بعض أذناب الغرب والملحدين والعالمانيين يطالبون بالتجديد ، وأصل التجديد هو إعادة لما كان موجودا على نفس صورته الأولى ، كقول النبي ص (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم ) ، أي يعيده إلي صورته الأولى قبل أن يخلق ، أما هؤلاء الذين ينادون بالتجديد لا يريدون العودة إلى ما كان عليه السلف من الدين النقي الصافى وإنما يريدون تغيير الدين وتبديل أحكامه وإعادة تفسير نصوصه بما يوافق أهواءهم ومعتقداتهم التى تميل من الحضارة الغربية المنحرفة والسير وراءها أينما سارت ، يردون إعادة تمثيل دور مارتن لوثر ولكن هذه المرة مع الإسلام وليست النصرانية التى هي محرفة إبتداءا .
وقد استند أصحاب النفوس الرديئة هؤلاء إلي بعض الأفكار الواهية التي لا تنطلى إلا على الجهال ، وأهم هذه الأفكار أربعة:
أن كل النصوص الشرعية ظنية الدلالة ، و القول بنسبية الحقيقة وعدم إمتلاك أي أحد للحقيقة المطلقة ، والقول بتاريخية النصوص الشرعية ، وإزدراء فهم السلف للنصوص أو القول بأن فهمهم لا يمكن تطبيقه في واقعنا المعاصر.
وكل واحدة من هذه تحتاج إلى تفنيد ، وإن ليسير على من يسره اللهُ عليه ، يا رب يسر و أعِن.
فمن المعلوم أن دين الإسلام عقيدة واحدة وشرائع شتى ، فكل الأنبياء عقيدتهم واحدة ويدعون إلي الإيمان بهذه العقيدة التي تنادي بتوحيد رب العالمين والإيمان باليوم الآخر والملائكة والكتب المنزلة والرسل والخوف من الله ومحبته ورجاءه والتوكل عليه ، أما الشرائع من عبادات ومعاملات فقد تختلف الأحكام الشرعية فيها تبعا لحال كل قوم ، ولأن النبي محمد ص هو النبي الخاتم لذلك كانت شريعته صالحة لكل زمان ومكان وإلي يوم القيامة ، وذلك لأن وضع الله فيها من التيسير ما لم يضع في غيرها من الشرائع ،......فان بني اسرائيل كانوا يقرضون ملابسهم اذا اصابها البول ، وعندما عبدوا العجل كانت توبتهم ان يقتلوا انفسهم ، وحرم الله عليهم طيبات احلت لهم مثل لحوم الابل وكانت الامم السابقة لا ياكلون الغنائم وانما كانت تنزل من السماء نار تحرقها ، وغيرها كثير ، فعفا الله سبحانه وتعالي بمنه وكرمه لتكون شريعتنا يسيرة علي البشر جميعا ، ومن تامل سيرة النبي ص واصحابه وجد فيها الاغلب الاعم مما يحتاج اليه في حياته من شرائعه تصلح دنياه واخرته ، وما استجد من امور فستجد حكمه بالقياس علي ما وصل الينا من هدي هذا السلف المبارك ، وبالنظر في مقاصد الشريعة المباركة ، والله سبحانه وتعالى ما شرع لنا هذه الشرائع تضيقا علينا وإنما مراعاة لمصالح العباد جميعا في الدنيا والآخرة ، وما قد لا تستسيغه بعض العقول من الشرائع الربانية فإنما هو لقصر فهمها وضعف إدراكها ، فقد تنظر العقول إلي أمر ما فإنما تنظر إليها من جهة واحدة أو جهتين ، ولكن الله عز وجل يحيط كل شيء ٍ علما ، فلا تخفى عليه خافية ولا يغفل عن شيء - سبحانه وتعالي -، فإذا شرع أمرا فهذا الشرع هو الأفضل بلا أدنى شك ، وهذا هو الفارق بين الشرائع الربانية والقوانين الوضعية ، (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) ، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) .
فإذا علمنا كل هذا أدركنا خطورة ما يدعوا إليه هؤلاء الزنادقة من التجديد الذي هو في حقيقة دعوتهم ما هو إلا تحريف وتبديل لشرع الله كما فعلت الأمم من قبلنا (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)
............ و ردنا عليهم سيكون ببيان هشاشة أفكارهم التي بنوا عليها إتجاههم الشيطاني لتحريف الدين وتبديل خير الشرائع ، و ذلك بالذكر البين للآيات القرآنية الشافية الكافية الداحضة للباطل والقاهرة لأهله.
١. القول بالظنية المطلقة لدلالات النصوص الشرعية
هذا يرده قوله تعالى: ((هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله))
فالأغلب الاعم من ايات القران الكريم انها ايات واضحة المعني ظاهرة الدلالة للعوام والعلماء ، ولكن قد يلتبس فهم بعض الايات علي العوام ، فعليهم ان يعودوا الي العلماء الذين يردون المتشابه الي المجكم فتتضح لهم الاحكام والشرائع ، فتصير كلها محكمة واضحة ، ولكن الزائغون عن الحق الضالون المضلون يؤلون معاني المتشابه بما يوافق شهواتهم وأهوائهم ، فما بالك بمن يريد أن يجعل كل آيات القرآن متشابهات ليؤلها كلها كيفما شاء ، لا ريب أن هذا هو أكثر أهل الزيغ ضلالا وفسادا بل وكفرا.
٢. القول بنسبية الحقائق وأنه لا أحد يملك الحقيقة المطلقة
والرد على هذا أنه لا يشك مسلم في أن الإسلام هو الدين الحق وهو الحقيقة المطلقة ، ومن شك في أن الإسلام حقيقة فليس بمسلم ، قال الله تعالى : ((ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين )) فكون القرآن من عند الله حقيقة مطلقة وليست نسبية و دلالة كل آية فيه حقيقة مطلقة أيضا ، فمن ذا الذين يقول أنه لا توجد حقيقة مطلقة ! ، وكون القرآن فيه الهدى حقيقة مطلقة أيضا وكون شرع الله عز وجل فيه الخير فيه الخير والبركة والنعمة والأمن وفي غيره الفساد والضلال والبؤس والخوف حقيقة مطلقة أيضا ، فمن ارتاب في شيء من ذلك فليس بمسلم أصلا.
٣. القول بتاريخية النصوص الشرعية وأنها كانت صالحة في زمن التنزيل ولا تصلح في زماننا.
والرد على هذا أن الإسلام عقيدة وشريعة أنزلها الله عز وجل صالحة لكل البشر من وقت التنزيل وإلى يوم القيامة ، قال الله تعالى: ((وما ارسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا)) ، وقال الله ((ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين)) ، فالشريعة الإسلامية ستظل هي خير شريعة وأصلح منهج إلى يوم القيامة ، أما إن تعذر تطبيق مسألة من مسائل الشرع في زمن من الأزمان لتغير حال ، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وستجد في كلام النبي ص والسلف والفقهاء ما يثلج صدرك ويريح قلبك ، فإن زال هذا الحال وجب تطبيق حكم الله فيه ، ولكن أن يخرج علينا السفهاء فيقولون هذا يناسب عصرنا وهذا لا يناسب عصرنا بأهوائهم فهذا هو أفجر أنواع القول على الله بغير علم ، فهم يختارون من الشرع بأهوائهم و يستدركون و يعترضون على أحكام الله عز وجل ، نعوذ بالله من الضلال ((ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع قليل ولهم عذاب أليم)).
.......... ٤. إزدراء العلماء والفقهاء واتهام السلف بضعف العلم وسوء الفهم.
وهذه الفكرة الفاسدة يرد عليها مدح الله لهم في كتبه المنزلة من التوراة والانجيل والقران ، ثم مدح النبي ص لهم عندما قال خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، فهم خير الناس وهم من ورثوا فهم الدين عن خير الأنام النبي محمد ص ، وهم من كان شيخهم المباشر طوال سنين عديدهم هو النبي محمد ص ، فالقدح في فهمهم قدح معلمهم وشيخهم ، وقد مدح الله إيمانهم فقال الله ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق)) ، إيمان الصحابة رض هو خير إيمان وعليه يقاس كل إيمان فمن كان إيمانه مثل إيمانهم وهديه مثل هديهم فهذا هو المؤمن ومن كان على غير ذلك فهو لا ريب على ضلال ، فما أجمعوا عليه لا يجوز لأحد مخالفته.
اللهم اغفر لنا وارحمنا
ردحذف