الأحد، 29 يناير 2023

شرح الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية

 الحديث الخامس عشر:

عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرَاً أَو لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) رواه البخاري ومسلم.




الشرح:

حسن الخلق أصل عظيم من أصول الإسلام ، عن أبي الدرداء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء»: هذا حديث حسن صحيح


عن أبي يوسف عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قِـبَـله، وقيل: قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم -ثلاثا-، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: (يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) رواه أحمد والترمذي والحاكم، وصححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي.


وفي هذا الحديث الذي معنا يرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى المزيد من أركان حسن الخلق ، أولها أهمية أن ينتبه الشخص إلى لسانه وما يخرج منه من كلام ، فالكلام الذي يخرج من فمك ليس مجرد أصوات وذبذبات تنتقل في الهواء لا قيمة لها ، الكلام قد يؤدي إلى حروب بين دول وتستباح به الأموال والدماء ، وبسببها يدخل الناس الجنة أو النار ، فبالكلام يهتدى أناس ويضل آخرون ، بالكلام تستلطف الناس وتكسب قلوبهم أو تحولهم أعداء ، بالكلام تنتقل الأفكار والعلوم والمناهج ، القرآن كلام والسنة كلام والعلوم كلام والتاريخ كلام والشعر كلام والغناء كلام ... فانتبه لكلامك.


في الحديث يقول النبي ص فقد روى الترمذي في السنن عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت يا رسول الله: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال: ثم تلا: [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ] حتى بلغ: [يَعْمَلُونَ] (السجدة: 16-17). ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال الشيخ الألباني: صحيح.


ومعنى ثكلتك أمك: قال المباركفوري في تحفة الأحوذي شرح الترمذي: ثكلتك بكسر الكاف أي فقدتك وهو دعاء عليه بالموت على ظاهره ولا يراد وقوعه بل هو تأديب وتنبيه من الغفلة وتعجيب وتعظيم للأمر. انتهى.


تربت يداك كناية عن الفقر، ولكن لا يراد بها في الحديث الدعاء عليه بالفقر، وإنما المقصود بـ: "تربت يداك" التحبب، كما تقول لرجل: "يا مضروب ما أحسنك"، فهو ليس مضروب، وإنما تقصد التحبب له، فتربت يداك في حديث: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" ليس على ظاهرها، تعني الذي ظفر بذات الدين هو الذي فاز بالخير.


مثل: ويحك، في قول الرجل للرجل ويحك قولان:

قال المفسرون: الوَيْح: الرحمة. وقالوا: حسن أن يقول الرجل لمن يخاطبه: ويحك.

وقال الفرّاء: الويح والوَيْس كنايتان عن الويل، وقال: معنى ويحك: ويلك، قال: وهو بمنزلة قول العرب: قاتله الله، وقد يقال: ويحٌ لفلان وويحاً له، وهما بمعنى ويحك.


حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) رواه البخاري (6478).


وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧]، ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨] [ق ١٧ - ١٨]


﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوۡلࣰا سَدِیدࣰا ۝٧٠ یُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَـٰلَكُمۡ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن یُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِیمًا ۝٧١﴾ [الأحزاب ٧٠-٧١]


يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ، وَأَنْ يَعْبُدُوهُ عِبَادَةَ مَنْ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَأَنْ يَقُولُوا ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾ أَيْ: مُسْتَقِيمًا لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ. وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، أَثَابَهُمْ عَلَيْهِ بِأَنْ يُصْلِحَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ، أَيْ: يُوَفِّقُهُمْ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَهُمُ الذُّنُوبَ الْمَاضِيَةَ. وَمَا قَدْ يَقَعُ مِنْهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يُلْهِمُهُمُ التَّوْبَةَ مِنْهَا.


ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُ يُجَارُ مِنَ النَّارِ، وَيَصِيرُ إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ.


ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم

(وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ)


فَأمّا إكْرامُ الجارِ والإحْسانُ إلَيْهِ، فَمَأْمُورٌ بِهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ ﷿ {واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى

والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا} [النساء ٣٦]


وفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: ««أوْصانِي خَلِيلِي ﷺ إذا طَبَخْتُ مَرَقًا، فَأكْثِرْ ماءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ إلى أهْلِ بَيْتِ جِيرانِكَ، فَأصِبْهُمْ مِنها بِمَعْرُوفٍ»».

وفِي رِوايَةٍ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأكْثِرْ ماءَها، وتَعاهَدْ جِيرانَكَ»».

وفِي «المُسْنَدِ» والتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ ذَبَحَ شاةً، فَقالَ: هَلْ أهْدَيْتُمْ مِنها لِجارِنا اليَهُودِيِّ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجارِ ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»«.

الإمامِ أحْمَدَ «، عَنِ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما تَقُولُونَ فِي الزِّنا؟ قالُوا: حَرامٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَهُوَ حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَأنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أيْسَرُ عَلَيْهِ مِن أنْ يَزْنِيَ بِامْرَأةِ جارِهِ، قالَ: فَما تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟ قالُوا: حَرامٌ حَرَّمَها اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَهِيَ حَرامٌ، قالَ: لَأنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِن عَشَرَةِ أبْياتٍ أيْسَرُ عَلَيْهِ مِن أنْ يَسْرِقَ مِن جارِهِ».

وفِي» صَحِيحِ البُخارِيِّ «، عَنْ أبِي شُرَيْحٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: مَن يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ»، وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

وفِي» صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ».




ثم قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : ( ومَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) رواه البخاري ومسلم.

وقد ذكر الله عن قصة إبراهيم وإكرامه الشديد لضيفه وهو لا يعرفهم:

﴿وَلَقَدۡ جَاۤءَتۡ رُسُلُنَاۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمࣰاۖ قَالَ سَلَـٰمࣱۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاۤءَ بِعِجۡلٍ حَنِیذࣲ﴾ [هود ٦٩]


﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِیثُ ضَیۡفِ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ ٱلۡمُكۡرَمِینَ ۝٢٤ إِذۡ دَخَلُوا۟ عَلَیۡهِ فَقَالُوا۟ سَلَـٰمࣰاۖ قَالَ سَلَـٰمࣱ قَوۡمࣱ مُّنكَرُونَ ۝٢٥ فَرَاغَ إِلَىٰۤ أَهۡلِهِۦ فَجَاۤءَ بِعِجۡلࣲ سَمِینࣲ ۝٢٦ فَقَرَّبَهُۥۤ إِلَیۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ۝٢٧ فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِیفَةࣰۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلِیمࣲ ۝٢٨ فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِی صَرَّةࣲ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِیمࣱ ۝٢٩ قَالُوا۟ كَذَ ٰ⁠لِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِیمُ ٱلۡعَلِیمُ ۝٣٠﴾ [الذاريات ٢٤-٣٠]


الثّالِثُ مِمّا أمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ المُؤْمِنِينَ: إكْرامُ الضَّيْفِ، والمُرادُ إحْسانِ ضِيافَتِهِ، وفِي» الصَّحِيحَيْنِ «مِن حَدِيثِ أبِي شُرَيْحٍ، قالَ: «أبْصَرَتْ عَيْنايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وسَمِعَتْهُ أُذُنايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ قالَ: مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جائِزَتَهُ قالُوا: وما جائِزُتُهُ؟ قالَ:»يَوْمٌ ولَيْلَةٌ «قالَ: والضِّيافَةُ ثَلاثَةُ أيّامٍ، وما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ صَدَقَةٌ»».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود، فأرسَل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعَثَك بالحق ما عندي إلا ماءٌ، ثم أرسَل إلى أخرى، فقالت مثلَ ذلك، حتى قلن كلُّهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا ماءٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يُضيف هذا الليلة؟))، فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسول الله، فانطلَق به إلى رَحْلِهِ، فقال لامرأته: أكرِمي ضيفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوتُ صبياني، قال: علِّليهم بشيءٍ، وإذا أرادوا العَشاء فنوِّميهم، وإذا دخل ضيفُنا، فأطفِئي السراج، وأَريهِ أنَّا نأكُل، فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويينِ، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((لقد عَجِبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة))؛ متفق عليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق