اعلم أخي في الله أن الله سبحانه وتعالى لم يخلقنا في هذه الدنيا لنستريح فيها ، إنما خلقنا فيها لنتزود منها إلى الآخرة ، ومن كان همه فيها البحث عن الراحة فهو كالذي يبحث عن إبل ضالة في قعر كأس فارغ ، فلا راحة في الدنيا ، ومن توهم الراحة فيها فهو إنما أراح جسده قليلا ولكن فؤاده يتقلب كالماء الذي يغلي في القدر ، وما يلبث حتي يتأذى جسده من حال قلبه فيصبحان سواءا ، فلا راحة في الدنيا ، وإنما سعادة القلب في إجهاد الجسد ، فما الراحة في الدنيا إلا وهم كبير ينخدع به غير الموفقين من الناس الذين يسعون وراء الراحة والنوم والكسل فتضيع أعمارهم هباءا فلا قيمة لأعمارهم لأنهم بذروا أعمارهم تبذيرا وأضاعوها بغير عائد عليهم ولا على الناس ، أما الموفق فهو الذي يعلم أن أنفاسه معدودة وأن ملك الموت يتربص به ، كل همه في الدنيا هو تحصيل أكبر قدر ممكن من الحسنات ، فهو لا يضيع من عمره أي وقت في الراحة ، هو دائما في كد وتعب وذهاب ومجئ ، تجده في عمله ينفع الناس طلبا للرزق والأجر من الله أو ساعيا في قضاء حوائج الناس أو في طلب علم أو في دعوة إلى الله يعلم الناس من جهلوا من دينهم أو يذكرهم بما يرقق قلوبهم أو في قراءة قرآن أو ذكر أو في قيام ليل أو في صلة رحم ، إلى آخره من أعمال الخير اغتي تثَقِّل موازينه يوم القيامة ، فالراحة ليست هنا يا عبد الله ، الراحة هناك في الجنة ، اللهم ارزقنا الجنة واجعلنا من أهلها.
من تأمل سيرة النبي ص وصحابته الكرام تبين له بكل وضوح أنهم لم يكونوا فقط منشغلين عن الراحة بل كانوا يهربون من الراحة ، حتي كان بعضهم لا يكاد ينام ، وها هو النبي ص يضرب لنا أوضح مثال على ذلك ، فمن أول يوم من بعثته ص قال لخديجة رض : مضى عهد النوم يا خديجة ، وكان لا ينام على فراش ناعم أبدا حتى لا ينام عن قيام الليل وصلاة الفجر ، كان إذا استيقظ قفز من فراشه مسرعا نشيطا بغير تكاسل ، لا يألوا جهدا في الدعوة إلى الله ، وكان لا يفتر لسانه عن الذكر وتلاوة القرآن وتعليم الناس ، تجده دائما نشيطا في عمل الخيرات ، وكذلك تعلم الصحابة من هديه ص ، فقد رباهم ص وعلمهم أن العجز والكسل ليسا بخلق المؤمنين ، فكان الصحابة رض كالريح المرسلة التي لا تهدأ ، وإنما تترك مكانا لتذهب إلى آخر .
" والحمد لله رب العالمين "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق