الثلاثاء، 3 يناير 2017

قصة المسيح عليه السلام



عيسى

$ حديثنا اليوم في قصة رجل ، اختلف الناس في ميلاده واختلفوا في موته ، نزوله شرط من اشراط الساعة الكبري ، من الناس من كذبه واتهم أمه بالفاحشة ومنهم من رفعه وألهه وعبده هو وأمه من دون الله ... موضوعنا اليوم للحديث عن عيسى بن مريم عليه وعلي نبينا محمد الصلاة والسلام.

نبي الله عيسى من أولى العزم من الرسل ، أولى العزم من الرسل خمسة ، وهم افضل الأنبياء والرسل ، وهم محمد صلى الله عليه وسلم وابراهيم وموسي وعيسى ونوح عليهم السلام.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8)     سورة الأحزاب


ونبي الله عيسي هو اخر الأنبياء قبل نبينا ص _ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ يَعْنِي عِيسَى ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ ، فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ وَيُهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ " .

وكان قد بعثه الله رسولا لبني إسرائيل ، وكانت بنو إسرائيل قوم تسوسهم الأنبياء كلما مات نبي خلفه نبي ، بل قد يوجد أكثر من نبي في نفس الوقت ، وكانت الأنبياء يبعثون لاقوامهم خاصة وليس للناس عامة ، فكان عيسي بن مريم آخر من بعثوا الي قومهم خاصة ، ثم جاء النبي محمد ص فكان رسولا نبياً لأهل الأرض جميعا.

$ امرأة عمران ونذرها ما في بطنها لله
ولكي نفهم قصة نبي الله عيسى فلنبدا بالجد والجدة الذين هما أبوي مريم عليها السلام ، وجده هو عمران ، الذي سميت سورة آل عمران باسمه ، وسيكون أكثر حديثنا بإذن الله من سورة آل عمران .

وفي تاريخ الأنبياء يوجد رجلين باسم عمران ، عمران والد موسي وعمران والد مريم الذي هو جد عيسي ، وعمران هذا غير عمران ذاك ، لأن بين موسي وعيسي أكثر ألف سنة.

وسورة آل عمران هي نسبة إلى عمران جد عيسي ، قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)

 وذلك لأن الله قال بعدها

(إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
[سورة آل عمران 33 - 35]

امرأة عمران هذه هي أم مريم عليها السلام وهي حنة بنت فاقوذ. قال محمد بن إسحق: وكانت امرأة لا تحمل فرأت يوما طائرا يزق فرخه فاشتهت الولد فدعت الله تعالى أن يهبها ولدا فاستجاب الله دعاءها فواقعها زوجها فحملت منه فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون محررا أي خالصا مفرغا للعبادة لخدمة بيت المقدس فقالت: يا رب "إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم" أي السميع لدعائي العليم بنيتي ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرا أم أنثى.

" فلما وضعتها قالت: رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت" قرئ برفع التاء على أنها تاء المتكلم وأن ذلك من تمام قولها وقرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله عز وجل "وليس الذكر كالأنثى" أي في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى "وإني سميتها مريم"

وقوله إخبارا عن أم مريم أنها قالت "وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم" أي عوذتها بالله عز وجل من شر الشيطان وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى عليه السلام فاستجاب الله لها ذلك كما قال عبدالرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى "ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مسه إياه إلا مريم وابنها" ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم "وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم" أخرجاه

ومريم هي خير نساء الأرض على الإطلاق ، فما ذكرت امرأة باسمها في القرآن الكريم إلا مريم عليها السلام ، بل قد سميت سورة كاملة باسمها وهي سورة مريم ،

روى مسلم أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:” كمل من الرجال كثيرٌ، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النِّساء كفَضل الثريد على سائر الطعام 

(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)
[سورة آل عمران 37]

وبعد أعوام من رعاية امرأة عمران لابنتها مريم أعواماً وكبرت مريم واستطاعت أن تخدم وتعبد ربها في بيت المقدس ، سلمتها أمها إلى العباد في بيت المقدس وتنافسوا في كفالتها، لأنها ابنة رئيسهم وكاهنهم الأكبر، ويعتقد أن عمران أباها قد توفي في هذه الأثناء، وأصرّ زكريا ، على أن يكفلها هو، وحصل الخصام بينهم أيُّهم يكفل مريم، فلجأوا إلى القرعة، فكانت كفالتها من حظ زكريا.

(ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)
[سورة آل عمران 44]

فكان زكريا وكان متزوجا بخالة مريم او اختها يرعاها ويقوم علي شؤونها في بيت المقدس ، وكان زكريا هو نبي ذلك الزمان .

فكانت مريم عليها السلام امرأة صالحة تقية نشأت في عبادة الله وكان نبي الله زكريا هو من كان يعلمها ويؤدبها وكانت هي منشغلة بعبادة ربها و خدمة بيت المقدس.

كل ذلك بفضل الله أولا ثم بفضل دعاء تلك المرأة الصالحة زوجة عمران ، لذلك إذا أردت أن يكون لك ذرية طيبة فتزوج امرأة صالحة ، وادع لهم بالخير والهداية كثيرا ، ها هي مريم اصبحت خير نساء العالمين لأن أمها دعت لها و وهبتها لله سبحانه.

(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)
[سورة آل عمران 37]

وكان لها كرامات أخبرنا الله عنها في كتابه  ، كان لمريم حجرة في بيت المقدس تتعبد فيها وكان لا يدخل أحد عليها سوى زكريا فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. . .وهذا دليل على قدرة الله - سبحانه - على كل شىء ، وعلى رعايته لمريم ، فقد رزقها - سبحانه - من حين لا تحتسب ، ودليل على وقوع الكرامة أوليائه - تعالى - .ولقد كان وجود هذا الرزق عند مريم دون أن يعرف زكريا - عليه السلام - مصدره مع أنه لا يدخل عليها أحد سواه كان ذلك محل عجبه ، لذا حكى القرآن عنه : { قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا } أى من أين لك هذا الرزق العظيم الذى لا أعرف سببه ومصدره .  كانت إجابة مريم على زكريا تدل على قوة إيمانها ، وصفاء نفسها . فقد أجابته بقولها - كما حكى القرآن عنها - { قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله } أى : قالت له إن هذا الزرق من عند الله - تعالى - فهو الذى رزقني إياه وساقه إلىَّ بقدرته النافذة .

وقوله - تعالى - { إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، فإن الله سبحانه وتعالى فضله واسع ولا حدود لفضله ورحمته ، فإذا أردت شيئاً لا تستكثره أن يرزقك الله إياه ما عليك إلا أن ترفع يديك وتدعو أو تسجد لله وتدعو في سجودك أن يعطيك كل ما تريد من الخير و يصرف عن كل ما تخشي من الشر والاذي وهو سبحانه سميع مجيب الدعاء.

لذلك قام زكريا يدعو ربه أن يرزقه الولد رغم كبر سنه وامراته عاقر لا تلد ، (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)
[سورة آل عمران 38 - 40]

ثم حكى القرآن أن زكريا - لشدة لهفته على تحقق البشارة - سأل ربه أن يجعل له علامة تكون دليلا على تحقيق الحمل عند زوجته فقال - تعالى : { قَالَ رَبِّ اجعل لي آيَةً } .أى قال زكريا مناجيا ربه : يا رب إنى أسألك أن تجعل لي { آيَةً } آي : علامة تدلنى على حصول الحمل عند زوجتي : لأبادر إلى القيام بشكر هذه النعمة شكراً جزيلا ولأقوم بحقها حق القيام .وقد أجابه - سبحانه - إلى طلبه فقال : { قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً } . أي قال الله - تعالى - لعبده زكريا : آيتك أى علامتك ألا تقدر على كلام الناس من غير آفة في لسانك لمدة ثلاثة أيام إلا { رَمْزاً } أى إلا عن طريق الإيحاء والإشارة.

(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ *

أي أن الله سبحانه وتعالى أنعم عليك و رزقك رزقا طيباً فاحمده واشكره وسبح بحمده ، عندما تري نفسك تتقلب في نعم الله من عافية وكفاية وأمن فاحمد الله ، لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.

فلما وجد نفسه لا يستطيع الكلام علم أن زوجته قد حملت ، فلم يكتفي بحمد الله وشكره بل خرج إلى الناس يدعوهم إلى تسبيح الله وشكره ، (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)
[سورة مريم 11]

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [سورة آل عمران 41 - 43]

وكانت مريم تسمع كلام الملائكة

اصطفاها أي اختارها علي نساء عصرها لتقواها وعبادتها لتتحمل الأعباء التي ستلقها عليها من الحمل بغير ذكر وما سيتبع ذلك من اتهام الناس لها ، وطهرها من الفواحش ما ظهر منها وما بطن فلا يمكن أن تقع أبدا في فاحشة حاشا لله ، واصطفاك علي نساء العالمين لتكون أفضلهن واعلاهن درجة في الجنة.

وليس معني ذلك أن الله جعلها أفضل نساء العالمين أن تجلس ولا تعبد الله وتقول أنها وصلت لما تريد ولا تحتاج إلى عبادة كما يفعل بعض زنادقة الصوفية ، تجد شيخ طريقة من طرقهم ولا يصلي ولا يصوم ولا يعبد الله وعندما تسأل عن ذلك يقولون "أصله وصل ، جاءه اليقين" لا يحتاج إلى عبادة العبادة هذه سبيل عوام الناس أما الخواص فلهم طرق اخري ، ضلال ، ما قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك على العالمين فاجلسي واريحي نفسك ، بل قالوا
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)
[سورة آل عمران 43]

وأكثري من العبادة والتضرع إلى الله ، فأمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود.

(ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)
[سورة آل عمران 44]

ذلك من الغيب الذي لم يكن يعلمه أحد في عصر النبي ص إلا الله ، حتي اليهود والنصاري الذين يعبدون مريم من دون الله ويدعونها ويطلبون منها قضاء الحاجات وتفريج الكربات ، نعوذ بالله من ذلك ، لم يكونوا يعلمون شيئا مما ذكرنا عن قصة ولادة مريم وقصتها مع ذكريا ولا في الأناجيل المحرفة التي بين أيديهم.

(إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)
[سورة آل عمران 45]

وبيان تلك البشارة وتفصيلها جاء في سور مريم .
بكلمة منه ، لأن الإنسان قد يسأل كيف يكون الولد من غير نكاح ، فجاءت الإجابة قبل أن تسأل ، أنه كلمة من الله ، قال الله كن فكان ، فالله خلق لنا الأسباب ، ولكن إذا أراد الله كسر تلك الأسباب كسرها ، وخلق بغيرها.

يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ .
 (سورة النساء 171)

كما قال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}.

ويقال عن عيسى أنه روح الله ، فقوله في الآية والحديث: { وَرُوحٌ مِنْهُ } أي روح من خلق الله ، كقوله { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ } ، نسبت إلى الله نسبة تشريف ، كما تقول بيت الله ، سيف الله المسلول ونحوه.
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)     سورة الحجر

 المسيح معناها المبارك الذي تحل معه البركة أينما ذهب ، عيسى ، الله سبحانه وتعالي هو الذي سماه بهذا الاسم ، وقيل معني عيسي أي اللون الأبيض الصافي الجميل ، وجيها أي له قدر كبير عند الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة ، كما قال الله عن موسي _وكان عند الله وجيها.

( قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [سورة آل عمران 46]

أي أن الله خلقه متكلما في المهد ، أنت لا تحتاج إلى تعليمه النطق والحديث والكلام ، بل هو ناطق متكلم ، بكلامه وحكمته التي آتاه الله اياها يغلب المتكلمين المفوهين ، ويكون علي هذا الحال في صغره وشبابه لا يتبدل ولا يتغير.

( قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [سورة آل عمران 47]

تخيل معي امرأة عفيفة شريفة عابدة زاهدة تقية ، فجأة يطلب منها أن تقابل الناس بحملها ثم بولدها علي يديها ، فكيف ستدفع عن نفسها التهمة وماذا ستقول للناس ، لا شك أنه أمر صعب جداً علي امرأة أن تتحمل مثل ذلك الأمر ، لذلك فأرادت أن تتأكد من الخبر.

في سورة مريم تجد كمال سياق قصة مريم مع الملك الذي جاءها وكيف كان حملها و وضعها وحديثها لقومها.
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) 

كانت أول كلمة قالها "إني عبد الله" ، تلك كانت آية لبني إسرائيل لكي لا يتهموا والدته بالباطل ، ولكي لا يقول عنه أحد أنه ابن لله أو هو الله ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .

وذكر ابن جرير في تاريخه أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة، ومكث حتى رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

وقال أبو زرعة الدمشقي: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عمن حدثه قال: "أنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلون من شهر رمضان، ونزل الزبور على داود في اثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وذلك بعد التوراة بأربعمائة سنة واثنتين وثمانين سنة، وأنزل الإنجيل على عيسى بن مريم في ثمانية عشرة ليلة خلت من شهر رمضان بعد الزبور بألف عام وخمسين عاما، وأنزل الفرقان على محمد   في أربع وعشرين من شهر رمضان".
وقد ذكرنا في التفسير عند قوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} الأحاديث الواردة في ذلك، وفيها أن الإنجيل أنزل على عيسى بن مريم عليه السلام في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.

(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *

كان يصنع الطين على هيئة طير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا ، ويضع يديه علي عين الأكمه فيبصر بإذن الله ، والاكمه هو الذي قد ولد أعمى ، وتلك هي اصعب أنواع العمي ان يولد الإنسان أعمي ويجلس هكذا أعواماً من شبه المستحيل في الطب ان يعود بصره إليه ، وكذلك البرص وهو مرض جلدي معروف ولكنه معدي جدا وعلاجه صعب للغاية قد يحتاج إلي سنوات من العلاج ، ويحيي الموتي بإذن الله ، ويخبر الناس بما يخفون في بيوتهم بتعليم الله له ، وانظروا كيف يكون حرص نبي الله عيسى أن يخبر الناس عند كل آية من تلك أن ذلك بإذن الله تعالى وليس بقدرته وقوته.

أتدرون لماذا أرسل الله عيسي بتلك الآيات الباهرات ، لسببين أن عيسى، عليه السلام، فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة ، ولأن بني إسرائيل كانوا قوم بهت يكذبون الأنبياء بل قتلوا الكثير من الأنبياء حتي أنهم قتلوا ذكريا ويحيي عليهما السلام ، فاراد الله أن يأتيهم بآيات لا مجال لانكارها أو تكذيب الرسول الذي ارسل بها ، ومع ذلك كذبوه كما سنري.

وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)
[سورة آل عمران 48 - 51]

{ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ } أي: مقرر لهم ومُثَبّت { وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } فيه دلالة على أن عيسى، عليه السلام، نسَخ بعض شريعة التوراة.


{ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) }
عندما جاء عيسى لقومه بتلك الآيات وجلس فيهم مدة ، وجد أن أكثر بني إسرائيل قد كفروا برسالته وقالوا عنه كاذب وقالوا عنه ساحر ، يحيي لهم الموتي باذن الله ولا يزالون على كفرهم وعنادهم ، فأراد نبي الله عيسى أن يعرف من آمن به فنادي في الناس (من أنصاري إلى الله؟ أي من يتبعي بشريعة الله ولا يكفر بي ؟) فآمن به بعض أفراد من بني إسرائيل وقيل كانوا اثنيْ عشرَ رجلاً ، فسماهم الله الحواريين ، وكلمة حواري أي الناصر.
ودعوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين بوحدانيته ، ممن يشهدون ألا إله إلا الله وأن عيسى عبده ورسوله.
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)             سورة المائدة

وقد بشر عيسى بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقوله: { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } يعني: التوراة قد بَشَّرَت بي، وأنا مصداقُ ما أخبرت عنه، وأنا مُبَشّر بمن بعدي، وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد.
فعيسى، عليه السلام، وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام (3) في ملأ بني إسرائيل مبشرًا بمحمد، وهو أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي لا رسالة بعده ولا نبوة. وما أحسن ما أورد البخاري الحديثَ الذي قال فيه:
حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جُبَير بن مُطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يَمحُو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب".

ولا تزال الأناجيل التي في أيديهم رغم تحريفهم لها ، شاهدة على بشارة عيسى بمجئ البارقليط ، وهي في اللغة اليونانية باركليتوس أي بمعني محمد أو أحمد ، وكان النصارى العرب قديما يكتبونها البارقليط ولا يترجمونها ، ولكن في العصر الحديث حرفوا الكلمة الأصلية وأصبحوا يترجمونها بالمعزي ، لكي يصرفوا الناس عن الحق.

وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)     سورة آل عمران
ثم قال تعالى مخبرا عن  بني إسرائيل فيما هَمُّوا به من الفتك  بعيسى، عليه السلام، وإرادته بالسوء والصَّلب، حين تمالؤوا عليه وَوَشَوا به إلى ملك ذلك الزمان وكان من الرومان ولم يكن من بني إسرائيل، وكان كافرًا، فأنْهَوا إليه أن هاهنا رجلا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك، وَيُفَنِّد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زانية  حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه ويُنَكّل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظَفروا به، نجاه الله من بينهم،

عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثني عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال: أنت هو ذاك. فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء.

قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا  .

 ورفعه من رَوْزَنَة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل  كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، عليه السلام، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك.
وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطَلبتِهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادا للحق ملازما لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد؛ ولهذا قال تعالى: { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } .

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)      آل عمران

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)   سورة النساء

ثم بعد رفع عيسى عليه السلام اختلف النصارى فيه ، فمنهم من قال أنه صلب ومنه من قال بل رفع ، ومنهم من قال أنه الله ومنهم من قال أنه ابن الله ومريم هي أم الله ، نعوذ بالله من ضلال الشياطين.

وروى مسلم بسنده عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ t عن النَّبيِّ e فيما يرويه عن الله ـ تبارك وتعالى ـ قال : ((إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا))

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقَت اليهودُ على إحدى -أو ثنْتَيْن- وسبعين فرقةً، وتفرَّقَت النَّصارى على إحدى -أو ثنْتَيْن- وسبعين فرقةً، وتفتَرقُ أُمَّتي على ثلاث وسبعينَ فرقةً"

هكذا حال الناس ، تأتيهم الرسالة من الله سبحانه وتعالى فيحرفوا ويغيروا ويبدلوا ، وتتسرب الأفكار الباطلة والإنحرافات إلى الدين شيئا فشيئا حتى يفترق الناس ويتشعبوا ويتشيعوا ، ويبقى أهل الحق متمسكين بدينهم لا يغيروا ولا يبدلوا ، يقفون حيث وقف الشرع.

 ومن المفارقات العجيبة أن الأناجيل التي بين أيدي النصاري اليوم بالرغم من تحريفها ، ليس فيها أي ذكر أن عيسى عليه السلام قد قال للناس اعبدوني ، أو أنه ابن الله أو أنه هو الله أو أن مريم أم لله ، سبحان وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ، وإنما يتبعون عقائد باطلة مخترعة ما أنزل الله بها من سلطان ولا أصل لها ولا حتى في الأناجيل التي يعظمونها.

   وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ     


نزول عيسى سيكون في نصف الحرب بين المهدي المنتظر و المسيح الدجال ومتبعينه. سينزل عيسى عند منارة بيضاء شرق دمشق، لابس رداء أصفر ورأسه ممسوح بالزيت، ثم سينضم للمهدي في محاربة الدجال. سيكون عيسى مسلم، ويلتزم بالتعاليم الإسلامية. أخيراً، سيقتل عيسى المسيح الدجال، وسيصبح كل أهل الكتاب مسلمون. هكذا ستكون الديانة الوحيدة هي الإسلام.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم: ( لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد).

باب بيان أن الله تعالى منزه عن الولد تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)


وقال تعالى في آخر هذه السورة: {وقالوا اتخذ الرحمان ولدا، لقد جئتم شيئا إدا} شيئا عظيما ومنكرا من القول وزورا {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، أن دعوا للرحمان ولدا، وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا، إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا}.
فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لأنه خالق كل شيء ومالكه، وكل شيء فقير إليه، خاضع ذليل لديه وجميع سكان السماوات والأرض عبيده، هو ربهم لا إله إلا هو ولا رب سواه كما قال تعالى: {وجعلوا له شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون، بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم، ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}.
فبين أنه خالق كل شيء فكيف يكون له ولد، والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا نظير له ولا شبيه ولا عديل له، فلا صاحبة له، فلا يكون له ولد كما قال تعالى: {قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد}
يقرر أنه الأحد الذي لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله {الصمد} وهو السيد الذي كمل في علمه وحكمته ورحمته بلغ جميع صفاته {لم يلد} أي لم يوجد منه ولد {ولم يولد} أي ولم يتولد عن شيء قبله {ولم يكن له كفوا أحد} أي وليس له عدل ولا مكافئ. ولا مساو فقطع النظير المداني والأعلى والمساوي، فانتفى أن يكون له ولد، إذ لا يكون الولد إلا متولدا بين شيئين متعادلين أو متقاربين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وقال تبارك وتعالى وتقدس: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا، لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا}.
ينهى تعالى أهل الكتاب ومن شابههم عن الغلو والإطراء في الدين وهو مجاوزة الحد، فالنصارى لعنهم الله غلوا وأطروا المسيح حتى جاوزوا الحد.
فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله وابن أمته العذراء البتول التي أحصنت فرجها فبعث الله الملك جبريل إليها فنفخ فيها عن أمر الله نفخة حملت منها بولدها عيسى عليه السلام، والذي اتصل بها من الملك هي الروح المضافة إلى الله إضافة تشريف وتكريم، وهي مخلوقة من مخلوقات الله تعالى كما يقال: بيت الله وناقة الله وعبد الله، وكذا روح الله أضيفت إليه تشريفا لها وتكريما. وسمي عيسى بها لأنه كان بها من غير أب وهي الكلمة التي أيضا التي عنها خلق وبسببها وجدوقال تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون، بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}.

ثم قال: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد} قال ابن جرير وغيره: المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة: أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، على اختلافهم في ذلك ما بين الملكانية واليعقوبية والنسطورية، عليهم لعائن الله كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنين بن قسطس، وذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة.
ولهذا قال تعالى: {وما من إله إلا إله واحد} أي وما من إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نظير له ولا كفؤ له ولا صاحبة له ولا ولد، ثم توعدهم وتهددهم فقال: {وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} ثم دعاهم برحمته ولطفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الأمور الكبار والعظائم التي توجب النار فقال: { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم}.
ثم بين حال المسيح وأمه وأنه عبد رسول وأمه صديقة، أي ليست بفاجرة كما يقوله اليهود لعنهم الله، وفيه دليل على أنها ليست بنبية كما زعمه طائفة من علمائنا. وقوله: {كانا يأكلان الطعام} كناية عن خروجه منهما كما يخرج من غيرهما، أي ومن كان بهذه المثابة كيف يكون إلها! تعالى الله عن قولهم وجهلهم علوا كبيرا.
وفي الصحيح أيضا عن رسول الله   أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم". ولكن ثبت في الصحيح أيضا عن رسول الله   أنه قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}.

لا يجوز تهنئة النصارى أو غيرهم من الكفار بأعيادهم لأنها من خصائص دينهم أو مناهجهم الباطلة، قال الإمام ابن القيم: وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه... إلخ. انظر أحكام أهل الذمة 1/161 فصل في تهنئة أهل الذمة.

وهذا كله لا يمنع المسلم من حسن معاملة النصارى ، والتأدب معهم و زيارة مريضهم و إعانتهم على الخير و قضاء مصالحهم الدنيوية ، بل وتهنئتهم في مناسباتهم الشخصية كزواج و نجاح و نحوه.

لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)   سورة الممتحنة

ويحرم على المسلم أي إيذاء للمسالمين منهم جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً. رواه البخاري.

قال في شرح سنن أبي داود: والمعاهد من كان بينك وبينه عهد وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة ما. انتهى.

وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا من ظلم معاهداً أو انتقضه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة.

والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق