التاجر الأمين
الحرص على طلب الرزق
طلب الرزق فِطرةٌ فطَر
الله - تبارك وتعالى - عليها الخَلق، ولقد يسَّر الله - سبحانه وتعالى - وكثَّر
أسباب الرزق، وحثَّ - سبحانه وتعالى - على الْتِماسها وتقواه فيها بقوله الحق: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ
الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة: 10]، وقوله -
سبحانه -: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي
مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].
وقال - جل ذكره -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ
زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ﴾ [الأعراف: 32].
وفي المسند عن رسول الهدى
- صلى الله عليه وسلم - قال: ((نِعم المال الصالح للرجل الصالح))، وقال - صلى الله
عليه وسلم-: ((أفضل الصدقة ما كان عن ظهْر غِنى)).
ولقد مرَّ رجل على النبي
- صلى الله عليه وسلم - فرأى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جلده
ونشاطه، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
((إن كان خرَج يسعى على ولدِه صغارًا، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على
أبوَين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرَج يسعى على نفسه يُعِفُّها،
فهو في سبيل الله)).
قسم
القدرات والارزاق
﴿أَهُمۡ
یَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَیۡنَهُم مَّعِیشَتَهُمۡ فِی
ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضࣲ دَرَجَـٰتࣲ لِّیَتَّخِذَ
بَعۡضُهُم بَعۡضࣰا سُخۡرِیࣰّاۗ وَرَحۡمَتُ
رَبِّكَ خَیۡرࣱ
مِّمَّا یَجۡمَعُونَ﴾ [الزخرف ٣٢]
(نحن
قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) أي نحن أوقعنا هذا التفاوت بين العباد،
فجعلنا هذا غنياً وهذا فقيراً، وهذا مالكاً، وهذا مملوكاً، وهذا قوياً، وهذا
ضعيفاً، ولم نفوض ذلك إليهم، وليس لأحد من العباد أن يتحكم في شيء بل الحكم لله
وحده، وإذا كان الله سبحانه هو الذي قسم بينهم أرزاقهم فكيف لا يقنعون بقسمته في
أمر النبوة؟ وتفويضها إلى من يشاء من خلقه؟ قال مقاتل: يقول بأيديهم مفاتيح
الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا، قرأ الجمهور معيشتهم الإفراد، وقرأ ابن عباس ومجاهد
وابن محيصن معايشهم بالجمع.
(و)
معنى (رفعنا بعضهم فوق بعض درجات) أنه فاضل بينهم فجعل بعضهم أفضل من بعض في
الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والعلم، ثم ذكر العلة لرفع درجات
بعضهم على بعض فقال: (ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً) أي ليستخدم بعضهم بعضاً فيستخدم
الغني الفقير، والرئيس المرؤوس والقوي الضعيف، والحر العبد، والعاقل من دونه في
العقل والعالم الجاهل وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا، وبه تتم مصالحهم وينتظم
معاشهم، ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين
فجعل البعض محتاجاً إلى البعض لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا ويحتاج هذا إلى
هذا ويصنع هذا لهذا ويعطي هذا هذا.
قبل
بعثة رسول الله وبعد بعثته تاجر فى ماله وتاجر فى مال أبى طالب وتاجر فى مال خديجة
ودخل الأسواق وباع واشترى وتكسب الحلال وسافر يسعى على رزقه ويضرب فى الأرض ويبتغى
من فضل الله وعُرف بالصادق الأمين من تعامل الناس معه فى البيع والشراء وشارك رسول
الله فى تجارته صحابياً يقال له السائب بن أبى السائب وقد لقيه يوم الفتح فقال له
النبى مرحباً بأخى وشريكى قد كنت لا تدارى ولا تمارى..
علق
الكفار على عمل رسول الله بالتجارة
{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ
لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا , أَوْ يُلْقَى
إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ
إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا}
فأنزل
الله رداً عليهم قوله {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي
الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ
رَبُّكَ بَصِيرًا}
علّم
الرسول الكريم أصحابه وعلّم كل الناس أن التجارة قبل أن تكون شطارة ومهارة علمهم
أنها صدق وأمانة علمهم أن التجارة طلب للحلال وبُعدٌ عن الحرام وعن أكل أموال
الناس بالباطل..
الحرص على الحلال
وقد
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم:«أيُّها النّاس إنّ الله طيبٌ،لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما
أمر به المرسلين، فقال: (يا أيُّها الرُّسُل كُلُوا من
الطّيّبات واعملوا صالحاً إنّي بما تعملون عليمٌ) وقال: (يا أيُّها الذين آمنوا كُلُوا من طيّبات ما رزقناكُم) ثم
ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام،
ومشربُه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك».
عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ
سُحْتٍ ، أي : من حرام " [ أخرجه الترمذي وغيره ] ، وأخرج البخاري وأحمد من
حديث خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ
" : إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ ـ يتصرفون ـ فِي
مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ،
فاحذروا أيها الناس من أكل المال الحرام.
ونهانا
عن الحصول عليه بالباطل { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ
تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ، وحذّرنا
النبي صلّى الله عليه وسلّم من استعجاله بالحرام فعن جابر بن عبد الله قال: قال
رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم : «أيُّها النّاسُ اتّقوا الله وأجملوا في الطلب
فإنّ نفساً لن تمُوت حتّى تستوفي رزقَها وإن أبطأ عنها فاتّقوا الله وأجملوا في
الطّلب خذوا ما حلّ ودعُوا ما حرُم»
فضل
التاجر الأمين
التجارة
سلاح ذو حدين, فهي عمل من الأعمال التي أباحها الله تعالى لما فيها من المصالح
الخاصة والعامة, وشرع لها من الأحكام التي تحقق العدل والأمن والرخاء بين
المتبايعين. فإذا عرف البائع والمشتري هذه الأحكام معرفة تامة وقام بتطبيقها على
وجهها الأكمل بقدر وسعه وطاقته كتب مع الشهداء عند الله يوم القيامة.
وإن
أهمل البائع والمشتري هذه الأحكام عن جهل أو عن علم حشر يوم القيامة مع هامان
وأُبيِّ بن خلف لعنهما الله.
وأحكام
البيع والشراء وغيرهما من المعاملات تقوم على الصدق والأمانة, فمن تحلى بهما فقد
فاز بالربح الوفير في الدنيا مع البركة فيه والنفع به, فضلًا عن حب الناس له
وإقبالهم عليه, واحترامهم لشخصه وسلوكه, وفاز برضوان الله تعالى في الآخرة, ومن لم
يكن صادقًا ولا أمينًا فهو مع الفجار يوم القيامة, ولا يربح من تجارته في الدنيا
إلا ربحًا نكدًا لا بركة فيه ولا نفع منه مهما كثر. يقول الله عز وجل في سورة
المائدة (100): "قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ
أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".
وقد
وردت في فضل التاجر الصدوق الأمين أحاديث كثيرة, لو فهمها واستوعب ما فيها من
المعاني ما وسعه إلا أن يسير في معاملاته كلها على ما سار عليه الأولون من أصحاب
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , والتابعين لهم بإحسان.
عن
التاجر الصادق الأمين عفيف النفس : تكلم الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
« التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَاءِ يوم القيامة » وكان صلى الله عليه وسلم ينادى التجار من أصحابه
فيقول « يا معشر التجار فيقولون لبيك رسول الله فيقول إن التجار يبعثون يوم
القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبرّ وصدق»
منها
ما رواه الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين
والشهداء".
ولكي
يكون مع هؤلاء فلابد أن يكون مسلمًا كما لا يخفى, وقد جاء التصريح بذلك في الحديث
الذي رواه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ
قال:
"التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة".
والصدوق
هو الذي اشتهر بالصدق وأصبح موضع ثقة الناس في أقواله وأفعاله, فلا يكفي أن يكون
صادقًا في شيء وغير صادق في شيء آخر.
والأمين
هو من اشتهر بالأمانة كما اشتهر بالصدق, فالصدق, والأمانة صفتان متلازمتان لا
تنفصل إحداهما عن الأخرى بحال من الأحوال, فمن جمع بين الصدق والأمانة, فقد جمع
الإيمان كله في قلبه, وظهرت أماراته في تصرفاته كلها, لهذا استحق أن يحشر يوم
القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء.
