السبت، 29 سبتمبر 2012

دعوة الأنبياﺀ بين مرحلتين

         اشتهر بين الناس أن دعوة المسيح عيسى بن مريم كانت دعوة محبة و سلام و تسامح ، بينما تُتهم دعوة النبي محمد - ص - بأنها تدعو إلى الحروب و القتال و سفك الدماﺀ ، و الحقيقة التى أغفلها الناس هي المراحل التى تمر بها دعوة الأنبياﺀ جميعا .
       ففي بداية الأمر تمر الدعوة بمرحلة ضعف ، تكون فيها الدعوة جديدة على الناس ، و الناس أعداﺀ لكل جديد ، و يكون أتباع هذه الدعوة قليلون جدا و أغلبهم من الضعفاﺀ و المساكين الذين لا يمكنهم مجابهة المجتمع الهائل الكبير من حولهم ، لذلك لا يمكنهم استعمال أي نوع من أنواع العنف أو القتال لأنهم هم الأضعف بلا شك ، ولكن سلاحهم هو الدعوة بالحسنى و استجلاب عطف الناس عليهم و لفت انتباههم بما يقع عليهم من تعذيب و قهر و هم صابرون يحتسبون الأجر .

       و لذلك تجد أن الله نهى المؤمنين عن القتال في الفترة المكية و كان يحثهم على العفو و الصبر و عدم سب المشركين ، و لكن عندما أصبح للمؤمنين مدينة و كيان مستقل حينها لا يصح أن يستمر هذا المنهج في العفو و الصبر لأنه لن يجدي نفعا مع رؤساﺀ القبائل المجاورة الذين لن يسمحوا بوجود مدينة يحمل أهلها منهج دعوي قد يصل إلى قبائلهم و يغير حالهم من الرئاسة إلى التبعية ، لأن التعذيب الفردي في عصر الإستضعاف سيتحول إلى مذابح جماعية و انتهاك حرمات في بداية عصر القوة .

     حينها لا بد من تغير في الأسلوب و مقابلة العنف بالعنف و القتال بالقتال ، و غزو المشركين في ديارهم قبل أن يغزونا في ديارنا .

     نعود إلى ما يراه الناس من اختلاف بين المنهج المحمدي و المنهج المسيحي ، و الحق أنه لا يوجد اختلاف البتة ، لأن المسيح عليه السلام منذ بدﺀ دعوته و حتى رفع الله له كان في مرحلة استضعاف مستمر لم يخرج عنه ، و كانت طريقته هي نفسها طريقة النبي محمد - ص - عندما كان في مكة ، و لكن النبي محمد - ص - تحولت دعوته إلى مرحلة القوة و الدولة بينما لم يصل عيسى - ص - إلى هذه المرحلة ، هذا كل ما في الأمر .

     و لو أن عيسى عليه السلام قد وصلت دعوته إلى مرحلة القوة و بناء الدولة لا شك بأن اسلوبه سيتغير و طريق تعامله ستتبدل ، فلا يمكن تصور نبي الله عيسى يأمر أتباعه بالعفو و الصفح و الصبر حين يرى جيشا أمامه يريد هدم دولته و قتل أتباعه و انتهاك حرماتهم و وقف دعوته بكل سبيل ، من المؤكد أنه سيأمرهم بالقتال و الدفاع عن أنفسهم و الدفاع عن دعوة التوحيد التي جاء من أجلها ، ولا يمكن أن يجد دولة تحول بينه و بين وصول دعوته إلى من أمره الله بدعوتهم ثم هو يقف مكتوف اليدين ولا يقاتل في سبيل نشر دعوته .

و الذي يتأمل دعوة نبي الله موسى - عليه السلام - سيجد أنها أيضا بدأت بمرحلة العفو و الصفح و الصبر على الأذى ، فكان يقول لهم "استعينوا بالله و اصبروا" و كانوا يقولون له "أوذينا من قبل أن تأتينا و من بعد ما جئتنا" ، و لكن حينما خرج بهم و أصبحوا كثرة و قوة أمرهم الله بالقتال و جهاد القوم الجبارين و دخول الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم ، فردوا عليه بقولهم "اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون" و هذا سوﺀ أدب يفوق معصية عدم القتال ، ولكن ليس هذا موضوعنا .

إنما الشاهد هو إثبات أن غالب الأنبياﺀ تبدأ دعوتهم بمرحلة من الضعف لها أحكامها و طريقتها في التعامل مع المشركين و هذه الدعوة إذا وصلت إلى مرحلة القوة فلا بد أن تتغير أحكام التعامل مع المشركين بما يناسب المرحلة الجديدة ، و هذا لا يعد تغير في الدعوة بل تغير - فرضته الظروف و الأحوال - في طريقة توصيلها للناس .

                                                        والحمد لله رب العالمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق