قصص وفوائد من
سورة المائدة
بطاقة تعريفها:
هي السورة الخامسة في ترتيب المصحف
- اسمها: سورة المائدة لاشتمالها على قصة نزول
المائدة من السماء، وسورة العقود لاستهلالها بالأمر بالوفاء بالعقود، والمنقذة
لأنها تنقذ صاحبها من ملائكة العذاب ، وسورة الأحبار لتكرر ذكرهم فيها ، كما
تسمى سورة الأخيار .
- عدد آياتها: مائة وعشرون عند الكوفيين، ومائتان واثنتان
وعشرون عند أهل الحجاز والشام، ومائتان وثلاث وعشرون في عد البصريين.
- ترتيبها نزولا: عدت السورة الحادية والتسعين في عدد السور على
ترتيب النزول،حيث نزلت بعد سورة الأحزاب وقبل سورة الممتحنة .
عن أسماء بنت يزيد قالت :
إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ نزلت عليه
المائدة كلها ، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة . وروى ابن مردويه من حديث صالح بن
سهيل ، عن عاصم الأحول قال : حدثتني أم عمرو ، عن عمها ; أنه كان في مسير مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت عليه سورة المائدة ، فاندق عنق الراحلة من ثقلها
. وقال أحمد أيضا : حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة ، حدثني حيي بن عبد الله ، عن أبي
عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال : أنزلت على رسول الله صلى الله عليه
وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته ، فلم تستطع أن تحمله ، فنزل عنها .
ورد في صحيح البخاري عن
زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: “أنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ
حتى خفت أن ترض فخذي”.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ ﴿1 المائدة﴾
ونحن
في الغالب عندما نتكلم عن أي سورة نبدأ بالحديث عن أول آية لأنها بمثابة عنوان
السورة ومفتاحها ومدخلها الذي من خلاله تعرف القضايا التي ستناقش في هذه السورة.
وهذا
النداء " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " نداء من الله
لعباده المؤمنين ، وقد تكرر هذا النداء في القرآن تسعة وثمانين مرة ، ستة عشر منها
في سورة المائدة ، في أكثر سورة ذكر فيها هذا النداء "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" ، ومن هذا نستنبط أن أكثر السورة وصايا
لأهل الإيمان ، وينبغي على المؤمن أن ينتبه عندما يسمع هذا النداء ، فإذا انتهي
فلا يقول إلا سمعنا وأطعنا.
رجلا أتى عبد الله بن
مسعود [ رضي الله عنه ] فقال : اعهد إلي . فقال : إذا سمعت الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا ) فارعها سمعك ، فإنه خير يأمر به ، أو شر ينهى
عنه .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ
عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ
مَا يُرِيدُ
هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما
يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا
شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام،
وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه
وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم. والتي بينه وبين أصحابه من
القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من
عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل
والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ْ} بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف
بين المسلمين وعدم التقاطع.
وقد وصف القرآن الذين يوفون بالعهد بأحسن الصفات فقال: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ
فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177]، وقال: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ
اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: 76]
وَاذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)
وهذه هي البيعة التي كانوا
يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها عند إسلامهم ، كما قالوا : " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع
والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا ، وألا ننازع الأمر أهله
"
أخبر تعالى عن صفة المؤمنين
المستجيبين لله ولرسوله ، الذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله وسنة رسوله ، فقال : ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله
ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) أي : سمعا وطاعة; ولهذا وصفهم تعالى بفلاح ، وهو
نيل المطلوب والسلامة من المرهوب ، فقال : ( وأولئك هم المفلحون ) .
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ
وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ
وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ
خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)
ثم أخبر تعالى عما أحل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم
عهده ، فقال
: ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ) أي : فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم ،
أي أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى ، ( وجعلنا قلوبهم قاسية ) أي : فلا يتعظون بموعظة لغلظها وقساوتها ، ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) أي : فسدت فهومهم ، وساء تصرفهم في آيات الله ، وتأولوا كتابه على غير
ما أنزله ، وحملوه على غير مراده ، وقالوا عليه ما لم يقل ، عياذا بالله من ذلك ، ( ونسوا حظا مما ذكروا به ) أي : وتركوا العمل به رغبة عنه .
قال الحسن : تركوا عرى دينهم ووظائف الله التي لا يقبل العمل إلا بها . وقال غيره : تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة ، فلا قلوب سليمة ، ولا فطر مستقيمة ، ولا أعمال قويمة .
قال الحسن : تركوا عرى دينهم ووظائف الله التي لا يقبل العمل إلا بها . وقال غيره : تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة ، فلا قلوب سليمة ، ولا فطر مستقيمة ، ولا أعمال قويمة .
وَمِنَ الَّذِينَ
قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا
ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ
يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
(14)
وقوله) : ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم( أي : ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى
يتابعون المسيح ابن مريم عليه السلام ، وليسوا كذلك ، أخذنا عليهم العهود
والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره ، والإيمان بكل نبي
يرسله الله إلى أهل الأرض ، أي : ففعلوا كما فعل اليهود خالفوا المواثيق ونقضوا
العهود ; ولهذا قال
: ( فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة
والبغضاء إلى يوم القيامة ) أي : فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا
، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة . وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا
يزالون متباغضين متعادين ، يكفر بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا ; فكل فرقة تحرم
الأخرى ولا تدعها تلج معبدها ، فالملكية تكفر اليعقوبية ، وكذلك الآخرون ، وكذلك
النسطورية والأريوسية كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة
منهنَّ، كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا
عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ
إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ
الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ (27)
يقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم
لصلبه - في قول الجمهور - وهما هابيل وقابيل كيف عدا أحدهما على الآخر ، فقتله
بغيا عليه وحسدا له ، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله
عز وجل ، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة ، وخاب القاتل ورجع بالصفقة
الخاسرة في الدنيا والآخرة ، فقال تعالى : ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ) أي : واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة ، إخوان الخنازير والقردة من
اليهود وأمثالهم وأشباههم - خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من
السلف والخلف .
وقوله : ( بالحق ) أي : على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب ، ولا وهم ولا تبديل ، ولا زيادة ولا نقصان ، وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف ، أن الله تعالى قد شرع لآدم عليه السلام ، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال ، ولكن قالوا : كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى ، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر ، وكانت أخت هابيل دميمة ، وأخت قابيل وضيئة ، فأراد أن يستأثر بها على أخيه ، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانا ، فمن تقبل منه فهي له ، فقربا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه .
وقوله : ( بالحق ) أي : على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب ، ولا وهم ولا تبديل ، ولا زيادة ولا نقصان ، وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف ، أن الله تعالى قد شرع لآدم عليه السلام ، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال ، ولكن قالوا : كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى ، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر ، وكانت أخت هابيل دميمة ، وأخت قابيل وضيئة ، فأراد أن يستأثر بها على أخيه ، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانا ، فمن تقبل منه فهي له ، فقربا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه .
قال الله: " قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول "، أوصانا، وتقدم إلينا في كتبه وعلى ألسن أنبيائه " أن لا نؤمن لرسول "،
يقول: أن لا نصدِّق رسولا فيما يقول إنه جاء به من عند الله من أمر ونهي وغير ذلك="
حتى يأتينا
بقربان تأكله النار
"، يقول: حتى
يجيئنا بقربان، وهو ما تقرَّب به العبد إلى ربه من صدقة.
وقوله : ( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك
لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ) يقول له أخوه الرجل الصالح ، الذي تقبل الله
قربانه لتقواه حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه : ( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي
إليك لأقتلك ) أي : لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله ، فأكون
أنا وأنت سواء في الخطيئة ، ( إني أخاف
الله رب العالمين ) أي : من أن أصنع كما تريد أن تصنع ، بل أصبر
وأحتسب .
قال عبد الله بن عمرو : وايم الله ، إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج ، يعني الورع .
ولهذا ثبت في الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار " . قالوا : يا رسول الله ، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث بن سعد عن عياش بن عباس عن بكير بن عبد الله عن بسر بن سعيد ; أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان : أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنها ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي " . قال : أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني قال : " كن كابن آدم " .
قال عبد الله بن عمرو : وايم الله ، إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج ، يعني الورع .
ولهذا ثبت في الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار " . قالوا : يا رسول الله ، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث بن سعد عن عياش بن عباس عن بكير بن عبد الله عن بسر بن سعيد ; أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان : أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنها ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي " . قال : أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني قال : " كن كابن آدم " .
دفع الصائل قوله - تعالى -: {فَمَنِ اعْتَدَى
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194].
ووجه الدلالة أن الاعتداء على الناس في أنفسهم
وأموالهم حرام أصلاً؛ فإذا اعتدى أحد من الناس على آخر، جاز للآخر أن يدفع عن نفسه
الاعتداء بما يندفع به ،
وكما
يشمل الدفاع الشرعي الدفاعَ عن النفس، يشمل كذلك الدفاعَ عن الغير، لقوله - تعالى -: {وَإن طَائِفَتَانِ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإن بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا
الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: ٩]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أُذِل عنده مؤمن فلم ينصره وهو
يقدر على أن ينصره أذله الله - عز وجل - على رؤوس الخلائق يوم القيامة»
فإنَّ أميرَ المؤمنينَ عثمانَ بنَ عفَّان، ذا النُّورَيْنِ،
جامعَ القُرآن، ثالثَ الخُلفاء الرَّاشدين والأئمَّة المهديِّين المأمورِ
باتِّباعهم والاقتداءِ بهم، الذي أسلم قديمًا، صفاتُه وفضائُله أشهرُ وأظهَرُ من
أن تُذَّكر - أَبَى -رضي الله عنهُ- أن يُدافع عنه أحدٌ من المسلمين، اسْتِسْلامًا
لِقضاءِ الله عز وجلَّ وقدره وحقنًا لدمائِهم، فكفَّ يدَهُ عن القِتال، وأمَرَ
النَّاس وعزَمَ عليْهِم أن لا يُقاتِلُوا دونَه، ولوْلا قَسَمُه عليهم لنَصَرُوه
نصرًا مؤزَّرًا، ولأبادوا مَن قتلوه -قاتلهم الله- ولكن كان أمرُ الله قدرًا
مُقَدَّرًا، حتَّى إنَّه لمَّا استخْلَفَ عبدالله بْنَ عبَّاسٍ على الحجِّ قال له
عبدالله بنُ عبَّاس: إنَّ مقامي على بابِكَ أُحاجفُ عنكَ أفْضَلُ منَ الحَجِّ،
فعَزَمَ عليْهِ فخرج بالنَّاس إلى الحجِّ.
وقوله) : إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب
النار وذلك جزاء الظالمين) قال ابن عباس ومجاهد
والضحاك وقتادة والسدي في قوله) : إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك( أي : بإثم قتلي وإثمك
الذي عليك قبل ذلك .
وقوله تعالى : ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من
الخاسرين ) أي : فحسنت وسولت له نفسه ، وشجعته على قتل أخيه
فقتله ، أي : بعد هذه الموعظة وهذا الزجر .
ومما يدل على أن للنفس وسوسة،
قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ {سورة
ق: 16} قال السمعاني: الوسوسة حديث النفس. وقال البيضاوي: ما تحدثه به نفسه وهو ما يخطر بالبال، والوسوسة الصوت الخفي.
قوله صلى الله عليه وسلم: إن
الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم. رواه البخاري ومسلم.
عن عبد الله بن مسعود قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: " لا تقتل نفس ظلما ، إلا كان على ابن آدم الأول
كفل من دمها ، لأنه كان أول من سن القتل " .
لما قتله سقط في يديه ، ولم
يدر كيف يواريه . وذلك أنه كان - فيما يزعمون - أول قتيل في بني آدم وأول ميت )فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري
سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من
النادمين (.
قال السدي بإسناده المتقدم
إلى الصحابة : لما مات الغلام تركه بالعراء ، ولا يعلم كيف يدفن ، فبعث الله غرابين
أخوين ، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ، فحفر له ثم حثى عليه .
قال تعالى : ( من أجل ) قتل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانا : ( كتبنا على بني إسرائيل ) أي : شرعنا لهم وأعلمناهم ( أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض
فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) أي : ومن قتل نفسا بغير سبب من قصاص ، أو فساد في
الأرض ، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية ، فكأنما قتل الناس جميعا ; لأنه لا فرق
عنده بين نفس ونفس ، )ومن أحياه) أي : حرم قتلها واعتقد ذلك ، فقد سلم الناس كلهم
منه بهذا الاعتبار ; ولهذا قال ): فكأنما أحيا الناس جميعا(.
وقال الأعمش وغيره ، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : دخلت على عثمان يوم الدار فقلت : جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين . فقال : يا أبا هريرة ، أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي معهم؟ قلت : لا . قال فإنك إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتلت الناس جميعا ، فانصرف مأذونا لك ، مأجورا غير مأزور . قال : فانصرفت ولم أقاتل .
وقال الأعمش وغيره ، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : دخلت على عثمان يوم الدار فقلت : جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين . فقال : يا أبا هريرة ، أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي معهم؟ قلت : لا . قال فإنك إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتلت الناس جميعا ، فانصرف مأذونا لك ، مأجورا غير مأزور . قال : فانصرفت ولم أقاتل .
عن عبد الله بن عمر أنه قال
: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له أن رجلا منهم
وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟
" فقالوا : نفضحهم ويجلدون . قال عبد الله بن سلام
: كذبتم ، إن فيها الرجم . فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم
، فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك . فرفع يده فإذا
فيها آية الرجم ، فقالوا صدق يا محمد ، فيها آية الرجم ! فأمر بهما رسول الله صلى
الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة .
عن البراء بن عازب قال : مر
على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود ، فدعاهم فقال : " أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟
" فقالوا : نعم ، فدعا رجلا من علمائهم فقال : " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون
حد الزاني في كتابكم؟ " فقال : لا والله ، ولولا أنك نشدتني بهذا لم
أخبرك ، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا
الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا حتى نجعل
شيئا نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد . فقال النبي صلى
الله عليه وسلم
: " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه
" . قال : فأمر به فرجم ، قال : فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في
الكفر ) إلى قوله : ( يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ) يقولون : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم
والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، إلى قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : في اليهود إلى قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) قال : في اليهود ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) قال : في الكفار كلها .
وَأَنزَلْنَا
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا
مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا
الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ
فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)
يقول تعالى: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ْ} الذي هو القرآن العظيم، أفضل الكتب وأجلها. { بِالْحَقِّ ْ} أي: إنزالا بالحق، ومشتملا على الحق في أخباره
وأوامره ونواهيه. { مُصَدِّقًا
لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ْ} لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها،
وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده مصداقا لخبرها. { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ْ} أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة،
وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به
الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه. وهو الكتاب الذي فيه نبأ
السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه
الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد
دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه. { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ْ} من الحكم الشرعي الذي أنزله الله عليك. { وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ
مِنَ الْحَقِّ ْ} أي: لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق
بدلا عما جاءك من الحق فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ ْ} أيها الأمم جعلنا { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ْ} أي: سبيلا وسنة، وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف
الأمم، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال، وكلها ترجع إلى العدل في وقت
شرعتها، وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان، فإنها لا تختلف،
فتشرع في جميع الشرائع.
وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن
يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا
فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ
وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ
يُوقِنُونَ (50)
************************
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ
آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)
واذكر نعمتي عليك إذ يسرت لك أتباعا وأعوانا. فأوحيت إلى الحواريين
أي: ألهمتهم، وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي، أو أوحيت إليهم على لسانك، أي:
أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند الله، فأجابوا لذلك وانقادوا، وقالوا: آمنا بالله،
واشهد بأننا مسلمون، فجمعوا بين الإسلام الظاهر، والانقياد بالأعمال الصالحة،
والإيمان الباطن المخرج لصاحبه من النفاق ومن ضعف الإيمان.
والحواريون هم: الأنصار،
كما قال تعالى كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: { مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ
الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ }
{ إِذْ قَالَ
الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ
يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ }
كذلك يظهر أدب أصحاب نبينا
صلى الله عليه وسلم معه، أنهم ما كانوا يقولون يا محمد، أو يا محمد بن عبد الله،
وإنما كانوا ينادونه يا نبي الله، يا رسول الله، أما أصحاب عيسى إِذْ قَالَ
الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [المائدة: 112]، باسمه المجرد، وقد أدب الله أصحاب نبينا، فقال
لهم: لَا
تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: 63]، لا تقولوا: يا محمد باسمه مثلما تنادون أي واحد
منكم، قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله.
وطلبوا أي: مائدة فيها
طعام، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك من باب
العرض والأدب منهم. ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق، وكان هذا
الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى عليه السلام فقال: { اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة
التقوى، وأن ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون
بعدها شيئا.
قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا
وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا
مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد
صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك فـ { قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا } وهذا دليل على أنهم محتاجون لها، { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } بالإيمان حين نرى الآيات العيانية، فيكون الإيمان
عين اليقين، كما كان قبل ذلك علم اليقين. كما سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه
أن يريه كيف يحيي الموتى { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل
وقت، ولهذا قال: { وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا } أي: نعلم صدق ما جئت به، أنه حق وصدق، { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ } فتكون مصلحة لمن بعدنا، نشهدها لك، فتقوم الحجة، ويحصل
زيادة البرهان بذلك.
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا
أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا
وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)
فلما سمع عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك، وعلم مقصودهم، أجابهم إلى
طلبهم في ذلك، فقال: { اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا
مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً
مِنْكَ } أي: يكون وقت نزولها عيدا وموسما، يتذكر به هذه
الآية العظيمة، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين. كما جعل الله تعالى
أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة،
وفضله وإحسانه عليهم. { وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ } أي: اجعلها لنا رزقا، فسأل عيسى عليه السلام
نزولها وأن تكون لهاتين المصلحتين، مصلحة الدين بأن تكون آية باقية، ومصلحة
الدنيا، وهي أن تكون رزقا.
{ قَالَ
اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي
أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر عنادا وظلما،
فاستحق العذاب الأليم والعقاب الشديد. واعلم أن الله تعالى وعد أنه سينزلها،
وتوعدهم -إن كفروا- بهذا الوعيد.
لقد كانت هذه القصة أيضاً
فيها ميزة لأصحاب نبينا، إذا ما قارنا أصحاب نبينا بهؤلاء فإنهم لم يكونوا يطلبون
الآيات والمعجزات، يعني: بنو إسرائيل سألوا موسى آيات ومعجزات، والحواريون أصحاب
عيسى سألوا آيات ومعجزات، لكن أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم ما كانوا يسألون ذلك
لإيمان قلوبهم، واطمئنان نفوسهم، وتصديقهم بنبيهم، فلا يحتاجون إلى آيات.
وقد روى الإمام أحمد عن ابن
عباس قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا
ذهبًا ونؤمن بك، قال: وتفعلون ، قالوا: نعم، فدعا، فأتاه
جبريل، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام،
ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا
أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة ، قال: بل باب التوبة والرحمة [رواه أحمد: 2166، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة:
3388].
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق