الاثنين، 26 يونيو 2017

كيف تواجه طغيان الفراعنة ؟

كثيراً ما تجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر قصة موسى وفرعون في كتابه الكريم ، وفي كل موضع تجد حكمة وعظة وعلماً غير التي في الموضع الآخر ، وهذا من بلاغة القرآن وإعجازه.

وقد لفت إنتباهي سياق القصة في سورة غافر ، فلم يكن غالب سياق الآيات عن موسى أو فرعون ، بل كان غالبه على لسان مؤمن آل فرعون ، وكانت الغاية من ذكرها هي تعليم المؤمنين أن يكونوا دعاة إلى الله ، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حريصين على هداية الناس ونفعهم ودفع الضر عنهم .

وأن يتعلم المؤمن أن يسير في طريق الحق حتى وإن كان كل الناس بمن فيهم أقرب الناس إليه يسيرون في الإتجاه المضاد ، ولكن أن يفعل كل ذلك بحكمة تضبط إندفاعه وبإصرار أن يصل الحق إلى الناس.

وأن يتعلم المؤمن طريقة الإقناع المثلى ، وكيف تجعل شخصاً معادياً لك يتحول إلى تقبلك ثم إلى الإيمان بالحق الذي أنت عليه.



وفي مطلع القصة في الآية الثالثة والعشرين وما بعدها من آيات يبين الله لنا قوة فرعون وسطوته وتكبره وطغيانه ، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) 

فتجد ذكر فرعون وهامان وقارون المكذبين بالآيات الباهرات ، وقولهم "اقتلوا"و "استحيوا" ، وقول فرعون "ذروني أقتل موسى" ، وإضلال فرعون للناس بالأخبار الكاذبة والإدعاءات الباطلة ، وبيان تكبره وطغاينه ، كل تلك أشياء تجعل أي أحد يخشى على نفسه أن يقول كلمة تخالف ما يريده فرعون.

ورغم كل هذا ، يخرج من آل فرعون من يخالفه ، ولكن بحكمة ، فبدأ في أول الأمر مخفياً إيمانه ليدعو إلى الله بالحكمة والتدرج اللازمين ، لتصل الرسالة إلى الناس بغير صدام قدر الإمكان.

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)

فقد أراد الرجل أن يأخذ الناس من درجة الكفر إلى درجة الفكر ، من منزلة الكفر بموسى إلى منزلة يسأل كل واحد نفسه "وماذا لو كان موسى رسولاً حقاً ؟ ولماذا نقتله وهو لم يقل كلاماً منكراً؟" ، وتلك بداية جيدة تزيل بها العداء وتجعل الخصم يفكر معك ويعمل عقله الذي كان غائباً بسبب الدعاية الكاذبة.

ثم بدأ يخوف قومه بقوة الله وعذابه : يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا 

وهنا يرد عليه فرعون و على دعوته : قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)
وهذا يبين لك أن أهل الباطل لا تزال دعوته قائمة وإجاباتهم حاضرة ، ولكن هذا ليس معناه أن يتوقف المؤمن عن دعوته ويقول "أنا فعلت ما أستطيع ؟" ، بل يستمر في الدعوة للحق والتذكير بالله طالما فيه عين تطرف ولسان يتكلم به.

وما تلى ذلك من آيات إلى الآية السادسة والثلاثين يذكر الرجل قومه باليوم الآخر وأنه لن تكون لهم غلبة ولا قوة هناك ، ويذكرهم بما آل إليه مصير الأمم السابقة ، وسياق الآيات يوحي بأنهم كانوا على علم بالأمم السابقة وعلي علم بدعوة الرسل حتى قبل مجيء موسى إليهم.

ثم يذكر الله لمحة أخرى من تكبر فرعون وطغيانه لكي لا تظن أن إستمرار الرجل المؤمن في الدعوة كان نابعاً من غفلة فرعون أو أنه خفف من ظلمه ، بل لا يزال فرعون متكبراً ولا يزداد إلا طغياناً وكفراً : وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) 

ثم بعد تلك البداية أراد أن يدعو الناس صراحة إلى المنهج الحق فقال : وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)

وإلى هنا فقد إنتهينا من مرحلتين من مراحل الدعوة الثلاث ، الأولى الدعوة إلى التفكر ، ثم مرحلة بيان المنهج الحق ، ولم يبق إلى المرحلة الثالثة وهي المفاصلة بين الإيمان الكفر ، مرحلة بيان الولاء لله ولدينه والتبرؤ من الكفر وأهله :  وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) 

ومع أن الرجل بذل كل الأسباب الممكنة وأساليب الإقناع والتدرج في الدعوة ، إلا أنه لم يؤمن له أحد ، وكلهم بقوا على كفرهم وطغيانهم ، ذلك لتعلم ليست الغاية أن يهتدي الناس على يديك أو يؤمنوا بالحق الذي تدعوهم إليه ، فذلك بيد الله وحده ، إنما الغاية  أن يرى الله منك حرصاً أن تصل رسالة الله إلى الناس وأن تبذل ما تستطيع في هدايتهم ، و سواء آمن الناس أو كفروا ذلك ليس لك ، ما عليك إلا البلاغ وبذل الوسع.

ولا شك بعد كل هذا أن يشتعل العداء لهذا الرجل وأن يكون قتله أول ما يخطر على بالهم ، فاستعان الرجل المؤمن بربه ومولاه ، فقال : فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)

ولا يمكن أن تفوض أمرك إلى الله ويصيبك الخزي أو الخسران ، بل ستكون فائزا منتصراً بلا شك ، من توكل على الله فهو حسبه ، من توكل على الله كفاه ، فوض الرجل المؤمن أمره إلى الله فنجاه الله ، رغم أنه كان محاطاً بالطغاة الظالمين إلا أن الله نجاه من بينهم.

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)

والحمد لله رب العالمين

هناك تعليق واحد:

  1. أجمل سرد قرأته لتفسير تلك الآيات . أكثر من رائع
    موفق يا نور

    ردحذف