التاجر
الغاش للمسلمين
أما
التاجر الذي يغش ويدلس ويكذب, ويحلف بالله على ترويج سلعته رغبة في المكسب من أي
طريق, فقد ورد في ذمه ووعيده ما تشيب من هوله الولدان.
وروى
الترمذي وابن ماجه بسند صحيح عن رفاعة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يا معشر التجار", فاستجابوا لرسول الله صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: "إن التجار
يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى الله وبر وصدق".
﴿وَإِلَىٰ مَدۡیَنَ
أَخَاهُمۡ شُعَیۡبࣰاۚ قَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُوا۟
ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرُهُۥۖ قَدۡ جَاۤءَتۡكُم بَیِّنَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُوا۟
ٱلۡكَیۡلَ وَٱلۡمِیزَانَ وَلَا تَبۡخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشۡیَاۤءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُوا۟
فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَـٰحِهَاۚ ذَ ٰلِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾
[الأعراف ٨٥]
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ
إِسْحَاقَ: هُمْ مِنْ سُلَالَةِ "مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ".
وَشُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ مِيكِيلَ بْنِ يَشْجُرَ قَالَ: وَاسْمُهُ
بِالسُّرْيَانِيَّةِ: "يَثْرُونُ".
قُلْتُ:
وَتُطْلَقُ مَدِينُ عَلَى الْقَبِيلَةِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ، وَهِيَ الَّتِي
بِقُرْبِ "مَعَان" مِنْ طَرِيقِ الْحِجَازِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ
مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [الْقَصَصِ:٢٣] وَهُمْ
أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ
غَيْرُهُ﴾ هَذِهِ دَعْوَةُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ، ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ
بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: قَدْ أَقَامَ اللَّهُ الْحُجَجَ وَالْبَيِّنَاتِ عَلَى
صِدْقِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ. ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي مُعَامَلَتِهِمُ النَّاسَ
بِأَنْ يُوفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، وَلَا يَبْخَسُوا النَّاسَ
أَشْيَاءَهُمْ، أَيْ: لَا يَخُونُوا النَّاسَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَيَأْخُذُوهَا
عَلَى وَجْهِ الْبَخْسِ، وَهُوَ نَقْصُ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ خفْية
وَتَدْلِيسًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * [الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى
النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا
يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ](١) لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ:١-٦] وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ
أَكِيدٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنْهُ.
ثُمَّ
قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ، الَّذِي يُقَالُ(٢) لَهُ: "خَطِيبُ
الْأَنْبِيَاءِ"، لِفَصَاحَةِ عِبَارَتِهِ، وَجَزَالَةِ مَوْعِظَتِهِ.
1) الصدق
والأمانة.
عَنِ الْحَسَنِ , عَنْ أَبِى
سَعِيدٍ , عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:التَّاجِرُ الصَّدُوقُ
الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ.أخرجه يَعْلَى.
و\"الدارِمِي\" 2539 قال : أخبرنا قَبيصة. والتِّرْمِذِيّ\" 1209
السلسلة الصحيحة 9/240.
ولأبي داود عن أبي هريرة
مرفوعا: \"إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يَخُنْ أحدهما صاحبه، فإذا
خانه خرجت من بينهما\" أبو داود -كتاب البيوع- باب في الشركة- 3/ 256 - ح
3383.
قال صلى الله عليه وسلم : (
البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما
محقت بركة بيعهما ) [رواه البخاري:2110، ومسلم:1532] .
2) عدم إنفاق السلعة بالحلف
الكاذب.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ أَبُو
ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا ، قَالَ : الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ ، وَالْمُنَفِّقُ
سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ، وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ.
- وفي رواية : ثَلاَثَةٌ لاَ
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ
يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ،
مَنْ هُمْ خَسِرُوا وَخَابُوا ؟ قَالَ : فَأَعَادَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، قَالَ : الْمُسْبِلُ ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ
بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ، أَوِ الْفَاجِرِ ، وَالْمَنَّانُ.
أخرجه ابن أَبي شَيْبَة 7/22
و\"أحمد\" 5/148(21644) و\"الدارِمِي\" 2605
و\"مسلم\" 1/71(208) .
3) النصح للناس.
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ
اللهِ ، قَالَ:بَايَعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ
وَالطَّاعَةِ ، فَلَقَّنَنِي : فِيمَا اسْتَطَعْتَ ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
- لفظ مُجَالِد : بَايَعْتُ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَإِقَامِ
الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
أخرجه \"أحمد\"
4/361 (19409) و\"البُخَارِي\" 9/96(7204) و\"مسلم\" 1/54(111) .
4) البعد عن الغش.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛أَنَّ
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا فَأَعْجَبَهُ ،
فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ ، فَإِذَا هُوَ طَعَامٌ مَبْلُولٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ
صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا.
ـ وفي رواية : أَنَّ رَسُولَ
اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا ، فَسَأَلَهُ كَيْفَ
تَبِيعُ ؟ فَأَخْبَرَهُ ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ ، فَأَدْخَلَ
يَدَهُ ، فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ. خرجه \"أحمد\" 2/242(7290)
و\"مسلم\" 197 و\"أبو داود\" 3452 و\"ابن ماجة\"
2224 و\"التِّرمِذي\" 1315 .
5) البعد عن الاحتكار.
ودليل التحريم عندهم ما
أخرجه مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا
يحتكر إلا خاطئ.. وفي المستدرك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم
نهى: أن يحتكر الطعام. وفي المسند وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من
احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه. وأيما أهل
عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله. وفي المستدرك أنه صلى الله عليه وسلم قال: المحتكر
ملعون.
7) البعد عن التطفيف.
فقال سبحانه وتعالى: وَيْلٌ
لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
(2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ
أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ(5)يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ
الْعَالَمِينَ (6) } [المطففين: 1-6] .
8) البعد عن النجش.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه
- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا
تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا،
المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى ها هنا،
ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على
المسلم حرام دمه وماله وعرضه . رواه مسلم.
فعن عبد الله بن عمر-رضي الله
عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يبيع بعضكم على بيع أخيه )[رواه
البخاري:2139] .
9) عدم
التعامل بالربا.
احذر الربا فإنه بئس المكسب
وبئس المنقلب: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } [البقرة:276] . وقال تعالى: { الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ
الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ
مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ
وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[ البقرة:
275] . وعن جابر-رضي الله عنه- قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: آكل
الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه وقال: هم سواء) [رواه مسلم:1598].
10) السماحة
في البيع والشراء.
قال صلى الله عليه وسلم: (رحم
الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى ) [رواه البخاري:2076] . وقال صلى
الله عليه وسلم: ( كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه
لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه ) [رواه البخاري:2078، ومسلم:1562] . وقال
صلى الله عليه وسلم: ( من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله… الحديث ) [
مسلم:3014] .
11) ألا يبيع شيئا محرما
صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي
رواه أحمد ولفظه: ...وإن الله عز وجل إذا حرم أكل شيء حرم ثمنهُ. وصححه الأرناؤوط.
﴿ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ
وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰنِۚ
وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [المائدة ٢]
12) ألا تشغله تجارته عن عبادة الله
وفى
سورة النور الله تبارك وتعالى يقول { { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ,
رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ
الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ
وَالأَبْصَارُ} } يذكر المفسرون هذه الآيات نزلت فى رجلين كانا تاجرين على عهد
النبى صلى الله عليه وسلم أما أحدهما فكان بيّاعاً وكان إذا سمع النداء للصلاة
وكان الميزان فى يده تركه وإن كان الميزان على الأرض لم يرفعه حتى يجيب المنادى ,
وأما الآخر فكان حداداً يصنع السيوف والسهام والرماح يتاجر فيها فكان إذا سمع
النداء والمطرقة على السندان أبقاها موضوعة وإن كان قد رفعها تركها حتى يجيب
المنادى.. فامتدح الله تعالى من فوق سبع سموات صنيعهما وفيهما أنزل قرآناً يتلى إلى
أن يرث الله الأرض ومن عليها فقال { { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا
بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ
يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ } }
التجارة مع الله
التجارة مع الله عز وجل عاقبتها السعادة الدائمة
ورضا الله جل جلاله والفوز بجناته وجزيل ثوابه, والنجاة من سخطه وعقابه وناره,
نسأل الله من كرمه وفضله وجوده وإحسانه, قال الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا
هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتُجاهدون في سبيل الله
بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات
تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم } [الصف:10-12]
قوم تاجروا مع الله
صهيب بن سنان الرومي وكانت هجرته ـ رضي الله عنه
ـ صورة من صور الهجرة التي تجلّت فيها معاني التضحية بالمال وبذله رخيصاً في سبيل
الله، فحين خرج مهاجرا تبعه نفر من المشركين ليمنعوه فأدركوه، فوقف واستخرج نباله
من كنانته وقال لهم: " يا معشر قريش تعلمون أني من أرماكم، والله لا تصلون
إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي بيدي منه شيء " .
فقالوا له ـ كما روى الحاكم في مستدركه ـ : " أتيتنا صعلوكا فكثُر مالك
عندنا، ثم تريد أن تخرج بنفسك ومالك؟، والله لا يكون ذلك، فقال: أرأيتم إن تركت
مالي لكم هل تخلون سبيلي؟، قالوا: نعم، فدلّهم على الموضع الذي خبّأ فيه ماله
بمكّة "، فسمحوا له بإتمام هجرته إلى المدينة المنورة، بعد أن ضحّى بكل ما
يملك في سبيل دينه .
بلغ خبر صهيب ـ رضي الله عنه ـ النبي - صلى الله عليه وسلم -
بعد أن لحق به بالمدينة المنورة، فقال له ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: ( ربح البيع أبا
يحيى )، وتلا قول الله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ
مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}( البقرة
الآية: 207 ) .
وفي رواية أخرى قال صهيب ـ رضي الله عنه ـ: ( وخرجت
حتى قدمت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقِباء قبل أن يتحول منها، فلما
رآني قال: يا أبا يحيى! ربح البيع،
ثلاثا، فقلت: يا رسول الله ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل عليه السلام ) رواه الحاكم .
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: «كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه : إذا جئت
معسرًا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا قال : فلقي الله فتجاوز عنه» (البخاري
ومسلم ) .
عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: قحط المطر على عهد أبي بكر الصديق، فاجتمع الناس إلى
أبي بكر فقالوا: السماء لم تمطر، والأرض لم تنبت, والناس في شدة شديدة، فقال أبو
بكر: انصرفوا واصبروا، فإنكم لا تمسون حتى يفرج الله الكريم عنكم، قال: فما لبثنا
أن جاء أجراء عثمان من الشام، فجاءته مائة راحلة بُرًّا -أو قال طعاما- فاجتمع
الناس إلى باب عثمان، فقرعوا عليه الباب، فخرج إليهم عثمان في ملأ من الناس، فقال:
ما تشاءون؟ قالوا: الزمان قد قحط؛ السماء لا تمطر، والأرض لا تنبت، والناس في شدة
شديدة، وقد بلغنا أن عندك طعاما، فبعنا حتى نوسع على فقراء المسلمين، فقال عثمان:
حبًّا وكرامة، ادخلوا فاشتروا.
فدخل
التجار، فإذا الطعام موضوع في دار عثمان، فقال: يا معشر التجار كم تربحونني على
شرائي من الشام؟ قالوا: للعشرة اثنا عشر، قال عثمان: قد زادني، قالوا: للعشرة خمسة
عشر، قال عثمان: قد زادني، قال التجار: يا أبا عمرو، ما بقي بالمدينة تجار غيرنا،
فمن زادك؟ قال: زادني الله -تبارك وتعالى- بكل درهم عشرة، أعندكم زيادة؟ قالوا:
اللهم لا، قال: فإني أشهد الله أني قد جعلت هذا الطعام صدقة على فقراء المسلمين.
قال
ابن عباس رضي الله عنهما: فرأيت من ليلتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام
وهو على برذون أبلق (الذي فيه سواد وبياض) عليه حُلَّة من نور، في رجليه نعلان من
نور، وبيده قصبة من نور، وهو مستعجل، فقلت: يا رسول الله، قد اشتد شوقي إليك وإلى
كلامك فأين تبادر؟ قال: "يا ابن عباس، إن عثمان قد تصدق بصدقة، وإن الله قد
قبلها منه وزوَّجه عروسا في الجنة، وقد دعينا إلى عرسه"
-----------------------------------------
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق