَّاس، وإيثار الصَّلاح لهم. وليس في هذه الأمور سَرَفٌ، ولا لغايتها حَدٌّ، بخلاف النَّوع الأوَّل؛ لأنَّها وإن كثرت فهي أفعال خير تعود بنفعين: نفع على فاعلها في اكتساب الأجر، وجميل الذِّكر، ونفع على المعان بها في التخفيف عنه، والمساعدة له.

قال الغزالي : وآداب الولد مع والده : أن يسمع كلامه , ويقوم بقيامه , ويمتثل أمره , ولا يمشي أمامه , ولا يرفع صوته , ويلبي دعوته , ويحرص على طلب مرضاته , ويخفض له جناحه بالصبر , ولا يمن بالبر له , ولا بالقيام بأمره , ولا ينظر إليه شزراً , ولا يقطب وجهه في وجهه (10)
" كيف يكون بر الوالدين ؟! "

أخي المسلم : مر معك بر الوالدين، وحقيقته؛ وهو باختصار: الإحسان إليهما بوجوه البر والصلة، وعدم التقصير في حقهما .

وإليك أخي بعض صور بر الوالدين، وكيف يكون برهما ؟

* طاعتهما فيما يأمران به :

طاعة الوالدين واجبة على الولد؛ إذا أمراه أن يسمع لقولهما، ما لم يأمراه بمعصية الله تعالى..

قال الله تعالى : {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}[لقمان: 15].

بل إن العلماء أفتوا : أن الوالد إذا منع ابنه من صوم التطوع، فله أن يطيع والده .

سئل الإمام أحمد رحمه الله : عن رجل يصوم التطوع، فسأله أبواه أو أحدهما؛ أن يفطر , قال : (يروى عن الحسن أنه قال : يفطر وله أجر البر، وأجر الصوم إذا أفطر) .

* خفض الصوت عندهما ومخاطبتهما بلين :

إن مما يؤسف له أن الكثيرين؛ إذا خاطب أحدهم أحد والديه؛ تجده يرفع صوته، ولا يراعي الأدب معهما ! وهذا لا شك من العقوق؛ الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الله تعالى : {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}[الإسراء: 23] .

قال سعيد بن المسيب رحمه الله : (قول العبد المتذلل للسيد الفظ) !

وهذا ابن عون رحمه الله : نادته أمه مرة، فأجابها بصوت عال، فأعتق رقبتين !

* توقيرهما والتذلل لهما :

وهذا من لوازم البر؛ فإن كثيرًا من الأبناء؛ تجده يتعالون على الوالدين؛ فإذا أمره أحدهما بشيء، فكأنما في ذلك إهانة له! وخاصة إذا كان الولد كبير المنصب .

ولكن هذا الجاهل، غاب عنه؛ أن بر الوالدين ليس فيه إهانة ولا مذلة؛ بل إن المذلة في عدم طاعتهما ! قال تعالى : {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}[الإسراء: 24].

قال عروة رحمه الله : هو أن لا يمنعهما من شيء أراداه .

وقال طاوس رحمه الله : (إن من السنة أن نوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد) .

وأبصر أبو هريرة رضى الله عنه رجلين، فقال لأحدهما: ما هذا منك ؟ فقال : أبي. فقال : لا تسمه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله .

* استئذانهما إذا نوى السفر الطويل؛ لطلب علم أو غيره :

من البر استئذان الوالدين عند السفر الطويل؛ الذي يغيب صاحبه مدة طويلة .

فإن رضا الوالدين من الأمور الضرورية في مثل هذه الحالة. ولك أن تعتبر أن إذن الوالدين واجب؛ حتى في حق الذي يريد الخروج إلى الجهاد .

عن طلحة بن معاوية السلمى رضى الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني أريد الجهاد في سبيل الله , قال : «أمك حية ؟» قلت : نعم , قال النبى صلى الله عليه وسلم : «الزم رجلها فثم الجنة !» [رواه الطبراني/ صحيح الترغيب للألباني: 2483] .

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان , فقال : «ارجع عليهما؛ فأضحكهما كما أبكيتهما» [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه/ صحيح أبي داود للألباني: 2528] .

* الإنفاق عليهما وسد حاجتهما :

وهذا من لوازم البر الأكيدة ؛ أن يطعم الابن والديه ويكسوهما، ويقوم على حاجتهما .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : أن رجلاً قال : يا رسول الله، إن لي مالاً وولدًا ، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي ، فقال : «أنت ومالك لأبيك !» [رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما] .

في رواية : «إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم» [إرواء الغليل للألباني: 838] .

* الدعاء لهما، سواء في حياتهما أو بعد موتهما :

إن من البر؛ أن يدعو الابن لوالديه بالرحمة؛ حتى وإن كانا أحياء وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الدعاء لكل من صنع إلينا معروفًا، فكيف بالوالدين؟! ومعروفهما فوق كل معروف .

وفي الدعاء لهما : أداء لبعض حقوقهما عليك، وليس ذلك بالصعب .

قال الله تعالى : {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}[الإسراء: 24] .

قال النبي صلى الله عليه وسلم  : «إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول : أني لي هذا ؟ فيقال : باستغفار ولدك لك» [رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما/ السلسلة الصحيحة: 1598] .

قال بعض التابعين : (من دعا لأبويه في كل يوم خمس مرات، فقد أدى حقهما، لأن الله تعالى قال : {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} فشكر الله تعالى أن يصلي في كل يوم خمس مرات، وكذلك شكر الوالدين؛ أن يدعو لهما في كل يوم خمس مرات) .

وقال بعض الصحابة رضى الله عنهم : (ترك الدعاء للوالدين؛ يضيق العيش على الولد) .
بر الوالد المتوفي
 أيها الأخوة الكرام ؛ وقد يقول قائلٌ : ما دام أبي حيًّا فأنا أسْعى لِبِرِّهِ ، فإذا أخذ صاحب الأمانة أمانتهُ فماذا بقيَ عليّ من بِرِّه ؟ لكن أحكام الشريعة السّمْحاء دقيقة دقيقة ، فقد جاء رجلٌ من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يا رسول الله هل بقي عليّ من بِرِّ والديّ مِن بعد موتهما شيءٌ ؟ فقال : نعم ؛ الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهْدِهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرّحِمَ التي لا رَحِم لك إلا من قبلهما ، أما الصلاة عليهما ففي بعض الآراء هي صلاة الجنازة ، لكنّ بعض العلماء وسَّعَ هذا المفهوم وقال : الصلاة عليهما هي الدعاء لهما بالرحمة ، وقد أمر الله تعالى بذلك فقال :
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾
[ سورة الإسراء : 24]
 ففي صحيح مسلم والبخاري:
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ....ولد صالح يدعو له ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة ]
 وقد قال بعض التابعين : من دعا لِوَالِدَيه في اليوم خمْس مرات فقد أدَّى حقّهما في الدعاء ، أيْ لا بدّ أن تدْعُوَ لِوَالديك في الصلوات الخمس : ربّ اغفر لي ولِوَالديّ ، ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيرًا .
 أيها الأخوة ؛ أحدنا أحيانًا يقرأ هذه الأدعِيَة دون أن يعيَ مضمونها ، ودون أن يعي الهدف البعيد منها ، وتصبحُ عادةً من عوائدهِ ، يصبح كلامًا لا يفكّر فيه ، قبل أن تُسلِّم من الصلاة قُلْ : ربّ اغفر لي ولوالِديّ ، ربّ ارْحمهما كما ربَّياني صغيرًا ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؛ إنّ الرجل لَتُرْفعُ درجتهُ في الجنّة ، فيقول : يا ربّ أنى لي هذا ؟ فيُقال : باستغفار ولدك لك ، وهو في الجنّة تُرْفع له درجته ، يقول يا ربّ أنى لي هذا؟ قال : باستغفار ولدك لك .
27- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أنَّ رجلًا أَتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: " إنَّ أبي ماتَ ولم يحُجَّ أفأَحُجُّ عنهُ؟ " قال: " أرأيتَ لو كان على أبيكَ دَيْنٌ أكنتَ قاضيهِ؟ " قال: " نعم " قال: " حُجَّ عن أبيكَ " (صححه الألباني).
28- عبدالله بن عمر رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتَى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أصَبتُ ذنبًا عظيمًا فَهَل لي مِن تَوبةٍ؟ قالَ: " هل لَكَ مِن أمٍّ؟ " قالَ: لا، قالَ: " هل لَكَ من خالةٍ؟ " قالَ: نعَم، قالَ: " فبِرَّها " (رواه الترمذي).

30- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا خرج إلى مكةَ كان له حمارٌ يتروَّحُ عليه، إذا ملَّ ركوبَ الراحلةِ. وعمامةً يشدُّ بها رأسَه. فبينا هو يومًا على ذلك الحمارِ. إذ مرَّ به أعرابيٌّ. فقال: ألستَ ابنَ فلانِ بنِ فلانٍ؟ قال: بلى. فأعطاه الحمارَ وقال: اركب هذا. والعمامةَ، قال: اشدُدْ بها رأسَك. فقال له بعضُ أصحابِه: غفر اللهُ لك! أعطيتَ هذا الأعرابيَّ حمارًا كنت تروحُ عليه، وعمامةً كنت تشدُّ بها رأسَك! فقال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " إنَّ مِن أَبَرِّ البِرِّ صلةُ الرجلِ أهلَ وُدِّ أبيه، بعد أن يُولِّيَ " وإنَّ أباه كان صديقًا لعمرَ (رواه مسلم).
39- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: " إنَّ أبي مات وترك مالًا ولم يُوصِ. فهل يُكِفِّرُ عنه أن أَتصدَّق عنه؟ قال: " نعم " (رواه مسلم).

40- عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ! إنَّ أمي افتُلِتَتْ نفسُها. ولم تُوصِ. وأظنها لو تكلمتْ تصدقتْ. أفلها أجرٌ إن تصدقتُ عنها؟ قال: " نعم ". (رواه مسلم).

41- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أنَّ سعدَ بنَ عبادةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أخا بني ساعدةَ، تُوفيتْ أمُّهُ وهو غائبٌ عنها، فأتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ إنَّ أمي تُوفيتْ وأنا غائبٌ عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدَّقتُ بهِ عنها؟ قال: (نعم). قال: فإني أُشهدكَ أنَّ حائطي بِالْمِخْرَافِ صدقةٌ عليها " (رواه البخاري).

• الحائط: الجدار، لأنه يحوط ما فيه.
• المخراف: هو الحائط من النخل أو البستان المثمر، والمخراف: المثمرة.
• قال النووي رحمه الله: " أجمع المسلمون على أن الصدقة عن الميت تنفعه وتصله، وقال أيضاً: الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها بإجماع العلماء، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع ".
48- عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخالة بمنزلة الأم " (صححه الألباني )

الدعاء للوالدين
46- عن أبي مرة مولى أم هانئ رضي الله عنهما أنه ركب مع أبي هريرةَ إلى أرضه بالعقيقِ فإذا دخل أرضَه صاح بأعلى صوتِه عليك السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه يا أمَّتاه تقول وعليك السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه يقول رحمكِ اللهُ كما ربَّيتِني صغيرًا فتقول يا بني وأنت فجزاك اللهُ خيرًا ورضيَ عنك كما بررْتَني كبيرًا " (حسنه الألباني).

11- قال تعالى: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً ﴾  (نوح: 28).


*اذكر القصص*

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أبر الناس بوالدينا ومن أتقاهم ومن أحسنهم خلقا بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق