عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل
أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل
النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق
عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. متفق عليه
التبس
هذا الحديث على بعض الناس فمنهم من أوله ومن بعض العوام من استنكر معناه، إذ كيف
يعمل الرجل بالصالحات طول عمره ثم يتوفاه الله على غير ذلك، ويقولون أنه إذا كان الأمر
كذلك، فلماذا نتعب أنفسنا في العبادة والطاعة، أليس من الممكن أن نموت على غير
ذلك؟
تشعر
وكأنهم لا يبنون حياتهم إلا على ما هم موقنون بعاقبته، فمثلا: كل واحد منا معرض
لأن تدهسه سيارة إذا خرج من بيته، أو يتعرض لحادث يتسبب في موته، فلماذا ينزل من
بيته! والذين يقومون ببناء مشروعات ضخمة, أليس من الممكن أن يتعرض هذا المشروع
لمشكلات كبيرة تكون سببا في ضياع أموالهم وجهودهم، فلماذا يخاطرون بذلك!
فلو
أن الناس في أمور حياتهم توقعوا أسوأ الإحتمالات وعملوا على أساسها لما فعلوا شيئا
مطلقا، لأن الإنسان معرض للخطر في كل وقت، حتى وهو في قعر بيته، فإنك لا تدري ما
هو مقدر لك، بل نأخذ بالأسباب ولا نتوكل عليها.
حتى
وإن كانت عبادات، فإن العبادات أسباب لدخول الجنة، ولكننا لا نتوكل عليها بل نتوكل
على الله، ونعلم أن أي فضل فهو بتوفيق الله لا بأعمالنا.
والمعنى
المقصود من هذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم يحذر الناس من الوقوع فيما
يسخط الله ومن انتهاك محارم الله، وألا يتكلوا على أعمالهم الصالحة السابقة، بل هو
يرمي إلى معنى قوله تعالى {وَلاَ
تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً
تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى
مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} النحل92
والحمد لله أن هذا ليس الأصل، بل الأصل أن من عاش على شيء مات عليه ، ومن
مات على شيء بعث عليه ، ولكن من الممكن أن يموت الإنسان على غير ما عاش عليه وهذا
قليل جداً والحمد لله ، ولا يظلم ربك أحداً .
ويجب على الإنسان أن يكون دائما على خوف ووجل من الله ولا يأمن مكره ولا
عذابه وإن فعل من الصالحات ما فعل ، والمتأمل في حياة الصحابة رضي الله عنهم
أجمعين يجدهم طول حياتهم وقبل مماتهم على درجة عالية من الخشية والخوف من الله ،
مع ما لهم من الجهاد في سبيل الله ونصرة نبيه وتحمل الأذي والتعذيب والهجرة من أجل
إعلاء كلمة الله بجانب ما كان لهم من العبادة والزهد والورع وحب النبي صلى الله عليه
وسلم لهم، لذلك وجب على غيرهم كائنا من كان ألا يأمن مكر الله .
ولا أحسب أن الله يخيب من لجأ إليه بصدق وألح عليه في الدعاء ألا يتوفاه
إلا على الإسلام والطاعة، فما دخل أهل الجنة الجنة إلا بفضله ورحمته، وما دخل أهل
النار النار إلا بعدله، نسأل الله أن يتوفانا على الإسلام وأن يختم لنا بخير، إنه
ولي ذلك والقادر عليه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق